جون ماهاما... الطامح إلى فرصة ثانية لـ«إنقاذ غانا»

الرئيس السابق قدّمته المعارضة لانتخابات 2024

جون ماهاما... الطامح إلى فرصة ثانية لـ«إنقاذ غانا»
TT

جون ماهاما... الطامح إلى فرصة ثانية لـ«إنقاذ غانا»

جون ماهاما... الطامح إلى فرصة ثانية لـ«إنقاذ غانا»

يراهن حزب «المؤتمر الوطني الديمقراطي» المعارض الرئيس في غانا، على خبرات الرئيس السابق والسياسي المخضرم جون ماهاما؛ من أجل الوصول للحكم، وذلك بتقديمه مرشحاً في الانتخابات الرئاسية المرتقبة نهاية العام المقبل. هذه ستغدو المرة الثالثة التي يترشح فيها ماهاما لأعلى منصب في غانا، إحدى أكثر الديمقراطيات استقراراً في غرب أفريقيا؛ إذ سبق لماهاما أن تولى رئاسة جمهورية غانا في يوليو (تموز) 2012، في أعقاب الوفاة المفاجئة للرئيس الراحل جون أتا ميلز، وكان نائب الرئيس آنذاك. وبعد ذلك فاز في الانتخابات في وقت لاحق من ذلك العام، ولطالما سعى إلى «فرصة ثانية»، تمكنه من تطبيق أفكاره، بيد أنه خسر مرتين متتاليتين أمام الرئيس الحالي نانا أكوفو أدو في انتخابات عامي 2016 و2020 بفارق ضئيل.

لم يسبق لأي حزب في غانا منذ نحو 30 سنة، أن فاز بأكثر من ولايتين متتاليتين. وراهناً تعوّل المعارضة على خبرة الرئيس السابق جون ماهاما في الفوز وتحقيق تطلعات الغانيين، خاصة ما يتعلق بالخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة، كما يشير الدكتور عبد المنعم همّت، المحلل السياسي السوداني والخبير بالشأن الأفريقي.

يقول همّت لـ«الشرق الأوسط» شارحاً «تمرّ غانا، صاحبة الديمقراطية الراسخة والمستقرة، حالياً بأزمة اقتصادية معقدة جداً لم تشهدها منذ نحو 30 سنة، متمثلة في ديون اقتصادية وغلاء في المعيشة وانخفاض في قيمة العملة وتضاؤل للاحتياطي النقدي بشكل عام. هذا الوضع أثر سلباً بشكل كبير على الوضع الاقتصادي، وفرض على الحكومة اللجوء للاقتراض من الخارج؛ الأمر الذي سيكون له انعكاسات صعبة على فرص الحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة». وأردف «في المقابل، فإن بإمكان المعارضة الاستفادة سياسياً من هذا الوضع، وخاصة مع تقديمها مرشحاً يتمتع بخبرات عالية ومتراكمة، بالنظر إلى تاريخه السياسي وممارسته العملية الانتخابية أكثر من مرة، ناهيك من خسارته في المرة الأخيرة بفارق قليل جداً عن الرئيس الحالي». ووفق همّت، فإن فرص فوز ماهاما بالرئاسة «مقدرة جداً وعالية».

السعي إلى القروض

تسعى غانا للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي لدعم اقتصادها المنهك. وفي هذا الصدد، قال وزير الدولة بوزارة المالية محمد أمين آدم إن «غانا تتوقع أن يوافق صندوق النقد الدولي على شريحة أولى من القروض بقيمة 600 مليون دولار». وهنا يرى همّت أن «الشروط الدولية التي تتبع الحصول على مثل هذه القروض، تتنافى مع الميل الاشتراكي للحزب الحاكم حالياً؛ الأمر الذي يتوقع أن يؤثر على شعبيته لصالح المعارضة».

للعلم، كان حزب «المؤتمر الوطني الديمقراطي»، قد اختار وبغالبية ساحقة ماهاما زعيماً له ومرشحاً عنه في الانتخابات الرئاسية المقرر أن تُجرى في ديسمبر (كانون الأول) 2024. ووفق بيان مفوضية الانتخابات في منتصف مايو (أيار) 2023، فإن ماهاما (64 سنة) حصل على 297603 صوتاً وهو ما يمثل 98.9 في المائة من الأصوات، في حين حصل منافسه عمدة مدينة كوماسي السابق كوجو بونسو على 1.1 في المائة فقط.

