«مشاكسة دبلوماسية» جديدة بين القاهرة وواشنطن على خلفية «قانون الإرهاب»

الخارجية المصرية تكثف تواصلها مع الإعلام والمجتمعات الغربية لـ«توضيح الحقائق»

«مشاكسة دبلوماسية» جديدة بين القاهرة وواشنطن على خلفية «قانون الإرهاب»
TT

«مشاكسة دبلوماسية» جديدة بين القاهرة وواشنطن على خلفية «قانون الإرهاب»

«مشاكسة دبلوماسية» جديدة بين القاهرة وواشنطن على خلفية «قانون الإرهاب»

في ما وصفه مراقبون بأنه أحدث فصول المشاكسة الدبلوماسية بين القاهرة وواشنطن، انتقدت الخارجية الأميركية قانون مكافحة الإرهاب الذي أصدرته مصر قبل يومين في إطار حربها الدائرة ضد العناصر والتنظيمات الإرهابية، لتسارع الخارجية المصرية بإصدار توضيحات تدافع وتدعم الموقف المصري، بالتزامن مع توجه القاهرة نحو تكثيف تواصلها مع الإعلام والمجتمعات الغربية والأجنبية بشكل عام من أجل شرح الرؤية العامة للإدارة المصرية في مختلف الملفات.
وقال جون كيربي، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، في تصريح له مساء أول من أمس: «نحن قلقون من تأثير ضار محتمل لبعض إجراءات قانون مكافحة الإرهاب الجديد (في مصر) على حقوق الإنسان والحريات الأساسية»، مشددا في الوقت ذاته على أن واشنطن تساند وتدعم و«تقف إلى جانب القاهرة في معركتها ضد الإرهاب». لكنه اعتبر أن «التغلب على الإرهاب يتطلب استراتيجية كاملة على المدى البعيد؛ تشيع مناخا من الثقة بين السلطات والرأي العام، خصوصا عبر السماح لمن يختلفون مع سياسات الحكومة بالتعبير عن رأيهم في شكل سلمي».
وظهر الخلاف في «وجهات النظر» حول التعامل مع الجهات التي تعتبرها القاهرة «إرهابية»، خاصة جماعة الإخوان، خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى القاهرة مطلع الشهر الحالي، بحسب دبلوماسيون مصريون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، حيث دعا كيري الإدارة المصرية إلى ضرورة إيجاد ما سماه بـ«التوازن» بين ملفي مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان، فيما أكدت القاهرة موقفها الثابت من أن «جماعة الإخوان هي أحد محركات الإرهاب الرئيسية في المنطقة وتدعم وتنتهج سياسة العنف في مصر». إلا أن «الموقف الثنائي بين القاهرة وواشنطن يظل في خانة الاختلاف في وجهات النظر، وليس الشقاق التام بين الدولتين اللتين تحافظان على علاقات ثنائية جيدة في إطار المصالح المشتركة»، بحسب رأي المراقبين المصريين والغربيين على حد سواء.
وعقب ساعات معدودة من تصريحات كيربي، أصدرت الخارجية المصرية بيانا مطولا حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، يحتوي على «ملاحظات حول قانون مكافحة الإرهاب»، بحسب عنوانه. ورغم أن القاهرة لم تشر إلى وجود صلة مباشرة بين البيان والتصريحات الأميركية، فإن المراقبين يرونه «رد فعل متوقعا على بعض الأصوات الدولية التي تنتقد القانون الجديد دون فهم معمق لحقيقة الأوضاع على الأرض في مصر».
وأوضحت الخارجية في بيانها أن القانون الجديد يأتي «في الوقت الذي تواجه فيه مصر موجة غير مسبوقة من الإرهاب والعنف، الذي أدى إلى استهداف وقتل عدد من المدنيين الأبرياء، وكذلك أفراد الجيش والشرطة»، مؤكدة أنه «يتسق مع التزامات مصر الدولية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1373 لعام 2001، والذي طالب جميع دول العالم باتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقوع الأعمال الإرهابية، وحظر تمويل الإرهاب، والتأكد من محاكمة كل من يشارك في عمل إرهابي أو يدعمه. وقد استجابت الكثير من الدول لهذا القرار عن طريق تعديل قوانين مكافحة الإرهاب القائمة أو تبني قوانين جديدة».
