أنطونيو غالا يودع قرطبة في سن الـ92 تاركاً وراءه إرثاً لا يُحصى

حصل على «جائزة بلانيتا» الأدبية وباع من «المخطوط القرمزي» أكثر من مليون نسخة

أنطونيو غالا يودع قرطبة في سن الـ92 تاركاً وراءه إرثاً لا يُحصى
TT

أنطونيو غالا يودع قرطبة في سن الـ92 تاركاً وراءه إرثاً لا يُحصى

أنطونيو غالا يودع قرطبة في سن الـ92 تاركاً وراءه إرثاً لا يُحصى

نعى عالم الأدب الإسباني فقدان أحد أعظم شخصياته: الشاعر والمسرحي والروائي والكاتب أنطونيو غالا الذي رحل عن عالمنا في 28 مايو (أيار) 2023 عن عمر يناهز الـ92 عاماً. وبرحيله، تكون الأندلس قد فقدت أحد أكثر عشاقها هياماً بتراثها وتاريخها وإرثها الثقافي؛ فقد ظل يحلم ببقايا غرناطة إلى أن كتب رواية عن آخر ملوكها بعنوان «المخطوط القرمزي»، وهي اعترافات الأمير عبد الله الصغير إلى أبنائه عن سقوط مملكته؛ إذ شاء القدر أن يقول له: «أنت آخر ملك ستخرج من غرناطة».

تم تكريم الكاتب بجوائز عديدة: جائزة «الأدب الوطني (بلانيتا)»، وجائزة «كالديرون دي لا باركا» الوطنية، وجائزة «مدينة برشلونة»، وجائزة «كيجوت دي أورو» وغيرها. ونشرت دار النشر الخاصة به نعياً قالت فيه: «سنتذكره دائماً لما يتمتع به من إرث أدبي ودعم جزيل للمبدعين الشباب. مع هذا الرحيل، لا نملك إلا أن نقول: (وداعاً أنطونيو، وداعاً أنطونيو)». من جهته، نشر بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية، عبر حسابه على «تويتر»، معزياً عائلته وأصدقائه، مشيراً إلى أن «إسبانيا فقدت واحداً من أعظم كتابها، وسوف تستلهم من أدبه دائماً».

وُلِد أنطونيو غالا في قرية برازاتورتاس بمنطقة سيوداد ريال في عام 1930، حيث كان والده طبيباً اضطرته ظروف العمل إلى الانتقال إلى قرطبة عندما كان ابنه طفلاً رضيعاً، فاعتبر نفسه منذ تلك اللحظة قرطبياً أصيلاً. تلقى تعليمه الثانوي في هذه المدينة التي عشقها، ودرس القانون والفلسفة والفنون في إشبيلية. كان يفتخر عند الحديث عن مدينته؛ فهي تحتضن الأيقونات والمساجد والكاتدرائيات، ولمعرفته الدقيقة بتفاصيلها. وكانت الملكة صوفيا تستعين به في زيارتها للمدينة لكي يكون دليلاً «سياحياً» لها، وهو الشغوف بمساجدها وكاتدرائياتها، مما دفعه إلى الوقوف ضد تحويل المسجد إلى كاتدرائية، كما أمر تشارلز الخامس، واعتبره انتهاكاً للإسلام والكاثوليكية في آن واحد، حتى إن هذا الملك الإسباني ندم على فعلته.

وانطلاقاً من ذلك، آمن الكاتب الراحل بأن مفهوم الأندلس يستند على التعايش بين اللغات والأديان؛ فهو الحل الوحيد الممكن. وبعد أن تحول مسجد قرطبة الكبير إلى موقع للتراث العالمي منذ عام 1984، بإقرار «اليونيسكو».

بدأت علاقته بالشعر في قرطبة، وسرعان ما امتدت إلى الأنواع الأخرى. ومن بعد ذلك، اجتاز امتحان المحاماة بنجاح، لكنه سرعان ما قدم استقالته فوراً، حيث رفض العمل في هذا السلك. وكما اعترف بأن ما دفعه لدراسة القانون هو إرضاء رغبة والده، حين حصل على شهادة المحاماة؛ وضعها أمامه على الطاولة، ثم انصرف إلى كتابة الأدب. وكان أول ديوان له «عدوي الحميم» الذي كتبه في سن السابعة عشرة، وحصل على جائزة «أدونيس للشعر» الإسبانية في 1959.

وسرعان ما انتقل إلى كتابة المسرح؛ فكتب المسرحيات التالية: «حقول عدن الخضراء» التي حصل بفضلها على «الجائزة الوطنية الإسبانية للمسرح» (1963)، و«لماذا تجري يا أوليس؟» (1963)، و«قليلاً من العشب» (1968)، و«الأيام الطيبة المفقودة» (1972)، و«خاتمان من أجل سيدة» (1973)، و«القيثارات المعلَّقة على الأشجار» (1974)، و«بيترا ريغالدا» (1980)، و«مقبرة الطيور» (1982)، و«سمرقند» (1985)، و«كارم» (1988)، و«المارقة» (1992)، و«الجمال النائم» (1994)، كما خاض كتابة السيناريو في مسلسلات تلفزيونية من عام 1989.

