في حمّام صيدا

في حمّام صيدا
TT

في حمّام صيدا

في حمّام صيدا

في اللّغة العربيّة التي يصفها الشّاعر الرّوسي يفغيني يفتشينكو: «وكأنّ الطّبيعة سكبت فيها كلّ حنانها»، ليست ثمّة في لغتنا كلمتان قريبتان، إحداهما من الأخرى، وشديدتا التّنافر من كلمتي «الأثَرَة» و«الإيثار». لا يشبه الصّباحُ في صيدا صباحاً في بيروت أو بغداد أو كلّ العالم، فرطوبة البحر تُعطي الهواء لمعاناً خفيفاً، ليقبع كلّ شيء في القلعة التّاريخيّة عند الشّاطئ تحت غطاء صمغيّ مصنوع من الماضي. لكن المدينة ليست في قلعتها أو في سوقها، بل هي كائنة في حمّاماتها القديمة.

تدخل حمّام صيدا، وكأنّك تهبط فجأة إلى مغارة في قلب جبل، حيث السّيادة الصّامتة للظّلّ، وحيث الصّخور ليست حجارة وحسب، فهي تشبه بيضات طائر خرافيّ عملاق. هل تخيّلتم سماع نبض قلب جبل؟ عند كلّ بيضة لا بدّ أن يصغي الزائر إلى هذا النّبض، وتسكن موسيقى ظلام قلب الجبل وضياؤه في وجدانه وسريرته، وتبقى تتردّد.

لا يهمّني من المكان عمره أو هندسته وطريقة بنائه، الذي يعنيني في حمّام صيدا، النّاس. كيف يمكنني التواصل مع جمهور من النساء والرجال ماتوا قبل مئات أو ألوف السنين؟ باستطاعة المرء بواسطة الفن إبطاء الزمن أو العودة به إلى الوراء، وهكذا تخيّلت نفسي أستحمّ وكانت نظافة بدني أو روحي هي آخر ما فكّرت به.

الدم الروحي

هنالك صورة غير مرئيّة لقطرة ماء شفيفة يقتسمها جميع من دخلوا المكان، وجميع من استحمّوا فيه، وجميع السّائحين الذين مرّوا بالمكان. قطرة ماء تشبه التفّاحة التي قطفتها أمنا حوّاء، والتي سوف يقتسمها الجميع فتكفيهم. الفرق هو أن تفّاحتي (قطرة الماء) سوف تزيل الرِّجس عن خطيئتنا، بمن فيهم أمّنا الأولى وأبونا... من يدخل هذا المكان تصيّرهُ القطرةُ فرخاً يسكن بيضة الطائر العملاق، وتبرئه عند باب الخروج طائراً يشقّ بجناحيه الفضاء.

الرواية هي «موبي ديك» أو الحوت الأبيض لهيرمان ميلفل، وعنوان الفصل هو «عصر الأكر الشّحمية»، حيث يشبّه الكاتب الحوضَ الذي يتجمّع فيه زيت الحوت في السّفينة التي كان يعمل فيها بحمّام قسطنطين، الإمبراطور اليونانيّ الذي شيّد حمّامات عامّة ليجبر شعبه على الاستحمام، وكانت تسخّن بواسطة أشعّة الشّمس، من أجل أن تكون الفكرة ويكون الحلم بإهابٍ إلهيّ، وكان الإمبراطور معنيًّا بلا شيء غير الشّعور بالرّفقة بين أبناء قومه، وهي المنزلة التي ينتقل فيها الدّم الروحي من إنسان إلى إنسان.

