منشآت حجرية تعود للألف التاسع قبل الميلاد في شمال السعودية

أكثر من 6000 منها استُخدمت مصائد للحيوانات البرية

تمكن الباحثون من رصد واكتشاف أكثر من 6000 منشأة استُخدمت مصائد للحيوانات البرية (واس)
تمكن الباحثون من رصد واكتشاف أكثر من 6000 منشأة استُخدمت مصائد للحيوانات البرية (واس)
TT

منشآت حجرية تعود للألف التاسع قبل الميلاد في شمال السعودية

تمكن الباحثون من رصد واكتشاف أكثر من 6000 منشأة استُخدمت مصائد للحيوانات البرية (واس)
تمكن الباحثون من رصد واكتشاف أكثر من 6000 منشأة استُخدمت مصائد للحيوانات البرية (واس)

أسفر مسح أثري لفريق علمي دولي في السعودية عن اكتشاف جديد لمنشآت حجرية تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، في منطقة الجوف شمال السعودية، التي لم تكشف الجهود العلمية والبحثية عن كل ما تدّخره أرضها من لُقى وآثار تنتمي إلى حقب زمنية قديمة، في حين تواصل هيئة التراث في المملكة جهودها لاكتشاف المزيد من آثار وبقايا الإنسان القديم في الجزيرة العربية، التي كانت وطن حضارات وملتقى ثقافات وجسراً واصلاً بين أطراف الأرض.

مسح أثري يكتشف منشآت حجرية تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد (واس)

وعثر فريقٌ من علماء الآثار السعوديين والدوليين على إحدى أقدم المنشآت الحجرية التي شيّدها الإنسان في جبل الظلّيات بمنطقة الجوف السعودية، يعود تاريخها إلى الفترة ما بين 8000 و9000 عام قبل الوقت الحاضر، وذلك ضمن نتائج مشروعات المسح الأثري التي أجْرتها هيئة التراث مؤخراً بالتعاون مع المراكز العلمية الدولية.

وفي ورقة علمية نشرتها مجلة «بلوس ون» عن المنشآت الحجرية التي تُمثّل مصائد من الحجر، ومباني ضخمة الحجم تُستخدم مصائد للحيوانات أرّخت لفترة ما قبل التاريخ، وتعكس قدرة الإنسان قديماً على التكيّف مع طبيعة المكان، وسلوكه الذكي في التعامل مع الظروف الطبيعية التي يواجهها، وذلك بنقل مساحة كبيرة إلى سطح صغير ثنائي الأبعاد.

وتساعد المزيد من الاكتشافات الميدانية للمصائد الحجرية الصحراوية وأنماط بنائها، حيث تنتشر في مجموعات تمتد لعشرات الكيلومترات من شمال المدينة المنورة وصولاً إلى منطقة حائل وسط السعودية، وجنوباً حتى منطقة مكة المكرمة، في بناء تصوّر دقيق بشأن أنماط بناء المصائد الحجرية ووظائفها.

منطقة الجوف معين لا ينضب من التاريخ (واس)

«الجوف» معين لا ينضب

وقال الدكتور سليمان الذييب، أستاذ الكتابات العربية القديمة، إن منطقة الجوف السعودية معين لا ينضب من التاريخ، تزخر آثارها العريقة بتعدد النقوش وتنوع مواقعها، وتدهش كل من يقف عليها؛ لفهم كيف كان يعيش إنسانها ويتكيف، مؤكداً أن اكتشاف المنشآت الحجرية التي تعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد يضاف إلى مكتشفات مذهلة في الجوف، من أبرزها ثاني أقدم موقع في قارة آسيا، وهي آثار الشويخطية التي تضم 16 مستوطنة يصل عمرها إلى مليون وثلاثمائة ألف سنة قبل الميلاد، بالإضافة إلى أقدم رسوم ثلاثية الأبعاد معروفة حتى اليوم.

وأشار الدكتور الذييب إلى أن الإعلان عن هذا الكشف الجديد، يحسب للعاملين فيها من الآثاريين الذين يصلون النهار بالليل؛ بحثاً عن آثار قديمة وتاريخية تعكس عراقة هذه البلاد، داعياً إلى ضرورة إطلاق مشروع وطني علمي متكامل عن تاريخ منطقة الجوف وآثارها، يتبنى نشر نقوشها العربية القديمة والإسلامية وتوثيقها، وإلقاء الضوء على مواقعها العائدة إلى العصور الحجرية، والتاريخية والإسلامية، وأن يكون ذلك في طرح نوعي ومبتكر يعطي هذه المكتشفات والمكتسبات حقها، مع تصوير أفلام بتقنية عالية لمواقع هذه المدينة ومجتمعها الذي ترك بصمة لافتة في الجدار الحضاري.