وفي الشعر، كتب المجاميع الشعرية التالية: «قصائد الحب» و«رغبة أندلسية»، و«العدو الحميم». وكشاعر، كان ينظر إلى ترجمة الشعر من لغة إلى لغة أخرى، بوصفها حالة صعبة؛ فهو لا يريد أن يترجم رامبو أو فرلين بالشعر المقفى والموزون الإسباني، إنما يرى في ترجمة الشعر المعاني والدلالات والرموز والإيحاء.

أما الرواية، فقد بدأ بكتابتها متأخراً، لكنه لاقى نجاحاً كبيراً بعد روايته «المخطوط القُرْمُزي»، و«الوله التركي» و«غرناطة بني نصر»، و«النسر ذو الرأسين»، و«قانون الثلاثة». وقد تم تحويل روايتين له إلى فيلمين سينمائيين، هما «الوَلَهُ التركي» التي استلهمها المخرج الإسباني فيسنت آراندا، و«خلف الحديقة» التي أخرجها بيدرو أوليا. بينما يتناول في رواية «غرناطة بني نصر» تاريخ المدينة وبريقها في حقبة بني نصر، وحتى سقوطها عام 1492 على يد الملكين فيرناندو وإيزابيلا اللذين لا يتوانى عن وصفهما بالوحشية والبربرية. وفي رواية «الوله التركي» يعرض الكاتب الراحل فلسفته للحب من خلال شخصية دسي ويمام المرشد السياحي التركي. وأثناء رحلتها إلى تركيا مع زوجها راميرو المحافظ جداً تقع في حب هذا الشاب، وتهاجر إلى بلده، مضحيةً بكل حياتها من أجله، لكنه لم يكن يهتم سوى بتجارته في السجاد الثمين والقطع الأثرية.

ثم كتب روايته الشهيرة «المخطوط القرمزي» التي أطلقت شهرته في الآفاق إذ حصلت على جائزة «بلانيتا» (1990)، وهي من أهم جوائز الرواية في إسبانيا. وقد طُبعت وأُعيدت طباعتها أكثر من 20 مرة حتى الآن، ووصل عدد النسخ المبيعة إلى أكثر من مليون نسخة.

تطرح الرواية التساؤل التالي: هل كان «أبو عبد الله الصغير» (آخر سلاطين الأندلس) خائناً أضاع الأندلس كما يروي لنا التاريخ؟

«التاريخ يكتبه المنتصر»... كلام ينطبق على «أبو عبد الله الصغير»، آخر ملوك الأندلس الذي سلم غرناطة للملك فرناندو والملكة إيزابيلا، ليطوي صفحة 7 قرون وأكثر من الوجود الإسلامي في إسبانيا. لكن أنطونيو غالا وقف ضد هذا المنتصر وقال الحقيقة التي حاول الغزاة تزييفها؛ فهو يضعنا أمام شخص آخر وقعت عليه لعنة التاريخ: لكنه شخص من لحم ودم يعيش الحياة حلوها ومرها، شخص يبكي لأنه يعرف أن التاريخ سيضع على كاهله هذا الثقل الكبير من الهزيمة.

تجسيد مأساة «أبو عبد الله الصغير»

مَن مِنا لا ترن في ذاكرته كلمات أمه حين التفت ابنها ليلقي آخر نظرة على غرناطة باكياً: «ابكِ كالنساء مُلكاً لم تصنه كالرجال؟»، و«إن الشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ»، هذا أيضاً ما قالته أمه حين أبلغها أنه يخشى أن يمثل الأعداء بجثته. سيرة ذاتية وروائية، من الطفولة إلى المنفى، تكشف عن حياة أمير راقٍ مفتون بالسلام والثقافة، أُجبر على الحرب والسياسة، على خلفية الصراعات الداخلية والتعصبات والخيانات.

لم يتكلم الكاتب بلسان الملك المهزوم، أي بصوت ضمير المتكلم كما لو كان أبو عبد الله الصغير يكتب رسالة مطولة من منفاه في فاس إلى أبنائه ليشرح لهم ويبرر ضياع مملكته. لم يتكلم الكاتب الراحل بلسان المنتصرين من أبناء جلدته، بل بلسان الأمير العربي المهزوم. إنها اللحظة التاريخية التي يستسلم فيها بطل الرواية للموت في أحد مستشفيات فاس، طالباً الاستماع إلى الموسيقى الأندلسية دواءً أخيراً وشافياً.