يتدحرج شحم الحوت إلى حوض واسع في السّفينة، ويقوم العمّال بعَصره ليصير سائلاً. يقول ميلفل: «كنت أغسل يدي بين تلك الكرات النّاعمة اللّطيفة... وأستنشق ذلك العطر الخالص الذي لم تشبْه شائبة - حقّاً وصدقاً - كأنّه رائحة البنفسج في الرّبيع». وتطوف في وجدانه في تلك السّاعة خواطر، هي الأفكار ذاتها التي بلغتني وأنا أتملّى دكّات حمّام صيدا الحجريّة: «أصدقكم القول إنّني عشت لحظة وكأنّني في حقل مسكيّ؛ نسيت كلّ شيء... في ذلك الزّيت الذي لا يحدّه تعبير غسلت يديّ وقلبي معاً؛ حين كنت أستحمّ في ذلك الحمّام شعرت شعوراً سماويّاً بأنّي بريء من كلّ نيّة سيّئة أو من كلّ نكد أو حقد أو أيّ شيء من ذلك». لا توجد لحظات أسمى من تلك التي يتقرّب فيها اثنان، رجل وامرأة، ويعلن الحبّ بينهما عن سطوته على كلّ شيء في الوجود، ويترك الاثنان عندها كلّ ما هو ذاتيّ وأنانيّ وينتميان إلى الرّفاقيّة العامة بين البشر. عندما يقول الفتى أو الفتاة: «أنا أحبّ»، فإن الكلام يظهر إلى الملأ بصوت شديد التّجريد، شديد الخطابيّة، وتصير عند ذلك موسيقى شجيّة تقول ما معناه: «نحن نحبّ». في اللّغة العربيّة التي يصفها الشّاعر الرّوسي يفغيني يفتشينكو «وكأنّ الطّبيعة سكبت فيها كلّ حنانها».

الأثرة والإيثار

ليست ثمّة في لغتنا كلمتان قريبتان، إحداهما من الأخرى، وشديدتا التّنافر من كلمتي «الأثَرَة» و«الإيثار». الأولى تعني الأنانيّة وحبّ الذات، والإيثار هو أعلى المكارم. عند ساعات الحبّ العظيمة تخلع الكلمة الأولى شكلها، وتتطهّر منه، كما أن ما يقوم به المحبّون في حياتهم يعود بفضله إلى هذه المعادلة. ونعود إلى السيّد ميلفل، بارئ ملحمة موبي ديك: «عصراً! عصراً! عصراً! طوال الصّباح كلِّه. عصرتُ ذلك الشّحم حتى كدت أذوب فيه؛ عصرت ذلك الشّحم حتى استولى عليّ نوع فذّ من الجنون، ووجدتني أعصر ـ دون أن أدري ـ أيدي زملائي العاملين معي في الحوض، ظانّاً أن أيديهم كرات لطيفة. ولّد هذا العمل فيّ شعوراً فيّاضاً ودّياً حبيباً متحبباً حتّى إنّني في النّهاية أصبحت أشدّ على أيديهم وأنظر في عيونهم في حنان كأنّني أقول لهم؛ آه يا رفاقي الأعزّاء لِمَ نظلّ بعد اليوم نستطعم أيّ صور الجفاء الاجتماعي أو نتعرّف إلى أقلّ الحسد أو نكد الطّبع! هيّا بنا يشدّ بعضنا على أيدي بعض، بل نعتصر أنفسنا بعضها في بعض، لنعتصر أنفسنا جميعاً نحن الآدميين في حليب اللّطف الوديع وزيته، وكلّ هذا كان من حصّتي، وأنا أتأمّل اللُّحمة البشريّة تعجن خبز المحبّة الدّائمة في حمّام صيدا، وهذه تَكفي البشر جميعاً طعاماً وماءً، كأنهم تحوّلوا إلى طيور يكفيها القليل من الحَبّ للعيش، فهي لا تكتنز شيئاً ولا تخزنه ولا تطلب أكثر من زاد اليوم.

