صالحة عبيد: استقلالية المرأة جسرها نحو الإبداع وحرية التعبير

الروائية الإماراتية تقول إن الشارقة «منحتها الذاكرة»

الروائية الإماراتية صالحة عبيد
الروائية الإماراتية صالحة عبيد
TT

صالحة عبيد: استقلالية المرأة جسرها نحو الإبداع وحرية التعبير

الروائية الإماراتية صالحة عبيد
الروائية الإماراتية صالحة عبيد

نشرت الكاتبة الإماراتية صالحة عبيد (مواليد 1988) لحد الآن ثلاث مجموعات قصصية قصيرة وروايتين، أول مجموعة قصصية لها حملت عنوان: «زهايمر» (2010) وترجمت إلى الألمانية، تلتها مجموعتها القصصية: «ساعي السعادة» (2012) و«خصلة بيضاء بشكل ضمني» (2015) التي فازت بجائزة العويس للإبداع (2016) وأصدرت رواية «آيباد... الحياة على طريقة زوربا» (2014). كما فازت عن مجمل أعمالها بجائزة الإمارات للشباب في فئة الكتابة الإبداعية عام 2017، وفي عام 2018 نشرت روايتها الثانية: «لعلها مزحة».

هنا حوار معها:

* ماذا منحتكِ الشارقة؟

- بادئ ذي بدء، فإن أول ما منحته لي إمارة الشارقة هو الذاكرة، التي منها يبدأ كل شيء ويتماهى من كل تفاصيل الحياة، ورغم التطور العمراني السريع في سنوات الطفرة في الخليج عموماً والإمارات بشكل خاص، فإن هناك أجزاءً كثيرة من إمارة الشارقة التي تحركت فيها في طفولتي، ولا زلت أتحرك فيها اليوم على امتداد العمر والتجربة، متصلة بخيط واضح بذاكرة والدي وجدتي، أتذكر كيف أن والدي كان يخبرنا عن تحركاته بمحاذاة الميناء وبحر الشارقة، الذي لا زال موجوداً كما هو تقريباً، ثم وصفه للشارقة القديمة التي حافظت على أجزاء مهمة من بعدها الجغرافي والعمراني بفضل الانتباه لضرورة الترميم للهدم عبوراً إلى النهضة الحضارية، بأساس راسخ هو هوية المكان، هي مدينتي الآمنة على الذاكرة كما أحب أن أسميها في بعدها ذاك، وأتمنى أن تستمر بذلك دون أن تنساق للتمدن الفج فجأة، بل أن تحافظ على نسقها الرصين الهادئ، الذي يحيل بدوره إلى مشروع الشارقة الثقافي التراكمي والهادئ الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، الذي بدوره منحني وإن بشكل غير مباشر، تلك الرغبة التأملية الهادئة في الملاحظة والرصد، باعتبار أن السارد هو ملاحظ هادئ بالدرجة الأولى وخلف الكواليس للتفاصيل، يراكمها بعداً بعد آخر لكي يصنع الحكاية التي تحاول أن تشرح الواقع وتبني عليه المخيلة إلى آخر ما تقتضيه العملية الإبداعية السردية.

* كتبتِ مقالاً بعنوان: «غرفة فيرجينيا وبرقع سلمى»، تتحدثين عن إبداع المرأة في الخليج والإمارات تحديداً، كيف ترين هذا الإبداع؟