كانت المنشآت الحجرية في منطقة الجوف سراً غامضاً (واس)

‏ 6000 منشأة حجرية مكتشفة

وتعود قصة البدء في اكتشاف المصائد الحجرية الصحراوية والتحقق من وظيفتها، إلى السنوات القليلة الماضية، بعد أن كانت سراً غامضاً منذ ملاحظتها للمرة الأولى عبر الطائرات في عشرينات القرن الماضي، وحسب الورقة العلمية التي نشرتها مجلة «بلوس ون» شوهدت هذه المصائد الحجرية لأول مرة، واعتبرت مجرد مبانٍ أثرية متطورة تتكون من جدران، ومُذيَّلات يصل طولها إلى أكثر من 5 كيلومترات تتلاقى في منطقة كبيرة وتتّصل بها غرف ذات حجم أصغر، خصوصاً في الأركان والزوايا الخارجية.

لكن، وخلال السنوات القليلة الماضية، تفحّص باحثون سعوديون وعالميون من حقيقة تلك المنشآت الحجرية، وتمكنوا من رصد واكتشاف أكثر من 6000 منشأة حتى الآن، أُثبتت وظيفتها واستخداماتها كمصائد للحيوانات البرية.

ونشر باحثون من المركز الوطني للبحث العلمي وباحثون من معاهد مختلفة لوحتَين مرسومتَين، تُمثّلان مخططات مُصغّرة لمصائد حجرية في السعودية والمناطق المجاورة لها، وقد عُثر في جبل الظلّيات في منطقة الجوف على زوجَين من المصائد الحجرية الصحراوية تتباعد عن بعضها بمسافة 3.50 كم، كما اكتُشفت في هذه المنطقة لوحة مُصغّرة لمصيدة حجرية صحراوية مرسومةٍ على حجر يبلغ طوله 382 سنتيمتراً، وعرضه 235 سنتيمتراً، ويعود تاريخها إلى نحو 8000 عام قبل الوقت الحالي، وقد عُثر سابقاً على منشآت مُصغّرةٍ أخرى لهذه المباني الضخمة، لكنها لم تكن بالدقة الكبيرة نفسها التي نُفّذت بها منشآت الظلّيات.


مقالات ذات صلة

«سانت ريجيس الرياض» يقدم تجربة ضيافة متنوعة في قلب التحول السياحي للعاصمة

عالم الاعمال فندق «سانت ريجيس الرياض» (الشرق الأوسط)

«سانت ريجيس الرياض» يقدم تجربة ضيافة متنوعة في قلب التحول السياحي للعاصمة

يقدم فندق «سانت ريجيس الرياض» نموذجاً لجيل جديد من منشآت الضيافة الفاخرة في العاصمة السعودية...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحقيقات وقضايا تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

التجوُّل بين حَرّات «خيبر»، و«مهد الذهب»، لم يكن مجرد انتقال جغرافي بين مدينتين سعوديتين، بل كان سفراً عبر آلاف السنين من الحضارة في قلب شبه الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
خاص الطبيعة المتفردة في عسير والتدفق المتزايد للزوار يعززان جاذبية المنطقة أمام المستثمرين في قطاع السياحة (واس)

خاص السعودية: «عسير» تعزز خريطة الاستثمار السياحي بالبنية التحتية والربط الجوي

لم تعد منطقة عسير الواقعة جنوب غربي السعودية، تراهن على جمال الطبيعة وحده، بل على صناعة اقتصاد سياحي متكامل تقوده هيئة تطوير منطقة عسير.

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد إحدى الطائرات التابعة للشركة السعودية في العلا (صندوق الاستثمارات العامة)

شركة الطائرات المروحية السعودية تطلب 11 ناقلة إضافية من «ليوناردو»

عززت شركة الطائرات المروحية السعودية أسطولها بطلب 11 مروحية من «ليوناردو» لدعم التوسع وخطط تطوير قطاع الطيران في السعودية.

