العقوبات الغربية على روسيا وتحوّلات المشهد العالمي

حقل للنفط في فانكورسكوي بسيبيريا (رويترز)
حقل للنفط في فانكورسكوي بسيبيريا (رويترز)
TT

العقوبات الغربية على روسيا وتحوّلات المشهد العالمي

حقل للنفط في فانكورسكوي بسيبيريا (رويترز)
حقل للنفط في فانكورسكوي بسيبيريا (رويترز)

«الألماس أبديّ»... هكذا تقول الأغنية التي غنّتها شيرلي باسّي للفيلم الذي يحمل الاسم نفسه (Diamonds are forever)، ويتصدّى فيه جيمس بوند باسم صاحبة الجلالة لأشرار العالم...

شددت الدول الصناعية الكبرى السبع (الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وكندا) خلال قمة زعمائها في هيروشيما اليابانية عقوباتها على روسيا، معلنة تدابير جديدة ترمي إلى «حرمان روسيا من التكنولوجيا والمعدّات الصناعيّة وخدمات (مجموعة السبع) التي تساند حملتها الحربيّة» في أوكرانيا.

وكان الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة قد أعلنا فرض قيود صارمة على واردات الألماس الروسي، وهو قطاع يدرّ مليارات الدولارات سنوياً على موسكو. وعن ذلك قال رئيس المجلس الأوروبي، رئيس الوزراء البلجيكي سابقاً، شارل ميشال، ساخراً، إن «الألماس الروسي ليس أبدياً»...

وكانت الولايات المتحدة قد سبقت الاثنين العام الماضي سعياً إلى تخفيف لمعان الألماس الروسي الذي درّت صادراته على خزينة البلاد أربعة مليارات دولار عام 2021، وفق أرقام رسمية أميركية.

العقوبات هي أداة زجرية تستخدمها الدول بعضها ضد بعض، لكن في غالب الأحوال تكون موجّهة من القوي إلى الضعيف الذي لا يستطيع بطبيعة الحال الردّ بالمثل، لكن هل تنفع العقوبات ضد روسيا التي يُفترض أنها ترزح تحت عبئها منذ عام 2014 حين ضمّت شبه جزيرة القرم؟

خلال قمة «مجموعة السبع» في هيروشيما (رويترز)

يقول تقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي)، إن معظم الألماس الروسي يخرج إلى دول أهمها الهند ليجري صقله، قبل إعادة تصديره، وهذا ما يجعل معرفة أن روسيا هي بلاد المنشأ أمراً صعباً للغاية. ويضيف التقرير أن الذهب الروسي الذي يخضع بدوره لعقوبات أميركية وبريطانية ولقيود تصديرية من دول أخرى، وفّر لخزينة موسكو 15.4 مليار دولار عام 2021 اعتماداً على آلية التصدير نفسها.

*تحوّلات في الاقتصاد العالمي

في الواقع، لا تنحصر تداعيات فرض العقوبات على موسكو في الاقتصاد الروسي الذي يحتل المرتبة الحادية عشرة في السلّم العالمي للناتج المحلي الإجمالي بـ1.77 تريليون دولار (رقم عام 2021 وفق موقع «وورلد داتا»). فروسيا دولة كبيرة تملك جغرافيا شاسعة ومتنوعة. وليس خافياً على أحد مدى أهمية موقعها في أوراسيا وتأثيره على الكتلتين الأوروبية والآسيوية وما بعدهما.

كما أن لروسيا علاقات دولية متشعبة وحيوية، خصوصاً أنها مصدر مهم جداً للطاقة (نفط وغاز) يغذّي دولاً متعطشة لها، مثل الصين والهند...

زلزال حدث في 24 فبراير (شباط) 2022 حين دخل أول جندي روسي الأرض الأوكرانية. ومع التطور العسكري بدأ التحوّل في الاقتصاد العالمي عندما قطع الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، العلاقات التجارية والمالية مع روسيا. وبما أن المعاقَب ليس كوبا أو فنزويلا، فقد تأثر الاقتصاد العالمي كله. وبالتالي ليس من المستغرب أن تنخفض توقعات النمو العالمي لعام 2023.