- لا أعرف إن كنتُ شخصاً مؤهلاً للتقييم في حقيقة الأمر، لكن كل ما أعبّر عنه هو مجموعة من التأملات الخاصة من قراءات وملاحظات بين المحلي القريب والآخر البعيد، وكما ذكرت في المقالة التأملية، فإنه في الوقت الذي كانت «فيرجينيا وولف» تنادي لاستقلالية المرأة بالمعنى الحرفي سكناً ومادة، الأمر الذي سيكون جسراً معنوياً لاحقاً لاستقلاليتها الإبداعية وحريتها في التعبير، فإن الأمر شكّل مفارقة مختلفة نسبياً في الخليج وفي الإمارات بشكل خاص، فمع التطور النهضوي وحضور المرأة في الفضاء العام، وجدت الكثير من الأسماء التي اتجهت للتعبير الإبداعي بأسماء مستعارة، عبرت بجرأة في بعض الجوانب عما تبتغيه المرأة كإنسانة بالدرجة الأولى في هذه المجتمعات المتسارعة في نموها في مرحلة ما بعد الطفرة، والتزمت بعض النماذج منها بشكل خلاب بين الفكرة وقوتها، وبين الالتزام بالشروط السردية للنص الحديث، واللغة الجديدة.

* هل كان التواري خلف أسماء مستعارة سببه مطالبات معينة، أو الهروب من الرقابة مثلاً؟

- لم تكن الحكاية هي مجرد حكاية موجهة للمناداة بحق ما... لاحقاً، زاد عدد السيدات الكاتبات، وهناك أصوات جميلة اليوم وفارقة يكتبن بأسمائهن الصريحة وأنجزن إبداعياً على مستوى الشعر والسرد والتشكيل، لكن هذا التزايد العددي مقابل الندرة والتواري خلف الأسماء المستعارة سابقاً، رافقه شيءٌ من المهادنة في الطرح والتعبير، وهو أمر لا أستطيع أن أستثني نفسي منه في بعض الجوانب، لعلها التركيبة الاجتماعية والرقابة الاجتماعية فيها، التي تمارس رغم الاستقلالية والحضور في الفضاء العام شكلاً من أشكال الرقابة المستمرة والمضمنة في اللاوعي الأنثوي للمرأة الخليجية والإماراتية.

* روايتك «لعلها مزحة» بدت وكأنه نسج حوار بين جيلين في الإمارات... رغم حداثة التجربة في الدولة فإنها تمرُّ بسرعة مما يضاعف المسافة بين الأجيال... كيف تعمل الرواية على تجسير هذه المسافة؟

- أظنها ستبقى موجودة دائماً بسبب الوضع الخاص الذي مرَّ به الخليج وشبه الجزيرة العربية عموماً، قفزات سريعة بعد الطفرة، هذه القفزات خلقت فجوات كبيرة على المستوى الاجتماعي بين الأجيال، أسئلة كثيرة ومتشعبّة بلا إجابات ولعل الإجابات لم تكن لتوجد يوماً، ومن هنا لعلها خصوصية هذا المجتمع اليوم ولربما يبقى الأدب كغيره من الفنون مجرد محاولات لتجسير تلك الفجوة ما أمكن، من خلال ما تعرضه من أنسنّة لتلك الأسئلة وتبعاتها وتلك المراحل بين الأجيال من خلال أسماء شخوص وحكايات تحاكي المراحل وتبتكر إجابات محتملة، وحواراً من الممكن أن ينتقل من عالم المخيلة إلى أرض الواقع.

* في مقال لك بعنوان «ينتابنا هلع جلجامش»، تقولين إن «جلجامش في هلعه القديم كان خائفاً من عدم قدرته على السيطرة على مصيره»، و«نحن نرفض نهاية جلجامش (...) فالخوف هو الدافع الأكبر لكل ما نفعل»... أليس الخوف هو قيد المبدع وسجن الإبداع؟