لقد تهيأت الظروف للكاتب الراحل لكي يكتب هذه الرواية الكبيرة لأن الحرب الأهلية الإسبانية طغت على طفولته، رغم أن فناء بيته كان مليئاً بالزهور، إلا أنه عانى من موت أخيه المبكر (لويس)، وظل شبحه يلاحقه إلى سنوات طويلة.

شغف بالعرب

كان الشغف بالشرق والأندلس يدفعه لزيارة عدد من البلدان العربية مثل العراق وسوريا، وكانت مدينة أصيلة المغربية نافذته على العالم العربي، وهو يقوم برحلته عبر مضيق جبل طارق، وميناء طنجة، إلى هذه المدينة، ذات الجدران البيضاء والأبواب الزرقاء، إذ كان يحرص على حضور افتتاح جامعة المعتمد بن عباد الصيفية. واعتاد أن يحمل عصاه المرصعة برأس أسد عاجي، ويتجول في أزقتها، وأحياناً يدق الأرض بعصاه، ويتنبه كأعمى مغمض العينين إلى صوت داخلي حميم، هو كروان الأندلس وموسيقى غرناطة. كان يجلس في قصر «الريسوني» في الطابق الأول حيث النوافذ مشرعة على البحر. وينظر بحسرة وألم إلى عام 1492هـ الذي يحمل وجهين؛ أحدهما مشرق والآخر حالك في تاريخ إسبانيا والعالم، وهما: خروج العرب من الأندلس واكتشاف إسبانيا لأميركا، أي ما بين السقوط والصعود.

ظلت غرناطة تظهر وشماً في ذاكرته. وأثناء تجوالنا في مدينة أصيلة، كان يشرد بنظراته بعيداً إلى ما وراء الأسوار كأنه يبحث عن ضالته المنشودة في ثنايا جدرانها البيضاء. «إسبانيا في القلب...»، هكذا أطلق لوركا صرخته. وها هو أنطونيو غالا يهمس إلى البحر قائلاً: «غرناطة في القلب»؛ إذ الأندلس في نظره أهم لحظة في الثقافة الإنسانية، للإسبان ولغيرهم: زمن لا يُنسى، وأعلام خالدون، أمثال ابن رشد وابن سينا وابن ميمون كرسوا تأثير الثقافة العربية على الإسبان وأوروبا، بل هم أجداد الثقافة الإسبانية؛ إذ صنع العرب حياة وحضارة وأمجاداً ما زالت آثارها باقية في المدن الإسبانية حتى الوقت الحاضر.

إنجازات متنوعة

يمكن القول إن الراحل أنطونيو غالا مؤلف حقق نجاحاً كبيراً مع القراء في مجال الشعر والدراما والرواية على حد سواء، وهي حالة أدبية نادرة. وتميز أسلوبه بالصور الحية والروح الغنائية، وإتقانه للكتابة، أسلوباً وشكلاً؛ إذ تتراوح أعماله بين الغنائية والشهادة والتاريخ والقضايا الكبرى، ذات الطبيعة الأخلاقية والنقدية؛ فهو كاتب نجح في وضع العواطف والطبيعية والقصص والنكهات والألوان بين ظلال كلماته، كما يراه الإسبان. لذلك احتل مكانة خاصة في قلوب القراء وعقولهم. عرف كيف يصل إلى أرواحنا وينير حاضرنا بشكل لا مثيل له. فهو كاتبٌ يتمتع بموهبة فطرية، ينضح منها شعر غنائي أخَّاذ. وقراءة أعماله الأدبية مغامرة ممتعة ومعقدة في المشاعر والتفاصيل والتاريخ بحيث تجعلنا نتحد مع أنفسنا ومع العالم.

ولكن أعماله تطرح في الوقت ذاته متاهة الحيرة والفراغ في النفس الإنسانية. إن إتقانه لنسج الكلمات والحياة والأفكار يتميز بمهارة ودراية، ومعرفته كبيرة بمعجم الإبداع، شعراً ونثراً. لذلك تم وصف الكاتب الراحل بمختلف النعوت الإبداعية، مثل: «خيميائي الكلمات»، و«ملك الاستعارة»، و«ساحر الكلمات»، وكاتب الحاضر عبر الماضي، الذي منح تفاصيل الحياة اليومية روحاً شعرية.


مقالات ذات صلة

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

ثقافة وفنون كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

لطالما كانت الكتب التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

«توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

لا تنفصل البنية السردية في رواية بشرى الهلالي «توقيت آخر للحياة» (دار الحكمة، لندن) عن سياق السرديات العراقية المعاصرة المحكومة باستراتيجية المواجهة مع الصدمة؛

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون الكاتب الذي يموت مرتين

الكاتب الذي يموت مرتين

قد يموت الكاتب مرتين. مرة حين يتوقف الناس عن القراءة له، ومرة حين يوارى جسده في أعماق التراب. المفارقة أن الموت الأول قد يسبق الثاني بسنوات طويلة،

خالد الغنّامي

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.