في أبريل (نيسان) الماضي أفاد صندوق النقد الدولي بأن نمو الاقتصاد العالمي نسبته 3.4 في المائة عام 2022، وسيتراجع إلى 2.8 في المائة عام 2023، قبل أن ينتعش قليلاً إلى 3 في المائة عام 2024. غير أنه حذر من أنه في حالة ازدياد الضغوط في القطاع المالي بسبب رفع أسعار الفائدة حول العالم، وبالتالي تراجع الاستثمارات والنشاط الاقتصادي عموماً، فإن النمو العالمي سينخفض إلى نحو 2.5 في المائة عام 2023، مع نمو الاقتصادات المتقدمة بنسبة 1 في المائة أو أقل.

في المقابل، توقع صندوق النقد أن ينمو الاقتصاد الروسي بنسبة 0.7 في المائة أسرع من اقتصاد كل من ألمانيا والمملكة المتحدة، علماً أن البلدين يُتوقع أن يدخلا في حالة ركود. كما أن الاقتصاد الروسي سيسير جنباً إلى جنب مع النمو في فرنسا وإيطاليا عام 2023. وبالتالي سيتفوق النمو الاقتصادي الروسي على اقتصاد أربع من دول «مجموعة السبع» التي تقود حملة العقوبات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن صندوق النقد كان قد توقع بعد نحو شهرين من بداية الهجوم الروسي في أوكرانيا أن ينكمش الاقتصاد الروسي 8.5 في المائة عام 2022، و2.3 في المائة عام 2023، إلا أن المؤسسة الدولية عدّلت أرقامها بنسبة 9.4 في المائة صعوداً منذ ذلك الحين؛ لأن الاقتصاد الروسي قاوم العقوبات بنجاح...

كما ينجو الألماس الروسي من العقوبات، كذلك يفعل النفط. وها هو مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يقول إن المنتجات النفطية المكررة الآتية من الهند «المعتمدة على الأرجح على النفط الروسي الرخيص»، تدخل دول الاتحاد الأوروبي. ويضيف أن «الحقائق واضحة: صادرات المنتجات المكررة مثل وقود الطائرات أو الديزل من الهند إلى الاتحاد الأوروبي، ارتفعت من 1.1 مليون برميل في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى 7.4 مليون برميل في أبريل 2023». وأضاف أن «واردات النفط الهندية من روسيا ارتفعت من 1.7 مليون برميل في الشهر في يناير 2022 إلى 63.3 مليون برميل شهرياً في أبريل 2023». وأقرّ بأنه لا يمكن لوم الشركات أو الحكومة الهندية؛ لأن العقوبات الأوروبية لا تشمل الهند.

منشآت تابعة لخط أنابيب الغاز «باور أوف سيبيريا» (رويترز)

*روسيا كانت مستعدة

نظرياً كان فلاديمير بوتين والقيادة الروسية على علم بأنه بمجرد إطلاق «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، ستنهمر العقوبات الاقتصادية الغربية على البلاد. وعملياً «تدربت» روسيا على العقوبات منذ ضمها القرم، وبالتالي لم تفاجَأ بشيء بعد 24 فبراير 2022.

يضاف إلى ذلك أن دولاً عديدة تحتاج إلى النفط الروسي، منها الصين والهند وماليزيا وبعض دول الاتحاد السوفياتي السابق. وثمة وسطاء وسماسرة كثر وسفن من كل الأنواع لتأمين تسويق النفط الروسي من دون التأثر بالقيود الغربية.

وفي حين كان تعطيل خط أنابيب «نورد ستريم 2» لنقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا مضراً، فإن روسيا زادت صادراتها من هذه المادة الحيوية إلى الصين. وتفصيلاً، تمدّ شركة «غازبروم» الروسية الصين بالغاز عبر خط أنابيب بطول 3 آلاف كيلومتر يسمى «Power of Siberia» بموجب صفقة مدتها 30 عاماً بقيمة 400 مليار دولار أُبرمت في نهاية عام 2019. وفي 2022، بلغت صادرات روسيا من الغاز إلى العملاق الأصفر نحو 15.5 مليار متر مكعب. ويُتوقع أن ترتفع الكمية إلى 22 مليار متر مكعب عام 2023 والوصول إلى 38 مليار متر مكعب بحلول عام 2027. وفي فبراير 2022، وافقت الصين على شراء 10 مليارات متر مكعب إضافية من الغاز سنوياً بحلول عام 2026 عبر خط أنابيب من جزيرة سخالين في أقصى شرق روسيا.