«الشرق الأوسط» (فارنبورو (المملكة المتحدة))
الاقتصاد صورة تخيلية لمدينة المعرفة الاقتصادية (هيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة)

«مدينة المعرفة الاقتصادية» توقّع اتفاقية لتطوير «الملتقى رزيدانس» بقيمة 693 مليون دولار

وقّعت شركة «مدينة المعرفة الاقتصادية» اتفاقية تطوير عقاري مع شركة «الراشد العقارية» لتنفيذ مشروع «الملتقى رزيدانس» في المدينة المنورة، بقيمة 693 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ترند «قاع الهامور» يجتذب فنانين مصريين

نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)
نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)
TT

ترند «قاع الهامور» يجتذب فنانين مصريين

نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)
نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)

​حققت «تدوينات ساخرة» لعدد من الفنانين المصريين ضمن «ترند» مجموعة «قاع الهامور» المليونية، والمقتبسة من الكارتون الشهير «سبونج بوب» تفاعلاً لافتاً عبر موقعَي «فيسبوك»، و«إكس» في مصر، السبت.

واعتمدت التعليقات والصور التي نشرها فنانون، وشاركها متابعون على «السوشيال ميديا»، على إعادة تدوير «مشاهد تمثيلية» معروفة داخل «المساحة المائية» لمجموعة «قاع الهامور» الهزلية، بتقنية الذكاء الاصطناعي، والتعليق بكلمات ساخرة.

ومن أبزر النجوم الذين شاركوا في «الترند»: نيللي كريم التي نشرت صورة جمعتها بالفنان باسم سمرة من مسلسل «ذات»، وكتبت: «العيشة في قاع الهامور أصبحت تقصر الزعنفة». ونشر باسم سمرة صورة شخصيته في مسلسل «العتاولة» وكتب: «بقينا في القاع»، وروَّجت روبي لحفلها الجديد، قائلة: «انتظروا حفلاً في قاع الهامور قريباً».

وعلَّقت هنا الزاهد على صورتها ضمن «الترند»، وكتبت: «الهجرة إلى قاع الهامور»، وأشادت مي عز الدين باستقبال شخصيتها الفنية، وكتبت: «لحظة وصول واستقبال (العايقة) في قاع الهامور»، بينما تفاعلت الشيف نادية السيد على طريقتها، وقالت: «يا أهالي قاع الهامور، ابعدوا عن أكل الغواصات الغارقة والمخلفات».

هنا الزاهد شاركت في «الترند» الجديد (حسابها على فيسبوك)

وتسببت «المجموعة الهزلية» في حالة بحث لافتة عبر تعليقات أشخاص من مصر والدول العربية، وخصوصاً على موقع «إكس»، والتساؤل عن سبب انتشارها السريع، ومَن صاحب الفكرة وتوجهاته، وعنوانها «السوشيالي»، وكيف يمكنهم الانضمام لعالمها المائي، ووصل الأمر لاتهام أصحابها بالانحياز لتوجه سياسي بعينه.

وردَّ مسؤول المجموعة على هذه الاتهامات قائلاً: «نحن نخلي مسؤوليتنا عن أي منشور سياسي باسم (الترند) خارج المجموعة»، مضيفاً: «نحن في (قاع الهامور) وهذا أكثر شيء يجعلكم لا تفكرون نحونا بطريقة جدية».

وتضم المجموعة الساخرة ملصقات دعائية لمدارس، ومستشفيات، ومحال تجارية، ومطاعم، ومقاهٍ، ومراكز تجميل، ولم يغفل أصحابها عن الترويج لمكاتب حجز تذاكر الطيران وفنادق الإقامة، ومكاتب التسويق العقاري لبنايات (قاع الهامور)، إلى جانب الإعلان عن تنسيق الكليات البحرية، مثل البلطي والهامور والجمبري، وغيرها.

وإلى جانب التفاعل الكوميدي لبعض الفنانين، حذَّر آخرون من الانسياق وراء المجموعة الساخرة، من بينهم وفاء صادق التي كتبت عبر حسابها على «فيسبوك»: «المفروض ناس كبيرة وقيمة وقامة وتعليم، ولا يصح أن تقعوا في الفخ. فعلاً نحن في القاع»، بينما وصف المنتج عبد الله أبو الفتوح «الترند»، بأنه ثقيل الدم وغير لذيذ، وليست به صور جذابة ولا فكرة عميقة، مضيفاً: «أصبحت أخاف على مستوى الكوميديا في مصر. الضحك في خطر».