ويتمتع ماهاما بتاريخ سياسي عريق، فبخلاف رئاسته السابقة للبلاد، شغل منصب نائب رئيس غانا من 2009 وحتى 2012، كما كان عضواً في البرلمان من 1997 حتى 2009، ووزير الاتصالات من 1998 إلى 2001. وهو يعدّ من السياسيين الناشطين على الساحة الأفريقية؛ إذ سبق أن عُيّن من قبل رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي «ممثلاً أعلى» في الصومال، واختير رئيساً لمجلس إدارة منتدى «تانا»، وغيرها من المناصب القيادية القارية.

هذا، بعد وقت قصير من إعلان النتيجة، قال ماهاما معلقاً على اختياره «أشعر بالتواضع من التصويت الساحق على الثقة الذي منحني إياه الحزب... دعونا نحافظ على أنظارنا الجماعية بحزم بشأن الهدف الأسمى لمؤتمر الحوار الوطني: إنقاذ غانا وإخراجها من الهاوية الحالية التي نجد بلادنا فيها». وما يجدر ذكره أنه من المقرر أن يختار الحزب الحاكم مرشحه في وقت لاحق من هذا العام.

صورة أفضل أفريقياً

على النقيض من الرئيس الحالي أنانا أكوفو أدو، الذي تسبب في «تشويه سمعة غانا التاريخية في أفريقيا بسبب وقوفه إلى جانب السياسات الغربية»، كما قال لـ«الشرق الأوسط» محمد الأمين سوادغو، المحلل البوركينابي والخبير بالشؤون الأفريقية، فإن ماهاما «قد يقدّم صورة أفضل لغانا في أفريقيا؛ فبرامجه السياسية طموحة وجيدة... وتتمتع باستقلالية تامة عن السياسية الغربية والمشروع الاستعماري الحديث في أفريقيا».

ويعتقد سوادغو أن أكوفو أدو «خيّب ظن كثرة من الأفارقة بإحجامه عن دعم الحركات الثورية الصاعدة ضد السياسات الغربية الاستغلالية في غرب أفريقيا؛ وهي منطقة تعاني من مختلف التشكيلات المسلحة الإرهابية، بل سبق أن أطلق تصريحات مستفزة ضد السلطة في مالي وبوركينا فاسو خدمة للتوجه الغربي في هذَين البلدَين».

وقال أكوفو أدو خلال «قمة الولايات المتحدة وأفريقيا» في ديسمبر 2022 «إن بوركينا فاسو توصّلت إلى اتفاق مع مرتزقة (فاغنر) لمحاربة الجماعات المسلحة (في منطقة الساحل والصحراء) مقابل تشغيل منجم»، وهو كلام أثار أزمة سياسية كبيرة بين البلدين، ونفت حكومة بوركينا فاسو الأمر واستدعت سفير غانا لديها لتقديم شكوى له؛ لأنه لا وجود لمسلحي «فاغنر» الروس حالياً في بوركينا فاسو، فاعتذرت غانا على الأثر لبوركينا فاسو عن هذه المسالة.

وحقاً، يرى بعض الشباب في غانا وبوركينا فاسو ومالي أن اكوفو أدو «لا يعمل لاستقلال غانا وعموم أفريقيا بقدر ما يسعى لخدمة مصالحه الشخصية وترسيخ الجبهة الغربية في أفريقيا على بناء وتقدم أفريقيا»، كما يقول سوادغو.

نشأة سياسيةجون ماهاما، الذي يرفع شاعر «التغيير» في حملته الانتخابية، على أساس أن «العالم يتغير بسرعة كبيرة... ولا يمكن أن تستمر غانا في البقاء على حالها»، نشأ في بيئة سياسية مميزة، أهّلته لما أصبح فيه الآن. فقد ولد يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1958 في بلدة دامونغو، التي كانت آنذاك عاصمة منطقة غرب غونجا في المنطقة الشمالية من غانا. وكان والده إيمانويل أداما ماهاما، مزارع أرز وعضواً بارزاً في البرلمان عن دائرة غرب غونجا، وأول مفوض إقليمي للمنطقة الشمالية تحت قيادة أول زعيم لغانا الرئيس السابق والزعيم الاستقلالي كوامي نكروما.

أمضى ماهاما السنوات الأولى من حياته مع والدته، أبيبا نابا، في دامونغو، قبل أن ينتقل إلى العاصمة أكرا للعيش مع والده، الذي أشبعه بشغف قوي بالتعليم. وبالفعل تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة أشيموتا الأساسية، وهنا يقول عن نفسه إنه اعتاد آنذاك على «الدفاع عن الأطفال الآخرين من المتنمّرين عليهم»، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مدرسة غانا الثانوية في مدينة تامالي.