والأهم من ذلك، أن هناك اتفاقاً على إنجاز مشروع خط أنابيب باسم «Power of Siberia 2» سيكون قادراً على نقل 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من روسيا إلى الصين عبر منغوليا، بحلول عام 2030. وهكذا تسعى موسكو إلى أن تكون شريكتها صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم أكبر مشترٍ لغازها بعدما تقلصت صادراتها من المادة إلى أوروبا بشكل دراماتيكي منذ بداية الحرب.

غاز تسرّب من خط «نورد ستريم 2» بعد تفجيره في بحر البلطيق (رويترز)

*أخطار

من السذاجة القول إن روسيا في أمان اقتصادي. فكلفة الحرب عالية وتضغط حتماً على الموازنة العامة. والصادرات الروسية هي أساساً من المواد الطبيعية التي ستنضب يوماً ما (نفط وغاز وفحم وألماس وذهب ومعادن...)، بالإضافة إلى ماكينات صناعية (7.4 في المائة من الصادرات) ومنتجات كيميائية (7 في المائة) ومنتجات زراعية (5 في المائة). وتجدر الإشارة هنا إلى أن صادرات الأسلحة الروسية تراجعت 70 في المائة منذ عام 2011، ولم تعد تشمل إلا 11 دولة في طليعتها الهند، وفق «فورين بوليسي».

وثمة صعاب حتماً تحول دون أن تنوع روسيا إنتاجها بما يجذب المستوردين إلى ابتياع أجهزة كمبيوتر أو سيارات أو طائرات مدنية أو ملبوسات أو عطور «صُنعت في روسيا»... يضاف إلى ذلك تراجع السياحة، وهو أمر طبيعي في بلاد تخوض حرباً كبيرة وتخضع لعقوبات واسعة. ونشرت صحيفة «كوميرسانت» الاقتصادية الروسية أخيراً، أن عدد الأجانب الذين يزورون البلاد ضمن جولات سياحية منظمة انخفض بنسبة تتخطى 90 في المائة عام 2022.

لذا يمكن القول إن ثمة ضغوطاً على المالية العامة الروسية تجعل الهم الأول للقيادة البحث عن شركاء تجاريين جدد بعيداً بالطبع عن الأسواق الغربية المغلقة في وجه روسيا حتى إشعار آخر يرجَّح أن يكون بعيداً.

بناء على ذلك، يظهر دور تكتلات اقتصادية مثل «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، ومنظمة «شنغهاي للتعاون» التي تضم الصين والهند وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وباكستان وطاجيكستان وأوزبكستان، بالإضافة إلى دول تملك صفة «مراقب»، وأخرى «شريكة حوار»...

يقول محللون إن التكتلين سيقودان حملة إنهاء الهيمنة الجيو–اقتصادية، وبالتالي الجيو-سياسية، الأميركية على العالم... لكن مهلاً، ألا تحتاج الدول ذات الاقتصادات الناشئة وتلك الفقيرة إلى الدولار؟ ومن الواضح أن البديل غير متوافر حتى الآن.

المؤكد أن الصراع قائم ومرشح للتصاعد، وتَشَكّل المحورين جارٍ بثبات، لكن «اللعبة» تحتاج حتماً إلى سنوات سيشهد خلالها العالم اضطرابات اقتصادية كبيرة، وربّما حروباً «بالوكالة» من أحجام مختلفة، على أمل ألا تصدق توقعات من يتحدّثون عن حرب عالمية ثالثة لا تُبقي ولا تذر.


مقالات ذات صلة

«الخزانة» الأميركية تفرض عقوبات ضد أفراد وكيانات في روسيا وإيران

الولايات المتحدة​ صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي... فرضت وزارة الخزانة الأميركية ⁠عقوبات ‌جديدة لمكافحة انتشار ‌الأسلحة والإرهاب ‌تستهدف ‌أفراداً وكيانات في روسيا ⁠وإيران (الشرق الأوسط)

«الخزانة» الأميركية تفرض عقوبات ضد أفراد وكيانات في روسيا وإيران

ذكر موقع ‌وزارة ‌الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة فرضت ⁠عقوبات ‌جديدة بشأن مكافحة انتشار ‌الأسلحة والإرهاب؛ ‌لاستهداف ‌أفراد وكيانات في روسيا وإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة من خارج المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (أ.ب - أرشيفية)

إدارة ترمب تسعى لدرء «تهديد» المحكمة الجنائية الدولية للسيادة الأميركية

قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تبذل جهوداً لدرء ما تسميه تهديداً من المحكمة الجنائية الدولية للسيادة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص  ترمب يصافح الرئيس السوري خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة «الناتو» في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة 8 يوليو (رويترز) p-circle 00:33