روبي ضمن مشاركتها في «الترند» (حسابها على فيسبوك)

وعن رأيه في تفاعل عدد من الفنانين مع «ترند» مجموعة «قاع الهامور» بشكل سريع، بعكس بعض «الترندات» الأخرى، قال الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق: «ما شاهدناه من تفاعل فني على (ترند الهامور) أمر طبيعي؛ لا سيما أنه لطيف ويدور في أجواء كوميدية، ويتسع لعدد لا نهائي من المشاركين، وكل ما قد يخطر على الذهن يصلح أن يتم تقديمه بخفة دم وسخرية».

ويوضح محمد عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط»، أن السبب الرئيسي وراء انتشار «الترند» على صفحات المشاهير يكمن في أنه بسيط ومختلف، ولا يتطلب سوى لقطات من الحياة والتعليق بطريقة كوميدية»، لافتاً إلى أن «كل من شارك فيه من الفنانين عُرفوا بحضورهم الكبير على (السوشيال ميديا)»، مع توقعاته بانضمام مزيد خلال الساعات القادمة.

باسم سمرة تفاعل مع «الترند» بشكل لافت (حسابه على فيسبوك)

وارتبطت مراحل عمرية عدة بسلسلة حلقات «سبونج بوب سكوير بانتس»، أو المعروف لدى الأطفال باسم «سبونج بوب»، وهو مسلسل رسوم متحركة كوميدي، عُرض أول مرة في نهاية التسعينات، وتدور أحداثه حول مغامرات «سبونج بوب»، وهو إسفنجة بحرية صفراء تجسد شخصية بشرية، وتمت دبلجته باللهجة المصرية فيما بعد، وعُرض على قنوات متنوعة، ويضم المسلسل إلى جانب شخصية «سبونج بوب» الرئيسية، شخصيات (بسيط نجم، وشفيق، ومستر سلطع، وساندي، وشمشون، وكارن، وسريع، وعضلات).


ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)
TT

ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)

قال المخرج الكندي ديني كوتيه إن نقطة انطلاق فيلمه الجديد «عنف لا يخص أحداً» (Nobody’s Violence) ارتبطت بحالته الشخصية، إذ كان يعاني من قصور في وظائف الكلى منذ 18 عاماً، وكانت حالته الصحية تتدهور تدريجياً عندما بدأ العمل على المشروع، لافتاً إلى أنه كان يعيش آنذاك واحدة من أصعب مراحل حياته، مع تراجع طاقته وشعوره بأن العالم من حوله بات محاطاً بعدم اليقين.

وأضاف كوتيه، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن شخصية «ميرا» خرجت تدريجياً من هذه الحالة، موضحاً أنها «عالقة في عالم موازٍ وغير محتمل، منشغلة بمستقبلها، وتبحث عن الأدوات التي تساعدها على تحديد طريقها».

ويروي الفيلم قصة «ميرا»، وهي امرأة غامضة تعيش حياة على هامش العالم، وتساعد أشخاصاً اختاروا إنهاء حياتهم عبر تزويدهم بمسحوق قاتل يخلطونه بالماء ويتناولونه بأنفسهم. ومع تنقّلها بين حالات مختلفة، تتجاوز علاقتها ببعض هؤلاء الأشخاص حدود المهمة التي تؤديها، فتجد نفسها أمام أسئلة عن معنى الحياة والموت، وما الذي يجعل الاستمرار ممكناً.

عُرض الفيلم في المسابقة الدولية لمهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا، وحصل على تنويه خاص عن أداء الممثل الكندي كزافييه بيرجيرون، في عودة كوتيه إلى المهرجان بعد عقدين من فوزه بـ«الفهد الذهبي».

وعن عودته إلى «لوكارنو»، قال كوتيه إن الحصول على التكريم أمر ممتع، لكنه لا يصنع أفلامه من أجل الجوائز، ولا يبني مشروعاته وفق حسابات الوصول إليها؛ لأن الجوائز بطبيعتها ملتبسة، ونادراً ما تحظى بإجماع، ورأى أن هذه المساحة من الاختلاف جزء مما يحبه فيها.

المخرج الكندي ديني كوتيه (مهرجان لوكارنو)

وأوضح المخرج الكندي أن تجربة كتابة الفيلم كانت مشبعة بحالته الشخصية، لكنها لم تكن واضحة بالنسبة إليه حينها، إذ وجد نفسه أمام عمل غامض لا يعرف تماماً إلى أين يقوده. وقال: «إن عملية زراعة الكلى والحصول على عضو جديد، إلى جانب استعادة قدر أكبر من التوازن في حياتي اليومية، غيّرت علاقتي بالفيلم، فأصبحت أنظر إليه من منظور سينيفيلي يرتبط أكثر بحبي للسينما، بعيداً عن كونه انعكاساً مباشراً لتجربتي».