وشددت القاهرة على أن مصر ملتزمة في الوقت ذاته «بتنفيذ التزاماتها في مجال حقوق الإنسان طبقا لأحكام الدستور والمعاهدات الدولية في هذا الصدد»، وأن «الحاجة لتحقيق التوازن بين حفظ الأمن والنظام من جانب، وحماية حقوق الإنسان من جانب آخر، هي أحد الشواغل المهمة التي أثرت في عملية صياغة قانون الإرهاب الجديد. ولهذا السبب فقد أجريت مشاورات قبل إصدار القانون لأخذ شواغل المجتمع المدني ومجلس القضاء الأعلى في الاعتبار، وهو ما انعكس على نص القانون الجديد»، منوهة بأن غياب «تعريف دولي متفق عليه للإرهاب» وضع «على عاتق التشريع الداخلي أن يقوم بهذه المهمة، مع مراعاة الاتفاقات والقرارات الدولية ذات الصلة».
وأوضح البيان أنه «على عكس ما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة، فإن هذا القانون لا ينشئ محاكم خاصة للنظر في الجرائم المتصلة بالإرهاب، لكنه يقوم بإنشاء دوائر خاصة في إطار المحاكم العادية (محاكم الجنايات والمحاكم الابتدائية)، التي يرأسها قضاة طبيعيون.. وهو السبيل الأكثر كفاءة وفعالية في التعامل مع العدد الكبير من القضايا المنظورة أمام القضاء. كما أن هذا لا يؤثر على حقوق المتهمين، وضمانات المحاكمة العادلة لهم، وكذلك حقهم في نقض الأحكام».
كما دفعت القاهرة بأن رؤية بعض الجهات لإحدى مواد القانون بأنها «تحصن أفراد الجيش والشرطة من المساءلة القانونية في حالة استخدامهم للقوة»، يعكس «فهما غير دقيق»، مؤكدة أن هناك قيودا قانونية واضحة على استخدام القوة، وأن المادة المذكورة «لا تسمح بأي حال من الأحوال باستخدام القوة بطريقة عشوائية أو تعسفية»، منوهة بأن «مبدأ استبعاد المسؤولية الجنائية في حالة الدفاع عن النفس يعد من المبادئ العامة للقانون المتعارف عليها في أهم النظم القانونية في العالم».
وفي ما يتعلق بمعاقبة ناشري البيانات الخاطئة بعقوبات مالية، أكدت الخارجية أنه جرى تعديل النص المقترح سابقا، والذي كان يشمل الحبس كإحدى العقوبات، وذلك بعد إجراء مشاورات موسعة مع عدد من منظمات المجتمع المدني بما في ذلك نقابة الصحافيين التي أبدت اعتراضها على مقترح معاقبة ناشري البيانات الخاطئة بالحبس لمدة سنتين، حيث تم تعديل النص المقترح ليكون أكثر اتساقا مع الدستور المصري الذي يمنع حبس الصحافيين في جرائم النشر.
خطوات الخارجية المصرية في «تفنيد» الانتقادات أو التصريحات الأجنبية تأتي في إطارها التقليدي والدائم للوزارة، لكن ذلك يتزامن مع خطة عمل جديدة موازية بدأت الخارجية في تنفيذها بهدف تكثيف القدرة على الوصول إلى الجماعات المستهدفة ومواجهة الحملة الإعلامية الخارجية وتقديم الصورة الصحيحة لما يحدث في مصر.
وأشار المستشار أحمد أبو زيد، الناطق الرسمي باسم الخارجية المصرية، أمس، إلى أن الوزارة تحرص حديثا على مخاطبة العالم الخارجي باللغة التي يفهمها، وهي بشكل عام اللغة الإنجليزية؛ والفرنسية في بعض الأحيان، مضيفا أن الخطة تهدف إلى تكثيف الاتصال الإعلامي بالخارج بخطوات جديدة، وسيكون للسفارات المصرية بالخارج دور في هذا الإطار، وفي الوقت نفسه فإن الخارجية ماضية في مخاطبة المجتمع المصري. وأوضح أبو زيد أنه تم في هذا الإطار إعداد وتدشين صفحة رسمية للخارجية المصرية على موقع «فيسبوك» باللغة الإنجليزية منفصلة عن صفحة الوزارة باللغة العربية.. و«هناك حرص على ترجمة كل الأخبار الصادرة عن وزارة الخارجية التي نرى أن المجتمع الغربي مهتم أو حريص على معرفتها باللغة الإنجليزية، ووضعها على موقع الوزارة على شبكة الإنترنت وعلى موقع التواصل (فيسبوك)».
وأضاف المتحدث أنه تم أيضا تطوير الحساب الخاص بالمتحدث الرسمي على موقع «تويتر»، وفصله عن حساب الوزارة، وبالتالي أصبح للمتحدث إمكانية التعليق بشكل أوسع من مجرد الخبر الصحافي الذي يصدر عن الوزارة، على أشياء معينة أو حادث معين، مؤكدا أنه «لن يتم الاكتفاء بذلك فقط؛ بل إن الوزارة ماضية في إعداد وتحديث وسائل تواصلها مع المجتمع الخارجي من أجل توصيل صورة صحيحة لما يحدث في مصر». كما أوضح أنه تم إطلاق مبادرة خاصة بضرورة وجود قناة تلفزيونية مصرية باللغة الإنجليزية تليق بالمشاهد على المستوى الدولي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.