خاص ماذا يعني إلغاء التصنيف الأميركي لسوريا دولةً راعيةً للإرهاب بالنسبة لاقتصادها؟

يشكل قرار الإدارة الأميركية البدء بإجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب المدرجة عليه منذ عام 1979، تحولاً سياسياً واقتصادياً هو الأبرز منذ عقود.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي دونالد ترامب يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة الناتو في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة 8 يوليو (رويترز) p-circle

ترمب يقرر رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب

قال ​مسؤول كبير في الإدارة ‌الأميركية، اليوم ‌الأربعاء، ​إن ‌الرئيس ⁠دونالد ​ترمب أبلغ ⁠الكونغرس بقراره إلغاء تصنيف ⁠سوريا ‌دولة ‌راعية ​للإرهاب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي صورة عن الحكم الصادر عن محكمة العدل الأوروبية برفض دعوى والدة وشقيقتي رامي مخلوف

لماذا رفضت «العدل الأوروبية» رفع العقوبات عن والدة رامي مخلوف وشقيقتيه؟

رفضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الطعون المقدمة من والدة رجل الأعمال السوري رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد)، غادة مهنا، وشقيقتيه كندة وسارة مخلوف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

طاقم فضائي أميركي - روسي ينطلق إلى محطة الفضاء الدولية

انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

طاقم فضائي أميركي - روسي ينطلق إلى محطة الفضاء الدولية

انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)

انطلق طاقم فضائي أميركي - روسي بنجاح، الثلاثاء، في مهمة إلى محطة الفضاء الدولية تستغرق 8 أشهر، وفق ما أفادت به وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وانطلق رائد الفضاء في «وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)» أنيل مينون وزميلاه الروسيان بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان، على متن مركبة «سويوز إم إس29» التابعة لوكالة «روسكوزموس»؛ لقضاء 8 أشهر في المحطة المدارية.

ومن المقرر أن يلتحموا بالمحطة بعد 3 ساعات من الإطلاق.

وحضر مدير وكالة «ناسا»، جاريد إيزاكمان، عملية الإطلاق. وهذه أول زيارة من رئيس «ناسا» إلى «بايكونور» منذ 8 سنوات، وقد سلّطت الضوء على التعاون المستمر في الفضاء بين موسكو وواشنطن على الرغم من التوترات بشأن العمل العسكري الروسي في أوكرانيا.

خلال عملية الإطلاق يوم 14 يوليو 2026 نحو الفضاء من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان (أ.ب)

وفي حديثه خلال اجتماع يوم الاثنين مع الطاقم، شكر إيزاكمان شركة الفضاء الحكومية الروسية «روسكوزموس»، على جهودها في إعداد المهمة، قائلاً إن «العمل المتكامل الذي أُنجز خلال الأشهر القليلة الماضية يعكس احترافية وتفاني جميع المشاركين».

والتقى إيزاكمان أيضاً رئيس «روسكوزموس»، ديميتري باكانوف، قبل الإطلاق الثلاثاء.

وهذه المهمة أول رحلة فضائية لمينون والثانية لدوبوروف وكيكينا.

وسينضم رواد الفضاء الثلاثة إلى رواد فضاء «ناسا»: جيسيكا مير، وجاك هاثاواي، وكريس ويليامز، ورائدة الفضاء في «وكالة الفضاء الأوروبية» صوفي أدينو، ورواد فضاء «روسكوزموس» سيرغي كود سفيرشكوف وسيرغي ميكايف وآندريه فيديايف.


«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
TT

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)

أفادت تحقيقات أجريت حول الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الخاصة البريطانية في أفغانستان بأن القوات البريطانية ألقت سجناء أفغاناً من رافعة شوكية «للتسلية»، وأن هناك جندياً بريطانياً وُصف بأنه «مؤيد لحركة طالبان» فقط لأنه أبدى مخاوفه بشأن مقتل ثلاثة مزارعين في غارة نفذتها القوات الخاصة.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد تواصلت مونيكا غرينفيل، وهي صحافية سابقة كانت تتواصل مع طاقم الدعم اللوجستي للقوات الخاصة البريطانية، وكريستوفر غرين، الجندي السابق في قوات الاحتياط بالجيش البريطاني، مع لجنة التحقيق في أفغانستان للإدلاء بشهادتهما بعد أن أصدر رئيس اللجنة طلباً للحصول على معلومات.