لم يكن البطل الحقيقيّ لملحمة الحوت الأبيض هو الكابتن الحقود آخاب، ولا الرّاوي إسماعيل ذو الأصول الدّينيّة المسيحيّة. اختار المؤلّف رجلاً من أكَلة لحوم البشر اسمه «كويكوج» مثلاً أعلى من بين مئات الشّخصيات التي حكى عنها في الرّواية، وكان المشهد الذي يُلقي فيه كويكوج بنفسه فجراً في البحر الصاخب لينقذ أحد البحّارة من الغرق، دليلاً على أن أسمى ما لدينا هو الإيثار، الذي هو أعلى مراتب الحبّ، فمن يبلغه يكن حامل الرّاية.

\"\"

في القسم الأول من قصيدة الأرض الخراب نقرأ كلاماً للسيّدة ماري، وكانت تتذكّر رحلة قامت بها إلى حيث يسكن ابن عمّها الأرشيدوق: (الأبيات 14 - 16) «أخذني على زلّاقة فأصابني الخوف. قال، ماري ماري، تمسّكي بإحكام، وانحدرنا نزولاً». ثم يقول الشّاعر ساخراً من الهلع الذي تملّك ماري: (الأبيات 20 – 30) «يا ابن آدم أنت لا تقدر أن تقول أو تحزر، لأنك لا تعرف غير... ظلّك في الصّباح يخبّ وراءك أو ظلّك في المساء ينهض كي يلاقيك ولسوف أريك الخوف في حفنة من تراب». الخوف الحقيقيّ هو ليس نشوة الرّعب التي تصاحب ركوب الزلّاقة عندما تنحدر مسرعة في المنعطفات، كما أنه ليس ذلك الذّعر الجنونيّ الذي يشلّ أعصاب وعظام الإنسان عندما يفكّر بالمجاعة. من المعتقدات الصّينية التّقليديّة أن الأمراض تنتج عندما يستنفد الجسد الطّاقة، وهي ليست ذلك النّوع من الطّاقة التي تُدرّس في كتب الأحياء، بل نسخة صوفيّة منها، التي أدعوها طاقة الحُبّ. تعلّمتُ من زيارتي إلى حمّام صيدا أن الخوف الأهمّ في حياتنا هو الجوع إلى الحُبّ، لأن الحال عندها تجعلنا نعيش في عالم وهميّ ولا نكترث بما يجري من حولنا، الخطر النّووي مثلاً، والوحش المسمّى Godzilla الذي يعمل بالطّاقة النّووية والذّكاء الاصطناعيّ القاتل، وكذلك الأوبئة والجفاف وغير ذلك مما يهدّد شمس الحياة بالانطفاء، ويتوعدّ البشر والحيوان والنّبات بالفناء.

يريد الفنّان إعادة إنتاج الحضارة بأساليبَ جديدةٍ تمنح الإنسان وجميع الكائنات فيه وضعاً مغايراً يعطي كلّ شيء في الوجود تعريفاً جديداً، ويعيش الفنّانون في حالة حلُم دائمة في سبيل تحقيق ذلك. هل يمكننا القول إن العالم المُنتج بواسطة الفنّ هو التّعبير الواقعيّ للجنّة التي تخبرنا بها كتب الأنبياء؟ أكل آدم تفّاحته الشّهيرة وأُخرج بسبب ذلك من الجنّة، ونأكل نحن من تفّاحة الفنّ ونعود نسكن الجنّة ثانية، ولن يرغمنا هذه المرّة أحد على المغادرة.

جئتُ إلى مدينة صيدا في ضيافة سيّدةٍ صيداويّة بسيّارة تاكسي قدِمت خصّيصاً إلى الفندق، وأوصلتني إلى المدينة. ثم زرتُ الحمّام القديم، وصارت في قلبي كلّ الكلمات التي قلتها في هذا المقال، وعندما حانت ساعة العودة، اعتذرتُ من مضيّفتي أن تجهّزَ سيّارةَ الأجرة لي، واخترتُ أن أعود بباص يحيط بي الركّاب فيه من كلّ جانب. يقول محمد خضيّر: «ليس هناك أجمل وأشمل وأدفأ من كلمة (النّاس)». في حمّام صيدا كان النّاس الأقدمون يحيطون بي من كلّ جانب، وامتدّ زمان هؤلاء إلى عهد آدمَ، فيا لسعادتي أنني عاشرت في المكان أمّي وأبي...



الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم
TT

الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

يمثل ديوان «برزخ الريح» للشاعر غريب إسكندر تجربة شعرية تنتمي بوضوح إلى أفق الحداثة العربية التي تستند بمعظمها إلى تنظيرات غربية، ولا غرو في ذلك إذا ما عرفنا أن الشاعر يقيم بلندن، ويكتب باللغتين العربية، والإنجليزية. وفي هذا الديوان الذي صدر مؤخراً عن «منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق 2026» تتراجع الحكاية لصالح التأمّل، وتتقدّم اللغة بوصفها أداة قلق واكتشاف في آنٍ معاً. منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام منطقة ملتبسة وشائكة: «البرزخ» بوصفه حدّاً فاصلاً وواصلاً في الوقت نفسه، و«الريح» بوصفها قوة عابرة لا تستقر. هذا التوتر بين الثبات والتحوّل ينعكس في مجمل نصوص الديوان التي تبدو كأنها تقيم في حالة عبور دائم.

فبعد تجربة امتدت لأربعة عقود أصدر خلالها الشاعر أكثر من مجموعة شعرية، منها «سواد باسق/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر2001» و«أفعى كلكامش/ دار الفارابي 2011»، يتورّط غريب إسكندر من جديد بواحدة من إرهاصات اللّاهوت ممثلة بـ«البرزخ» الذي ينبثق هنا بوصفه دالّاً، ونافذة غير مرئية لكل ما هو باطني، وغنوصي، جاعلاً إياه عتبة ينفذ منها إلى العالم الشاسع، عالم ما بعد الموت، وما قبله. وهي إشارة أولى إلى إرباك القارئ، ووضعه في خضم تجربة الوجود.

لغة الديوان مكثّفة، متقشّفة، تنأى عن المباشرة، وتراهن على الإيحاء. والجملة الشعرية غالباً ما تأتي قصيرة، ومقطوعة النفس، أو مفتوحة على احتمالات متعددة، بحيث لا تقدّم معنى جاهزاً بقدر ما تُنتج مناخاً شعورياً. في أحد المقاطع، نقرأ: «كلُّ شيءٍ سينتهي/ ولا ينتهي الاسم»، وهي عبارة تختزل هذا الهاجس الوجودي الذي يلازم النصوص، حيث يتقاطع الفناء مع رغبة غامضة في البقاء، ولو على مستوى اللغة. ولا يسعى الشاعر إلى بناء صور مكتملة، بل يفضّل الاشتغال على التشظّي، حيث المفردات تنتمي إلى حقول دلالية مألوفة: الضوء، الظلمة، الجسد، الريح، الصمت، ولكنّها تُعاد صياغتها ضمن شبكة رمزية تجعلها غريبة، ومفتوحة. وهنا لا تكون اللغة وسيلة نقل، بل تعد موضوعاً للتجربة نفسها، وكأن الشاعر يختبر حدودها، أو حتى عجزها. يظهر ذلك في مقطع آخر يقول فيه: «لا شيء سوى الصمت»، حيث يتحوّل الصمت من غياب للكلام إلى مركز للمعنى.

الذات في هذا الديوان قلقة، منشطرة، تبحث عن نفسها، ولا تجدها كاملة. فثمة شعور دائم بالاغتراب، ليس فقط عن العالم، بل عن الداخل أيضاً. في إحدى الصور اللافتة يقول الشاعر: «أنا هنا... وكلما أضحك لأنني أموت»، وهي مفارقة تجمع بين الحضور والغياب في لحظة واحدة، وتكشف عن وعي مأزوم بالوجود، حيث يصبح العيش نفسه شكلاً من أشكال الفناء المؤجل. والزمن في هذه النصوص لا يتحرك في خط مستقيم، بل يبدو دائرياً، أو متداخلاً، حيث تفضي البداية إلى النهاية، والنهاية تعود لتكون بداية أخرى، في استعادة واضحة لفكرة «البرزخ». وهذا التصور يتجلّى في إشارات متكررة إلى التلاشي، والتحوّل، كما في عبارة إليوت التي يوردها الشاعر«In my beginning is my end»، في إحالة إلى تداخل الأزمنة، وكسر التسلسل التقليدي.