ويشير موقعه الانتخابي، إلى حصوله لاحقاً على القبول في جامعة غانا، الجامعة الأولى في البلاد، حيث حصل على شهادة بكالوريوس الآداب في التاريخ عام 1981. وبعد حصوله على البكالوريوس، عاد ماهاما إلى تامالي، حيث عمل في تدريس التاريخ في مدرسة غانا الثانوية، إلى أن أجبره الوضع السياسي والاقتصادي في غانا على الفرار إلى نيجيريا، حيث عاد إلى والده الذي كان في المنفى.

وفي عام 1983 عاد برغبة قوية في بناء جسور بين الناس من خلال التواصل؛ لذلك التحق ببرنامج الدراسات العليا في دراسات الاتصالات في جامعة غانا. وعقب تخرجه عام 1986 ذهب ماهاما إلى موسكو، عاصمة الاتحاد السوفياتي السابق، ودرس هناك في «معهد العلوم الاجتماعية» المرموق، وفيه حصل على دبلوم الدراسات العليا في علم النفس الاجتماعي في العام 1988. وأثناء وجوده في موسكو، بدأ في الانقلاب على «الفكر الاشتراكي» وأخذت أفكاره تدعو إلى التحول بعيداً عن العقائد الأيديولوجية.

تدرج وظيفي... ونجاحات لافتة

كان العام 1996 هو موعد دخول جون ماهاما السياسة الغانية، حين انضم إلى حزب «المؤتمر الوطني الديمقراطي» (NDC)، المحسوب على يسار الوسط. ونظراً لنشاطه الحزبي وخبرته انتُخب نائباً في البرلمان الغاني لتمثيل دائرة بول - بامبوي الانتخابية لمدة أربع سنوات. وأعيد انتخابه في انتخابات عامي 2000 و2004.

خلال هذه الفترة، عُيّن نائباً لوزير الاتصالات عام 1997، وأصبح وزيراً للاتصالات من عام 1998 حتى عام 2001. وأثناء عمله وزيراً للاتصالات، تولّى ماهاما أيضاً رئاسة الهيئة الوطنية للاتصالات، ولعب دوراً رئيسياً في استقرار وتحويل قطاع الاتصالات في غانا.

في يوليو (تموز) 2012، وعندما كان ماهاما نائباً للرئيس، خلف رئيسه الذي وافته المنية يوم 24 يوليو من ذلك العام، وانتخب في ديسمبر 2012 رئيساً للجمهورية لأول فترة مدتها أربع سنوات. وهكذا صنع التاريخ السياسي من خلال أن يصبح أول رئيس دولة غاني يولد بعد إعلان استقلال غانا في 6 مارس (آذار) 1957.

ووفق بيانات رسمية، نشرتها الرئاسة الغانية، شهدت خلال فترة رئاسته تحولات مهمة، كان أهمها بناء ديمقراطية أكثر حيوية. فعام 2012، كانت درجة غانا في مؤشر الديمقراطية 6.02، وتحتل المرتبة الـ78 في العالم. ولكن في عام 2016، عندما ترك منصبه، كانت نتيجة غانا 6.75؛ ما وضعها في المرتبة الـ54 في العالم - وجعلها خامس أكثر دولة ديمقراطية في أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، يشير برنامج ماهاما الانتخابي إلى أنه لطالما كان «موحّداً، متجاوزاً للسياسة القبلية، ومؤيداً قوياً للتعليم العام للجميع، كما أنه صاحب رؤية، يسعى إلى تطوير غانا».

لقد رفعت رئاسة ماهاما ترتيب غانا في المؤشر المتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة من المركز الـ71 في العالم في عام 2012 إلى المرتبة الـ59 في العالم في عام 2016. وبالقدر نفسه من الأهمية، ارتفع ترتيب غانا في عهده على صعيد حرية الصحافة من المرتبة الـ41 في عام 2012 إلى المرتبة الـ26 في عام 2016؛ ما جعل غانا بطلة عالمية للصحافة الحرة.

وفي تالمقابل، انخفض معدل البطالة من 3.6 في المائة عام 2012 إلى 2.3 في المائة خلال عام 2016. وانخفض معدل اللامساواة البشرية من 31.9 في عام 2012 إلى 28.8 في عام 2016. وانخفض معدل اللاالمساواة في التعليم من 40.9 في المائة في عام 2012 إلى 34.9 في المائة في عام 2016.