وتُحقق اللجنة في مزاعم ارتكاب القوات الخاصة البريطانية جرائم حرب في أفغانستان بين عامي 2010 و2013، وسط مزاعم بوجود محاولات للتستر على الوقائع.

«قتلنا الأبرياء»

قال غرين، الذي خدم بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2012، إنه حاول إثارة المخاوف بشأن مقتل ثلاثة أشقاء كانوا مزارعين في قرية رحيم.

ولفت إلى أنه تم إطلاق النار عليهم خلال عملية اعتقال، قال غرين إنها «سارت على نحو خاطئ» حيث قامت القوات الخاصة بإطلاق النار على المزارعين بزعم «الدفاع عن النفس».

وأضاف أن فريق الاستخبارات في وحدته كان «واضحاً تماماً في أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الأشقاء كانوا سوى مزارعين، فضلاً عن عدم وجود ما يثبت أنهم كانوا قادة في (طالبان)».

وأشار إلى أنه عندما أثار تساؤلات حول الواقعة، واجه رفضاً شديداً، موضحاً أن أحد الضباط وصفه بأنه «مؤيد لـ(طالبان)» بسبب تشكيكه في تصرفات القوات الخاصة.

وقال غرين إنه طلب مشاهدة لقطات فيديو لعمليات القتل، والتي أُطلق عليها اسم «تسجيلات إطلاق النار»، لمساعدته على فهم الحادث و«التواصل مع السكان المحليين لمحاولة تهدئة الوضع».

ومع ذلك، وعلى الرغم من حصوله على التصريح اللازم لمشاهدة الفيديو، فقد مُنع من ذلك، حسبما أفاد التحقيق.

استمعت لجنة التحقيق إلى شهادة تفيد بأن والدة الأشقاء، بيبي هازراتا، قد تلقت مبلغاً نقدياً يعادل 3634 جنيهاً إسترلينياً من الحكومة البريطانية بعد وفاة أبنائها، ووُصف هذا المبلغ بأنه «مساعدة مالية».

وأبلغ غرين رئيس لجنة التحقيق، اللورد هادون-كيف، أن هذه «سياسة غير مألوفة» وأنه اعتبرها «اعترافاً ضمنياً بقتل الأبرياء».

وقال: «لا يسعني إلا أن أعرب لكم عن أسفي لعدم إدلائي بهذا التصريح في وقت سابق».

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»

قالت غرينفيل إن أحد الجنود أخبرها بأن بعض أفراد القوات الخاصة كانوا يسيئون معاملة المعتقلين، مضيفة: «أتذكر تحديداً أنه أخبرني بأنه كان يضع السجناء على رافعة شوكية، ثم يرفعهم ويقود بسرعة كبيرة حتى يسقطوا منها».

وأضافت: «لم أرَ أي مكان أسوأ من ذلك، وكان لدي شعور بأن الأشخاص أُطلق لهم العنان ليفعلوا ما يريدون»، مؤكدة: «كنت أشعر بأنه لا أحد يراقبهم».

ويبحث التحقيق أيضاً في مزاعم التستر على أنشطة غير قانونية، ومدى كفاية التحقيقات التي أجرتها الشرطة العسكرية الملكية.

وكانت تحقيقات سابقة قد أُجريت بشأن مزاعم إعدامات نفذتها القوات الخاصة البريطانية، من بينها مزاعم تتعلق بمقتل أطفال، إلا أنها انتهت دون توجيه اتهامات أو ملاحقات قضائية.

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع البريطانية، في بيان، أن «الحكومة ملتزمة بالكامل بدعم التحقيق المستقل بشأن أفغانستان، وتقدر جميع العاملين الحاليين والسابقين في قطاع الدفاع الذين أدلوا بشهاداتهم»، مضيفة أنها «ستواصل تقديم الدعم الذي تستحقه القوات الخاصة، مع الحفاظ على الشفافية والمساءلة التي يتوقعها الشعب البريطاني من قواته المسلحة».

وأشارت إلى أنه «من الصواب السماح للتحقيق باستكمال عمله المهم قبل الرد بصورة كاملة».


الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على قدرة المنظمة الدولية على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع. ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على امتلاك النماذج الأكثر تطوراً، والرقائق الأعلى كفاءة، والبنية التحتية القادرة على تشغيلها، وسط محاولات أممية لوضع أسس لحوكمة عالمية تحد من المخاطر المصاحبة لهذه التكنولوجيا.