- الخوف هو شعور، والمشاعر الإنسانية هي أكثر الأشياء هشاشة، ما يأتي بعد هذا الشعور هو الفارق وهو رد الفعل، الإنسان كائن عاقل يتميز بقدرة الوعي والتفكير والتحليل، ومن هنا أظن أن الشعور بالخوف في المكون الإنساني، هو الذي أتى بردة الفعل الأولى لصنع الحضارة، الحضارة الحديثة اليوم، التي هي محاولتنا للوصول للخلود في رحلة جلجامش التي لم نقتنع بأنها انتهت، وكيف كان الأمر ليكون لو أن جلجامش قد شعر بالخوف من موت إنكيدوا ومن مصير يشبهه فذهب في تلك الرحلة العظيمة، التي نحن بشكلٍ أو بآخر نتاجها اليوم، الخوف هو محفز، ما يأتي بعده هو نتاج الوعي الخاص إما أن يكون خوفك سجنك أو أن يكون جسرك نحو محاولات النجاة، المحاولات التي يأتي الإبداع ليشكل طريقها الإنساني الخاص والأكثر جسارة منذ أن أدرك الإنسان قدرته الخاصة على الخلق بدوره.

* مجموعتك القصصية «زهايمر» التي صدرت عام 2010 وترجمت للألمانية، كثيرون وجدوها تجربة مختلفة لأنها تحكي صعوبة موت الذاكرة وضياعها... ما الرسالة التي تضمنتها هذه المجموعة؟

- لا أؤمن بفكرة أن تكون لكل عمل ما رسالة واضحة وظاهرة، وإلا فما قيمة الشراكة الإبداعية بين السارد والمتلقي التي يكون أحد أهم شروطها ترك بوابات التأويل مشرعة، وبالعودة لـ«زهايمر»، فإنها تقنياً كانت المحاولات الأولى لفتاة العشرينات لمحاولة بناء عالم قصصي وشخوص يحاكي ما قرأته في عالم السرد الذي تحبه، من الذاكرة وعنها، ولعله الأمر الذي جعل كثيراً من القصص تشترك بشكل ضمني في ثيمة الذاكرة، وفاءً للذاكرة الإنسانية.

* روايتك «دائرة التوابل» ثمة ارتباط بين بطلة الرواية (شيريهان)، المهمومة بالروائح البشرية وبطل رواية (العطر) جان باتيست غرونوي، الذي يقوده نفوره من الروائح البشرية لتصنيع عطر للسيطرة على البشر، لأن «من يسيطر على الروائح يسيطر على قلوب الناس» هل ترين ترابطاً بين الروايتين؟

- عدا الرائحة، لا يوجد هناك تقاطع، وإلا لاكتفينا برواية واحدة فقط عن الكراهية ورواية واحدة عن الحب وقصة منفردة عن البحر وغيرها، ولعل زوسيكد في العطر، جعل الرائحة أقوى حضوراً وأبرز ثيمتها بشكل أكبر، في حين أن الرائحة في عوالم «شما» و«شيريهان» كانت أكثر مواربة، في عالم كان الوقع الأكبر فيه حاضراً وموجهاً نحو ثيمتي الغضب والموت والدائرة التي لا تكسر بينهما... وهو مجرد تأويل واحد من مجموعة مخرجات قد يجدها المتلقي بعد أن يقرأ العمل.

* ما رمزية حضور الخليفة العباسي عبد الله بن المعتز في هذه الرواية، وهو شاعر تسلم السلطة ليوم وليلة فقط؟

- كنتُ مأخوذة لفترة بحكاية ابن المعتز على المستوى الشخصي، فتنتني المفارقة الكامنة في أنه في اللحظة التي تخلى فيها عن الشعر واختار السلطة، فإنه كان يختار موته، وأنه رغم كل الدم الذي أحيط به ورغم كل محاولات التخلص منه بقي ناجياً في حضرة الشعر والفتنة وعوالم الغواية، حتى أتت السلطة فقتلته، وعلى المستوى الروائي، حضوره كان مهماً لتأصيل فكرة الغضب التاريخي المستعر والمقيم في تراثنا العربي، الذي لم يبتر، حتى في أزمنة اليوم الحديثة، لعله سر غضبنا المتواري، الذي لا نجد له تفسيراً في مجتمعاتنا اليوم، المتصارعة والمشتعلة والمقتتلة، والصارخة على الدوام.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».