ولفت كوتيه إلى أن «ميرا» تعيش في حالة من التعليق داخل مساحة بين عالمين، إذ تتقاطع لديها أسئلة الحياة والموت مع بحثها عن موقع خاص بها، مؤكداً أن قسوة الفيلم وعدم يقينه جزء من لغته الجمالية، وأن طبيعته الاستكشافية تمنحه خصوصيته.

وأضاف أن الموت لا يمثّل بالنسبة إليه موضوعاً يحتاج إلى معالجة صريحة أو استفزازية، خصوصاً أنه يعيش في كندا، حيث أصبحت المساعدة الطبية على الموت متاحة ضمن نظام آمن ومدروس وخاضع للرقابة، مشيراً إلى أن وجود هذا الخيار يفتح بطبيعته أسئلة أخلاقية معقدة، من دون حاجة إلى إصدار أحكام أو تبنّي موقف مباشر منها.

وأوضح أن «الكشف التدريجي عن طبيعة عمل (ميرا) كان ضرورياً للحفاظ على المسافة بينها وبين المشاهد، فلم أرغب في تقديمها بوصفها شخصية باردة وروبوتية تنتمي إلى فيلم من أفلام النوع»، لافتاً إلى أن «الأسئلة التي يثيرها الفيلم حول المساعدة على الموت لا تمثّل بالنسبة إليه بياناً اجتماعياً مباشراً؛ لأن عالم الأحداث خيالي وملتوٍ ويميل إلى الديستوبيا».

وأشار إلى أن الأفلام الوثائقية تستطيع معالجة الجوانب الاجتماعية والروحية للقضية بصورة مباشرة، في حين اختار هو الاقتراب منها بطريق أكثر خيالاً والتواءً، يترك الأسئلة مفتوحة أمام المتلقي؛ فـ«ميرا» لا تؤدي وظيفتها فحسب، وإنما تتحرك بين عوالم وطاقات وعلاقات وحالات نفسية مختلفة، بحثاً عن مكانها الصحيح.

وعدّ أن «هذه المشاعر لا تحتاج إلى سرد محكم»، مؤكداً أنه يحب الأفلام التي تجعل المشاهد يشعر بالضياع ويسأل عمّا يشاهده. وأضاف: «لذلك جاء هذا الجزء متعرجاً وعائماً، حتى لو لم ينسجم مع ذائقة الجميع؛ لأن الاغتراب وفقدان الطريق كانا جزءاً من التجربة التي أردت بناءها».

استخدم المخرج رؤية بصرية تتماشى مع رؤيته للحياة خلال مرضه (مهرجان لوكارنو)

وعن التصوير والإضاءة باستخدام شريط 16 مليمتراً، قال كوتيه: «يرتبط هذا الاختيار بالفعل بالطريقة التي كنت أرى بها العالم أثناء مرضي؛ فقد كنت أشعر بنفور متزايد من الجمال المصقول واللامع في المسلسلات والسينما التجارية، إذ أصبح كل شيء مطالباً بأن يبدو مثالياً وجذاباً»، مشيراً إلى رغبته في مقاومة هذا التصور للجمال، إذ يجد جمالاً أكثر تحرراً من القواعد البصرية السائدة.

وفيما يتعلق بتداخل تجربته الصحية مع الفيلم، رفض كوتيه التعامل مع العمل بوصفه سيرة ذاتية مقنّعة، موضحاً أنه لا يريد أن تصبح خلفية المخرج مفتاحاً إلزامياً لفهم الفيلم؛ لأن معرفة ما مرّ به في أثناء الكتابة قد تدفع المشاهد إلى قراءة العمل بطريقة مختلفة، حين يفضّل أن «يُستقبَل الفيلم بوصفه عملاً سينمائياً مستقلاً».


مصر تسترد عشرات القطع الأثرية النادرة من أميركا

القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تسترد عشرات القطع الأثرية النادرة من أميركا

القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)

​استردت مصر 48 قطعة أثرية نادرة من الولايات المتحدة، في مراسم رسمية بمدينة لوس أنجليس، بحضور مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي(FBI) وقنصل مصر العام في لوس أنجليس، وذلك في إطار التعاون القائم بين الجانبين في مجال استرداد الآثار المصرية المهرَّبة، والحفاظ على الإرث الحضاري المصري.

