في حمّام صيدا

في حمّام صيدا
TT

في حمّام صيدا

في حمّام صيدا

في اللّغة العربيّة التي يصفها الشّاعر الرّوسي يفغيني يفتشينكو: «وكأنّ الطّبيعة سكبت فيها كلّ حنانها»، ليست ثمّة في لغتنا كلمتان قريبتان، إحداهما من الأخرى، وشديدتا التّنافر من كلمتي «الأثَرَة» و«الإيثار». لا يشبه الصّباحُ في صيدا صباحاً في بيروت أو بغداد أو كلّ العالم، فرطوبة البحر تُعطي الهواء لمعاناً خفيفاً، ليقبع كلّ شيء في القلعة التّاريخيّة عند الشّاطئ تحت غطاء صمغيّ مصنوع من الماضي. لكن المدينة ليست في قلعتها أو في سوقها، بل هي كائنة في حمّاماتها القديمة.

تدخل حمّام صيدا، وكأنّك تهبط فجأة إلى مغارة في قلب جبل، حيث السّيادة الصّامتة للظّلّ، وحيث الصّخور ليست حجارة وحسب، فهي تشبه بيضات طائر خرافيّ عملاق. هل تخيّلتم سماع نبض قلب جبل؟ عند كلّ بيضة لا بدّ أن يصغي الزائر إلى هذا النّبض، وتسكن موسيقى ظلام قلب الجبل وضياؤه في وجدانه وسريرته، وتبقى تتردّد.

لا يهمّني من المكان عمره أو هندسته وطريقة بنائه، الذي يعنيني في حمّام صيدا، النّاس. كيف يمكنني التواصل مع جمهور من النساء والرجال ماتوا قبل مئات أو ألوف السنين؟ باستطاعة المرء بواسطة الفن إبطاء الزمن أو العودة به إلى الوراء، وهكذا تخيّلت نفسي أستحمّ وكانت نظافة بدني أو روحي هي آخر ما فكّرت به.

الدم الروحي

هنالك صورة غير مرئيّة لقطرة ماء شفيفة يقتسمها جميع من دخلوا المكان، وجميع من استحمّوا فيه، وجميع السّائحين الذين مرّوا بالمكان. قطرة ماء تشبه التفّاحة التي قطفتها أمنا حوّاء، والتي سوف يقتسمها الجميع فتكفيهم. الفرق هو أن تفّاحتي (قطرة الماء) سوف تزيل الرِّجس عن خطيئتنا، بمن فيهم أمّنا الأولى وأبونا... من يدخل هذا المكان تصيّرهُ القطرةُ فرخاً يسكن بيضة الطائر العملاق، وتبرئه عند باب الخروج طائراً يشقّ بجناحيه الفضاء.

الرواية هي «موبي ديك» أو الحوت الأبيض لهيرمان ميلفل، وعنوان الفصل هو «عصر الأكر الشّحمية»، حيث يشبّه الكاتب الحوضَ الذي يتجمّع فيه زيت الحوت في السّفينة التي كان يعمل فيها بحمّام قسطنطين، الإمبراطور اليونانيّ الذي شيّد حمّامات عامّة ليجبر شعبه على الاستحمام، وكانت تسخّن بواسطة أشعّة الشّمس، من أجل أن تكون الفكرة ويكون الحلم بإهابٍ إلهيّ، وكان الإمبراطور معنيًّا بلا شيء غير الشّعور بالرّفقة بين أبناء قومه، وهي المنزلة التي ينتقل فيها الدّم الروحي من إنسان إلى إنسان.

يتدحرج شحم الحوت إلى حوض واسع في السّفينة، ويقوم العمّال بعَصره ليصير سائلاً. يقول ميلفل: «كنت أغسل يدي بين تلك الكرات النّاعمة اللّطيفة... وأستنشق ذلك العطر الخالص الذي لم تشبْه شائبة - حقّاً وصدقاً - كأنّه رائحة البنفسج في الرّبيع». وتطوف في وجدانه في تلك السّاعة خواطر، هي الأفكار ذاتها التي بلغتني وأنا أتملّى دكّات حمّام صيدا الحجريّة: «أصدقكم القول إنّني عشت لحظة وكأنّني في حقل مسكيّ؛ نسيت كلّ شيء... في ذلك الزّيت الذي لا يحدّه تعبير غسلت يديّ وقلبي معاً؛ حين كنت أستحمّ في ذلك الحمّام شعرت شعوراً سماويّاً بأنّي بريء من كلّ نيّة سيّئة أو من كلّ نكد أو حقد أو أيّ شيء من ذلك». لا توجد لحظات أسمى من تلك التي يتقرّب فيها اثنان، رجل وامرأة، ويعلن الحبّ بينهما عن سطوته على كلّ شيء في الوجود، ويترك الاثنان عندها كلّ ما هو ذاتيّ وأنانيّ وينتميان إلى الرّفاقيّة العامة بين البشر. عندما يقول الفتى أو الفتاة: «أنا أحبّ»، فإن الكلام يظهر إلى الملأ بصوت شديد التّجريد، شديد الخطابيّة، وتصير عند ذلك موسيقى شجيّة تقول ما معناه: «نحن نحبّ». في اللّغة العربيّة التي يصفها الشّاعر الرّوسي يفغيني يفتشينكو «وكأنّ الطّبيعة سكبت فيها كلّ حنانها».

الأثرة والإيثار

ليست ثمّة في لغتنا كلمتان قريبتان، إحداهما من الأخرى، وشديدتا التّنافر من كلمتي «الأثَرَة» و«الإيثار». الأولى تعني الأنانيّة وحبّ الذات، والإيثار هو أعلى المكارم. عند ساعات الحبّ العظيمة تخلع الكلمة الأولى شكلها، وتتطهّر منه، كما أن ما يقوم به المحبّون في حياتهم يعود بفضله إلى هذه المعادلة. ونعود إلى السيّد ميلفل، بارئ ملحمة موبي ديك: «عصراً! عصراً! عصراً! طوال الصّباح كلِّه. عصرتُ ذلك الشّحم حتى كدت أذوب فيه؛ عصرت ذلك الشّحم حتى استولى عليّ نوع فذّ من الجنون، ووجدتني أعصر ـ دون أن أدري ـ أيدي زملائي العاملين معي في الحوض، ظانّاً أن أيديهم كرات لطيفة. ولّد هذا العمل فيّ شعوراً فيّاضاً ودّياً حبيباً متحبباً حتّى إنّني في النّهاية أصبحت أشدّ على أيديهم وأنظر في عيونهم في حنان كأنّني أقول لهم؛ آه يا رفاقي الأعزّاء لِمَ نظلّ بعد اليوم نستطعم أيّ صور الجفاء الاجتماعي أو نتعرّف إلى أقلّ الحسد أو نكد الطّبع! هيّا بنا يشدّ بعضنا على أيدي بعض، بل نعتصر أنفسنا بعضها في بعض، لنعتصر أنفسنا جميعاً نحن الآدميين في حليب اللّطف الوديع وزيته، وكلّ هذا كان من حصّتي، وأنا أتأمّل اللُّحمة البشريّة تعجن خبز المحبّة الدّائمة في حمّام صيدا، وهذه تَكفي البشر جميعاً طعاماً وماءً، كأنهم تحوّلوا إلى طيور يكفيها القليل من الحَبّ للعيش، فهي لا تكتنز شيئاً ولا تخزنه ولا تطلب أكثر من زاد اليوم.

لم يكن البطل الحقيقيّ لملحمة الحوت الأبيض هو الكابتن الحقود آخاب، ولا الرّاوي إسماعيل ذو الأصول الدّينيّة المسيحيّة. اختار المؤلّف رجلاً من أكَلة لحوم البشر اسمه «كويكوج» مثلاً أعلى من بين مئات الشّخصيات التي حكى عنها في الرّواية، وكان المشهد الذي يُلقي فيه كويكوج بنفسه فجراً في البحر الصاخب لينقذ أحد البحّارة من الغرق، دليلاً على أن أسمى ما لدينا هو الإيثار، الذي هو أعلى مراتب الحبّ، فمن يبلغه يكن حامل الرّاية.

\"\"

في القسم الأول من قصيدة الأرض الخراب نقرأ كلاماً للسيّدة ماري، وكانت تتذكّر رحلة قامت بها إلى حيث يسكن ابن عمّها الأرشيدوق: (الأبيات 14 - 16) «أخذني على زلّاقة فأصابني الخوف. قال، ماري ماري، تمسّكي بإحكام، وانحدرنا نزولاً». ثم يقول الشّاعر ساخراً من الهلع الذي تملّك ماري: (الأبيات 20 – 30) «يا ابن آدم أنت لا تقدر أن تقول أو تحزر، لأنك لا تعرف غير... ظلّك في الصّباح يخبّ وراءك أو ظلّك في المساء ينهض كي يلاقيك ولسوف أريك الخوف في حفنة من تراب». الخوف الحقيقيّ هو ليس نشوة الرّعب التي تصاحب ركوب الزلّاقة عندما تنحدر مسرعة في المنعطفات، كما أنه ليس ذلك الذّعر الجنونيّ الذي يشلّ أعصاب وعظام الإنسان عندما يفكّر بالمجاعة. من المعتقدات الصّينية التّقليديّة أن الأمراض تنتج عندما يستنفد الجسد الطّاقة، وهي ليست ذلك النّوع من الطّاقة التي تُدرّس في كتب الأحياء، بل نسخة صوفيّة منها، التي أدعوها طاقة الحُبّ. تعلّمتُ من زيارتي إلى حمّام صيدا أن الخوف الأهمّ في حياتنا هو الجوع إلى الحُبّ، لأن الحال عندها تجعلنا نعيش في عالم وهميّ ولا نكترث بما يجري من حولنا، الخطر النّووي مثلاً، والوحش المسمّى Godzilla الذي يعمل بالطّاقة النّووية والذّكاء الاصطناعيّ القاتل، وكذلك الأوبئة والجفاف وغير ذلك مما يهدّد شمس الحياة بالانطفاء، ويتوعدّ البشر والحيوان والنّبات بالفناء.

يريد الفنّان إعادة إنتاج الحضارة بأساليبَ جديدةٍ تمنح الإنسان وجميع الكائنات فيه وضعاً مغايراً يعطي كلّ شيء في الوجود تعريفاً جديداً، ويعيش الفنّانون في حالة حلُم دائمة في سبيل تحقيق ذلك. هل يمكننا القول إن العالم المُنتج بواسطة الفنّ هو التّعبير الواقعيّ للجنّة التي تخبرنا بها كتب الأنبياء؟ أكل آدم تفّاحته الشّهيرة وأُخرج بسبب ذلك من الجنّة، ونأكل نحن من تفّاحة الفنّ ونعود نسكن الجنّة ثانية، ولن يرغمنا هذه المرّة أحد على المغادرة.

جئتُ إلى مدينة صيدا في ضيافة سيّدةٍ صيداويّة بسيّارة تاكسي قدِمت خصّيصاً إلى الفندق، وأوصلتني إلى المدينة. ثم زرتُ الحمّام القديم، وصارت في قلبي كلّ الكلمات التي قلتها في هذا المقال، وعندما حانت ساعة العودة، اعتذرتُ من مضيّفتي أن تجهّزَ سيّارةَ الأجرة لي، واخترتُ أن أعود بباص يحيط بي الركّاب فيه من كلّ جانب. يقول محمد خضيّر: «ليس هناك أجمل وأشمل وأدفأ من كلمة (النّاس)». في حمّام صيدا كان النّاس الأقدمون يحيطون بي من كلّ جانب، وامتدّ زمان هؤلاء إلى عهد آدمَ، فيا لسعادتي أنني عاشرت في المكان أمّي وأبي...



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.