ويُقصد بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي» وضع القواعد والضوابط التي تنظّم تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.

وتكمن صعوبة المهمة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً رئيسياً في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوّق العسكري. لذلك تنظر الحكومات إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة «بروكينغز»، وهي أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، أن بناء حوكمة دولية فعّالة للذكاء الاصطناعي لا يرتبط بإنشاء هيئة عالمية جديدة بقدر ما يعتمد على تنسيق الأطر التنظيمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع اضطلاع الأمم المتحدة بدور تنسيقي يجمع هذه الجهود ضمن إطار مشترك.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاب الافتتاح لأول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف بسويسرا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مقاربات القوى الكبرى

تدرك واشنطن أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقاً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأميركية الحساسة.

في المقابل، تعمل بكين على تعزيز قدراتها المحلية في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر التشريع، مستفيداً من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ويمنحه هذا النهج تأثيراً ملموساً في صياغة البيئة التنظيمية العالمية، حتى من دون امتلاكه الريادة في تطوير النماذج الكبرى، الأمر الذي يعكس اتجاه العالم نحو منظومات تنظيمية متعددة، لكل منها أولوياتها السياسية والاقتصادية.

شرعية دولية تواجه تحديات التنفيذ

ضمن هذه البيئة، تحاول الأمم المتحدة بناء شرعية دولية لمسار الحوكمة من خلال الحوار بين الحكومات والخبراء والشركات والمجتمع المدني. ويمنحها تمثيل معظم دول العالم ميزة لا تملكها التحالفات المحدودة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ستؤثر في دول لا تمتلك شركات كبرى أو قدرات حوسبة متقدّمة.

لكن جمع الدول حول طاولة واحدة يختلف عن القدرة على إلزامها بتطبيق ما يُتفق عليه. فالأمم المتحدة تعتمد على إرادة الدول الأعضاء، ولا تملك سلطة مباشرة لإجبار القوى الكبرى أو شركات التكنولوجيا على تطبيق قواعد موحدة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن، والتوتر بين واشنطن وبكين يحدّان من فرص إنشاء نظام دولي ملزم خلال فترة قريبة.

وفي رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، دعا خبيران شاركا في الهيئة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى إنشاء وكالة دولية مستقلة وعلمية، تتولى دعم معايير السلامة ومساعدة الحكومات على تطوير قدراتها التنظيمية، محذّرين من ترك صياغة القواعد في يد عدد محدود من الدول والشركات.

شعار أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

دور أممي لتقليص الفجوة الرقمية

تمثل قضية التفاوت الرقمي أحد أهم الملفات التي قد تمنح الأمم المتحدة دوراً عملياً. فمعظم الدول لا تملك الموارد المالية أو الطاقة أو البيانات اللازمة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، وقد تجد نفسها معتمدة على تقنيات تنتجها شركات أجنبية وفق أولويات لا تشارك في تحديدها.

ويمنح هذا الواقع الأمم المتحدة فرصة للتركيز على بناء القدرات، وتدريب الجهات التنظيمية، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، ووضع معايير تحد من التحيّز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والحد من التضليل، بما يساعد على تضييق الفجوة الرقمية بين الدول.

نفوذ مرهون بقبول القوى الكبرى

يصعب تصور معاهدة عالمية شاملة للذكاء الاصطناعي في ظل المرحلة الحالية من المنافسة الدولية. ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على مبادئ مشتركة، ومعايير فنية، وتفاهمات جزئية تتطور تدريجياً وفق طبيعة المخاطر.

وتملك الأمم المتحدة قدرة على منح هذا المسار شرعية أوسع، إلا أن نجاحها سيعتمد على إقناع القوى الكبرى بأن وجود قواعد مشتركة يخدم مصالحها، ويسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي. ومن دون هذا الاقتناع، ستبقى الحوكمة ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، فيما تظل المنظمة الدولية منصة للحوار أكثر من كونها جهة قادرة على توجيه سباق الذكاء الاصطناعي.

ويبقى نجاح جهود الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرتها على تحويل ما أطلقه الحوار العالمي الأول إلى خطوات عملية تواكب سرعة التطور التقني، وتحدّ من اتساع الفجوة بين التنافس الدولي ومتطلبات التعاون العالمي.