ويحضر الجسد بوصفه كياناً هشّاً، لكنّه في الوقت ذاته مساحة للمعنى، وحقل للتجربة. فليس الجسد، هنا، جسداً حسّياً بقدر ما هو استعارة للوجود الإنساني في ضعفه، وتعرّضه للزوال. ويتقاطع الجسد مع مفاهيم مثل الألم، والذاكرة، ويظهر أحياناً بوصفه عبئاً، وأحياناً وسيلة إدراك، مما يعكس نظرة مركّبة إلى الكينونة. ومن العناصر اللافتة أيضاً حضور الصمت بوصفه لغة موازية. فالشاعر يترك فراغات مقصودة داخل النص، ويعتمد على الانقطاع، والتكرار، ليخلق إيقاعاً داخلياً لا يقل أهمية عن الكلمات في هذا السياق، فتبدو القصيدة كأنها تُكتب «بما لا يُقال» بقدر ما «تُكتب بما يُقال»، وهو ما يمنحها بعداً تأمّلياً عميقاً. ولا تخلو النصوص من إشارات ثقافية، سواء من التراث العربي، أو من الأدب العالمي، ولكنّها لا تُقدَّم على نحو مباشر، بل تتسلل عبر اللغة، والصور، وتندمج في نسيج القصيدة. هذا الانفتاح يمنح الديوان بُعداً كونياً، ويخرجه من حدود الجغرافيا الضيّقة، من دون أن يفقد خصوصيته. فالشاعر لا يقتبس بقدر ما يعيد تشكيل هذه المرجعيات داخل نسيجه الشعري، بحيث تصبح جزءاً من تجربته الخاصة. وهذا ما يعزز من ثراء النص، ويجعله قابلاً لقراءات متعددة. فقد وظّف الشاعر عمله الآخر، بوصفه باحثاً في الأدب المقارن، والترجمة، في تجربته الشعرية على نحو ينسجم مع مفاهيم عالمية وإنسانية من قبيل الانفتاح، والتناص، وما يعرف بـ«شعر العالم».

أما من حيث البناء، فلا يعتمد الديوان على شكل تقليدي، بل يقدّم نصوصاً أقرب إلى الشذرات، أو المقطّعات التأمّلية. لا توجد حبكة، أو تسلسل واضح، بل حركة حرّة بين الصور والأفكار. هذا التفكك الظاهري ينسجم مع الرؤية العامة، حيث العالم نفسه يبدو مفككاً، وغير قابل للإحاطة. لذلك، قد لا يكون «برزخ الريح» ديواناً سهلاً، لأنّه يتطلّب قارئاً مستعداً للتورط في لعبة التأويل، والتخلّي عن انتظار المعنى المباشر. لكنّه، في المقابل، يقدّم تجربة شعرية غنية، تفتح أفقاً للتفكير في الوجود، والزمن، واللغة.

وباختصار، يمكن القول إنَّ غريب إسكندر يكتب شعراً يقف على الحافّة: حافّة المعنى، وحافّة اللغة، وحافّة الوجود ذاته. هو لا يقدّم إجابات، وخلاصات جاهزة، بل يضعنا في قلب التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها. إنّه يوسّع مساحة السؤال، ويجعل من القصيدة مكاناً للعبور، حيث «لا يوجد شيء مكتمل»، وكلّ شيء معرّض لأن يُعاد التفكير فيه من جديد. وفي هذا السياق، تبدو اللغة كأنها تُقاوم الاستقرار؛ فهي لغة «تتكوّن وهي تتفكّك»، إن صح التعبير، فتمتلئ القصائد بأسئلة غير مكتملة تشير إلى عجز اللغة عن الإمساك بالحقيقة. وهذا القلق لا يُطرح بشكل فلسفي مباشر، بل يتجلّى عبر الصور الشعرية، وعبر التوتر بين الحضور، والغياب، بين الصوت، والصمت، والمعنى، واللامعنى. وفي هذا السياق تبرز قصيدة «هاملت» بوصفها واحدة من اللحظات الدالة في الديوان:

«أسطورةٌ حيّة

هذا العالم

لا يصلحُ له مثالٌ واحد:

وجود واحد

عدم واحد

حقيقة واحدة

أو حتى خيال واحد.

فقد اختفى شبحُ الأب

تماماً من على خشبة الحياة

لكنَّ المسرحَ لا يزال مكتظّاً

بـ«أن تكون أو لا تكون»

التي لم تعد «مشكلة»

بعد الآن

في هذه الأزمنة المبهمة!».

يستدعي الشاعر شخصية هاملت لا بوصفها إحالة ثقافية فحسب، بل مرآة للذات القلقة، والمترددة أمام أسئلة الوجود. ففي المقطع الذي يقول فيه: «أن تكون أو لا تكون»، لا يعيد الشاعر صياغة العبارة الشكسبيرية بوصفها اقتباساً جاهزاً، بل يعيد إدماجها داخل نسيجه الشعري بوصفها سؤالاً مفتوحاً، منزوع اليقين. هنا لا يعود السؤال اختياراً بين حالتين، بل يتحول إلى حالة وجودية مستمرة، إلى تعليق دائم بين الإمكان والعدم. ومما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو أنّ الشاعر يفرّغ العبارة من بُعدها المسرحي الدرامي، ليمنحها بُعداً تأمّلياً داخلياً. فـ«أن تكون» لا تعني الحضور المكتمل، و«أن لا تكون» لا تعني الغياب التام، بل إنّ الاثنين يتداخلان داخل تجربة الذات، كما لو أنّ الوجود نفسه حالة «برزخية»، تماماً كما يقترح عنوان الديوان. وبهذا تصبح شخصية هاملت امتداداً لصوت الشاعر، وليست قناعاً له، حيث يتكرر التردد، ويتعمّق الشك، وتغدو اللغة عاجزة عن الحسم.

إنَّ إدراج هذه الإحالة لا يأتي بوصفه تزييناً ثقافياً، بل يعد جزءاً من بنية التفكير الشعري في الديوان، حيث تتقاطع المرجعيات العالمية مع التجربة الفردية لتنتج معنى جديداً. وهكذا يتحول «هاملت» إلى نص داخل النص، يعزز من فكرة العبور، واللايقين، ويؤكد أنَّ السؤال الوجودي، في جوهره، لا يزال مفتوحاً، ومتجدداً، وعصياً على الإجابة.


«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة
TT

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار تدل على وجود اختراق أو سرقة، كأننا إزاء فعل عنيف دموي بدا كأنه تصفية دقيقة ومحسوبة، لا تترك خلفها إشارة أو علامة تشكل دافعاً واضحاً أو مشتبهاً مباشراً بارتكاب الجريمة.

يرتكز الصراع على تلك الفكرة، ويتنامى من خلاها جوهر الحبكة الدرامية في رواية «الفتاة الصامتة» الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، تأليف مشترك لاثنين من أدباء السويد هما مايكل هيورث وهانز روزينفيلت، ترجمة هند حسني، التي تأتي ضمن سلسلة روايات «المحقق الجنائي سيباستيان بيرغمان».

تظهر المفاجأة الكبرى ضمن الأحداث حين تكتشف الشرطة أن هناك ناجية واحدة؛ فتاة صغيرة تدعى «نيكول» كانت مختبئة وقت وقوع المجزرة، حيث أصيبت بصدمة نفسية شديدة أفقدتها القدرة على النطق تماماً، لتصبح مفتاحاً للعثور على القاتل وشاهداً على ما جرى لكنها لا تستطيع، أو لا ترغب في التحدث.

وتشهد الرواية عودة شخصية «سيباستيان بيرغمان» إلى الواجهة رغم اضطرابه الشخصي وعلاقاته المتوترة مع زملائه في فريق التحقيق، وهو محقق معروف بذكائه الحاد وسلوكه غير المعتاد، ويرى أن الفتاة قد تكون المفتاح الوحيد لفهم دوافع القاتل، وكشف هويته لكنه يواجه تحدياً كبيراً كيف يمكنه قراءة صمتها؟

وتجسد الرواية السمات الأساسية لأدب الجريمة، التي تجعله جذاباً لدى فئات واسعة من القراء، لا سيما المراهقين والشباب، فهى تبدأ بفعل صادم يشد الانتباه منذ اللحظات الأولى، كما تعتمد القصة على الغموض وسط سرد سريع متصاعد، انتظاراً للعثور على حل الجريمة التي تتحول إلى لغز يتحدى ذكاء البطل والقارئ على حد سواء.

وُلد المؤلف الأول مايكل هيورث عام 1963/ وهو منتج فني بارز وسيناريست، أما هانز روزينفيلت فوُلد عام 1964 وسبق أن عمل حارساً للأسود وسائقاً ومعلماً وممثلاً حتى عام 1992 عندما بدأ يكتب دراما تلفزيونية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

جلست آنا إريكسون في سيارتها منتظرة أمام المبنى السكني ذي اللون الأصفر الباهت، تأخرت «فانجا» وهو أمر نادر الحدوث، افترضت «آنا» أن هذا ليس سوى وسيلة أخرى من الوسائل التي انتهجتها ابنتها مؤخراً لتأكيد موقفها منها لكن الأسوأ من كل ذلك أنها لم تعد تتصل بها إطلاقاً.

تمكنت «آنا» من التعايش مع ذلك، تفهمت الأسباب وبطريقة ما في أعماقها ربما شعرت بأنها تستحق ذلك وبصراحة لم تكن علاقتهما في إطار كونهما أماً وابنتها من ذلك النوع الذي يتضمن محادثات هاتفية طويلة.

أما «فالديمار» فقد كان ابتعاد «فانجا» عنه مؤلماً إلى حد لا يُحتمل وقد حوّله إلى ظل لما كان عليه في السابق أكثر حتى مما فعل به السرطان نفسه. لم يتوقف قط عن الحديث عن ابنته وعن الحقيقة التي ما كان ينبغي لهما إخفاؤها عنها، كان عليهما التعامل مع الأمور بطريقة مختلفة تماماً، لقد أفلت من قبضة الموت ليجد أن الحياة لم تعد تحمل له سوى الحزن والندم، بالطبع وجدت «آنا» الوضع عبئاً هي الأخرى لكنها استطاعت التكيف فقد كانت دائماً أقوى من زوجها.

مر أكثر من شهر على خروج «فالديمار» من المستشفى، ومع ذلك لم تستطع «آنا» إقناعه بمغادرة الشقة، كان جسده قد تقبل الكلية الجديدة تماماً، لكن «فالديمار» نفسه لم يستطع تقبل واقعه الجديد كعالم خال من ابنته وقد اختار أن ينأى بنفسه عن كل شيء.

لا يبدو أن أي شيء يشغله هذه الأيام لا «آنا» ولا الزملاء القلائل الذين لا يزالون يتواصلون معه رغم ما فعله، ولا الأصدقاء الذين باتت اتصالاتهم أكثر ندرة أو حتى التحقيق الذي لا يزال جارياً، صحيح أن هذه الاتهامات بالتهرب الضريبي والاحتيال خطيرة لكنها بدت بلا أهمية تذكر مقارنة بما جعل «فانجا» تعانيه.


بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.