وراهناً، يهتم المرشح الرئاسي الغاني بموضوع تلوث البيئة، وتحديداً التلوث بالبلاستيك في أفريقيا، وقد ساهم في معالجة هذه المشكلة عندما كان نائب لرئيس الجمهورية. وفي كتابه الأول، الذي صدر يوم 3 يوليو 2012، بعنوان «أول انقلاباتي وقصص صادقة أخرى من العقود الضائعة في أفريقيا»، يتذكر ماهاما في فصله الأول ذلك اليوم من عام 1966 عندما علم بإطاحة كوامي نكروما، الرئيس الاستقلالي المؤسس لغانا، في انقلاب عسكري: يقول ماهاما «عندما ألقي نظرة على حياتي، من الواضح لي أن هذه اللحظة كانت بمثابة إيقاظ وعيي... لقد غيّرت حياتي وأثرت في كل اللحظات التي تلت ذلك».

معارك رئاسية سابقة

في انتخابات عام 2012، فاز جون ماهاما بنسبة 50.70 في المائة من إجمالي الأصوات الصحيحة المُدلى بها، بهامش فوز 3 في المائة على أقرب منافسيه نانا أكوفو أدو من حزب المعارضة (يمين الوسط) الرئيس آنذاك، الذي حصل على 47.74 في المائة تقريباً. كان هذا بالكاد يكفي للفوز بالرئاسة دون الحاجة إلى جولة الإعادة.

عقب ذلك سعى ماهاما لولاية ثانية كاملة في الانتخابات العامة خلال ديسمبر 2016. وكان مؤهلاً لولاية ثانية كاملة منذ أن صعد إلى الرئاسة مع بقاء ستة أشهر فقط خلال ولاية أتا ميلز. وبموجب الدستور الغاني يُسمح لنائب الرئيس الذي يصعد إلى الرئاسة بالترشح لفترتين كاملتين. لكنه هُزم أمام الرئيس الحالي أكوفو أدو بعد حصوله على 44.4 في المائة من الأصوات فقط.

بعدها، في 4 ديسمبر 2020، وقع ماهاما أكوفو أدو، الذي واجهه في الانتخابات الرئاسية الغانية عامي 2012 و2016 «اتفاق سلام» لضمان السلام قبل وأثناء وبعد انتخابات 7 ديسمبر، وبالفعل فاز أكوفو أدو في الانتخابات بنسبة 51.6 في المائة من الأصوات.

وتعبيراً عن «روحه الرياضية» وتقبله الهزيمة، أجرى ماهاما جولة أطلق عليها اسم «جولة الشكر» في أغسطس (آب) 2021، لشكر الغانيين على التصويت في الانتخابات الرئاسية لعام 2020.

نشاط أفريقي

استمراراً لتوسيع اهتمام ماهاما ومشاركته في الشؤون الدولية، أصبح عام 2003 عضواً في برلمان عموم أفريقيا، حيث شغل منصب رئيس تجمع غرب أفريقيا حتى عام 2011. وكان أيضاً عضواً في البرلمانات الأوروبية والبرلمانات الإفريقية المخصصة ولجنة التعاون. وفي عام 2005، عُيّن، بالإضافة إلى ذلك، الناطق باسم الأقليات للشؤون الخارجية. وهو اليوم عضو في اللجنة الاستشارية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بشأن حل النزاعات في غانا.

كذلك في 30 مارس 2014، انتخب ماهاما لرئاسة الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وفي 26 يونيو 2014، انتخب رئيساً للجنة التجارة الأفريقية رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي. وفي 21 يناير 2016 بمناسبة «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أصبح ماهاما الرئيس المشارك لمجموعة مناصري أهداف التنمية المستدامة التي تتكون من 17 شخصية بارزة تساعد الأمين العام للأمم المتحدة في حملة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، التي اعتمدها قادة العالم بالإجماع في سبتمبر 2015. وبتفويض لدعم الأمين العام في جهوده لتوليد الزخم والالتزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.

أخيراً، في ديسمبر 2016، كان ماهاما جزءاً من فريق الوساطة التابع لـ«المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» لحل المأزق السياسي الذي أعقب الانتخابات في غامبيا بين الرئيس المهزوم يحيى جامح ومنافسه الفائز المعلن آدم بارو. ثم في فبراير 2017 ، حصل ماهاما على جائزة «القائد السياسي الأفريقي لعام 2016» من مجلة القيادة الأفريقية في جنوب أفريقيا.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.