ووفق وزارة الخارجية المصرية، قام الدكتور حسام الدين علي، قنصل مصر العام في لوس أنجليس، بتسلُّم الآثار المستردة، وألقى كلمة أعرب خلالها عن تقدير مصر لإعادة هذه القطع الأثرية النادرة إلى أرض الوطن، مشيداً بمستوى التعاون بين مصر والولايات المتحدة في مختلف المجالات، وخصوصاً في مجال استرداد الآثار المصرية المهرَّبة، والحفاظ على الإرث الحضاري.

وتتضمن القطع المستردَّة من أميركا تمائم وحُلياً وأدوات جنائزية تعود لعصور تاريخية مختلفة، وفق وسائل إعلام محلية.

قنصل مصر بلوس أنجليس يتسلَّم القطع المستردة (وزارة الخارجية المصرية)

وجاءت عملية استرداد القطع الأثرية في إطار اتفاقية بين مصر والولايات المتحدة تم توقيعها عام 2016، لاسترداد الممتلكات الثقافية، تتيح للولايات المتحدة فرض قيود على استيراد فئات محددة من المواد الأثرية والإثنولوجية القادمة من مصر.

و«تمثل استعادة مصر لقطعها الأثرية من الخارج، في جوهرها، استعادة لشواهد مادية تحمل ذاكرة الإنسان المصري، وتكشف عن منظومة متكاملة من المعتقدات والفنون والعادات التي تشكَّلت عبر آلاف السنين»، وفق الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن أهمية المجموعة المستردَّة في تنوعها؛ فوجود التمائم والحُلي والأدوات والعناصر المرتبطة بالممارسات الجنائزية إلى جانب التماثيل وغيرها، يمنح الباحث فرصة لقراءة الحضارة المصرية من زوايا متعددة. فالتميمة -على سبيل المثال- لم تكن مجرد قطعة للزينة، وإنما ارتبطت في الفكر المصري القديم بمفاهيم الحماية والقوة وتجدد الحياة».

وتابعت: «أما العناصر الجنائزية فتكتسب أهمية خاصة؛ لأنها ترتبط مباشرة بتصور المصري القديم للموت والبعث واستمرار الوجود. ومن ثم، فإن عودة هذه القطع إلى مصر تعني عودة أدلة مادية يمكن دراستها في إطارها الحضاري وربطها بمثيلاتها، بما يساعد على إعادة بناء سياقاتها التاريخية والوظيفية بصورة أكثر دقة».

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، أن نجاح مصر في استرداد هذه القطع يعكس تحول ملف الآثار المهربة من مجرد قضية وطنية إلى قضية تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً؛ وهو ما تؤكده الشراكة والتنسيق مع الجهات الأميركية المختصة في عمليات التتبع والمصادرة وإعادة الممتلكات الثقافية.

وشهدت الفترة الماضية استعادة مصر كثيراً من القطع الأثرية من أميركا، بعضها بمبادرة أسرة أميركية في يونيو (حزيران) الماضي، سلَّمت 4 قطع أثرية إلى مصر. وفي أبريل (نيسان) الماضي، استردت مصر 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية، كانت قد خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «استرداد القطع الأثرية بمنزلة شهادة تعاون دولية مع الحكومة المصرية؛ حيث إن هذه الآثار هي حق أصيل للشعب المصري، فهي تعبر عن أهمية عرض الآثار المصرية في أماكنها». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «استرداد هذه القطع يثري المتاحف المصرية، ويعكس في الوقت ذاته نجاح التعاون الدولي في التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع في الآثار، وحماية الممتلكات الثقافية من الضياع أو التداول خارج الأطر القانونية».

وحسب مدير الإدارة العامة لاسترداد الآثار، شعبان عبد الجواد، استردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية خلال العشر سنوات الأخيرة، بالتعاون بين جهات مختلفة، مثل: وزارة السياحة والآثار، ووزارة الخارجية المصرية، ومكتب النائب العام، مؤكداً أن عمليات الاسترداد تتم على مستويات عدة، وبالتنسيق مع جهات مختلفة؛ مؤكداً في تصريحات متلفزة أن عامَي 2025 و2026 شهدا استرداد أكثر من 71 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية.