هشام شربتجي... استراحة بالغ الذروات

المخرج السوري الكبير يغادر ليُخلّده إرثه

المخرج السوري الكبير هشام شربتجي يغادر ليبقى إرثه (تويتر)
المخرج السوري الكبير هشام شربتجي يغادر ليبقى إرثه (تويتر)
TT

هشام شربتجي... استراحة بالغ الذروات

المخرج السوري الكبير هشام شربتجي يغادر ليبقى إرثه (تويتر)
المخرج السوري الكبير هشام شربتجي يغادر ليبقى إرثه (تويتر)

قدر الأجساد بلوغ النهايات مهما اشتدّ العود وبلغ المرء مجده. هشام شربتجي من علامات الأمجاد، بما استحدثه من خط إخراجي وكرّسه من احترافية. يرحل، فالرحيل أيضاً يطال الكبار. أبعده المرض قبل عامين وأنهكته مضاعفاته، ليحلّ الموت عن 75 عاماً. أمضى عمراً في صناعة الذكريات وسكْب الدهشة على أعماله. لقبه «شيخ الكار»، منبعه الإتقان والتفرّد. فالكار، حيث تتزاحم الكاميرات والنصوص والشخصيات، وأشكال الديكور والأضواء المُعلّقة؛ يمتنّ بالفضل لمَن أسّس نهضة الدراما السورية ومنح الصنعة الذروات.

تنشر ابنته المخرجة رشا شربتجي ورقة النعي مع رسالة للأب المُفْضل عليها. لطالما اختارت توقيع أعمالها باسمها الثلاثي، تحية لمَن علَّم. نسبت الرحيل للجسد فقط، وقالت إنّ الروح سترافق خطاها. أخبرته أنها مدينة له بالنجاحات والسمعة الطيبة، وطمأنته إلى أنها ستُكمل دربه نحو الحرص على عدم الإخلال بتعليماته والأمانة في العمل. سألت الابنة الدعاء للأب، فـ«نحن ندين له بذاكرة نقية». ابنه يزن شكره على كل شيء.

أجمل الرحيل هو المُتكئ على أثر. ذلك الفوّاح المُمتد، والخارج عن كونه معنياً بقلّة. رحيل هشام شربتجي يملأ أحبّته بإحساس الخسارة. كثر ذكروا فضله وأخبروا عنه القصص. وفي كل رثاء، يلوح عناق للابنَيْن، رشا المخرجة ويزن المصوّر ومدير الإضاءة. شمَل العزاء إشادة بأهميته الدرامية وتقديراً لإرثه الفني. وكما النجوم، استذكره متلقّو الضحكات من الناس العاديين الذين نشأوا على أعماله، فرثوه وشاركوا عائلته المصاب.

هشام شربتجي وياسر العظمة في صورة من ذاكرة الزمن الجميل (حساب العظمة)

يلتصق الاسم بإنجازاته، فيطلّ برأسه واثقاً فور ذكر أعمال تدغدغ الوجدان الشعبي. فما إن يُقال «مرايا» حتى يحضر شربتجي. وما إن يُذكر «جميل وهناء» حتى يُرافق الابتسامةَ إلى الأذهان. خلّد أعمالاً وخلّدته، وهي كثيرة، منها «عائلة النجوم» بأجزائها و«أحلام أبو الهنا» و«يوميات مدير عام»، وصولاً إلى الجزء 16 من المسلسل السعودي «طاش ما طاش» (2009) وما تلاه... فيما البعض يخلّده عملٌ أو أكثر بقليل، فيشكّل نضجه الفني ويختزل مسيرته؛ هشام شربتجي علَّم بكل تجربة.

تزامن يوم الرحيل، الثلاثاء، مع عيد ميلاد رفيق البدايات ياسر العظمة. وصفه بـ«الصديق العزيز» واستعاد مسيرتهما في الفن الاحترافي. كانت البدايات عذبة، اقتحما فيها دروباً شائكة وذلّلا المصاعب. ولعلّهما لم يتوقعا أن تطول سلسلة «مرايا» (1984) وترافق الأجيال بأجزاء. نشرُ العظمة صورة من الشباب، إلى جانب شربتجي وهما يتفحّصان جودة مشهد، أيقظ حنيناً إلى زمن لا يتكرّر روّاده.

إنه مدرسة في الإخراج محفوفة بالمغامرة والشغف

الكاتبة ريم حنا

نعت «نقابة الفنانين السوريين» الراحل المولود في دمشق العام 1948، كما نعاه فنانون بعضهم اتّبع نصائحه فبلغ مكانة متقدّمة. شربتجي المُتخرّج من «المعهد العالي للفنون المسرحية» في القاهرة، والمُكمل دراسته بألمانيا، صنع لتاريخ الدراما السورية ذاكرة خاصة أفردت مساحات لنجوم أحسن إدارتهم فأخرجوا أقصى الطاقات. الكاتبة ريم حنا تحدّثت عن «مدرسة في الإخراج محفوفة بالمغامرة والشغف». فهو «الشاعري في صورة لامست حدّ التصوّف»، بتعبيرها، لم يهب الإبداع بأدوات جديدة، أو يتردّد أمام الابتكار، فنفض الغبار متى أوعزه حدسه التخلّص من طبقاته، وامتلك عينين وصفهما باسل خياط بالثاقبتين، ونظرة شبّهها قصي خولي بالصقر؛ خوّلته استشراف مستقبل الصورة وعتقها من الضجر.

 

يصدُق خياط حين يشير إلى فقدان الأماكن ناسها، فللمكان روح تشعر باليتم حين يغادرها ساكنوها. كتب في وداعه عن حزن الإذاعة والاستوديوهات والميكروفونات وغرف الإعداد وكوب الشاي وقهوته. وطال الألم «سوق الهال وباب توما وعين الكرش والقزازين وشارع بغداد والمهاجرين ودمر...». واستعاد خولي تعلّق الأدوات بمُشغّلها، فسمّى الراحل، مُلاحِق التفاصيل، من كاميرا وصوت وصورة وعدسات ومونتاج وتقنيات وإدارة ممثل ونص وإخراج؛ بـ«الحاجب الشامخ». نشر صورته ليعلن أنه لن ينساه.

تتوالى على أيمن زيدان الخسائر ولم تنفع مناجاته الموت أن يترجّل قليلاً عن صهوة أحبّته، بردّ أشباحه عن شربتجي. قد يبلغ المرء درجة من الألم فيُقلّص الكلام. تكثُر الجنائز على صاحب الضحكة الصاخبة في «جميل وهناء»، لتلقّنه دروساً في إسكات الحروف أمام ضجيج الأعماق. «الحديث عن أهمية منجز هشام شربتجي لا تنصفه بضع كلمات»، اختصره.

 

هشام شربتجي صانع الضحكات الصادقة بأعمال تخلّدها الذاكرة (تويتر)

 

أحبّ اقتناء الساعات؛ كشفت شكران مرتجى هواية الرجل الملتزم. سمّته أحلى اللقبين لمَن يستحقهما: «أستاذي وحبيبي»، ولمحت إثر غيابه توقّف الزمن. وسألت سلافة معمار الصبر لفاقدي «صانع المتعة»، لتشاركها أمل عرفة شعور خسارته. تعترف بفضله على «الكثير من الممثلين، وأنا منهم»، كاعتراف رنا شميس بأنّ الدنيا لم تسعها حين أبلغها بدور لها من إخراجه. استعادت احتواءه خلال العمل و«صَفْنته» (شروده) قبل كل مشهد، كاستعادة كاريس بشار «الأيام الحلوة والأعمال التي لا تُنسى».

ودّعه عابد فهد وديمة قندلفت ومعتصم النهار وأحبّة الفن السوري...، وفي لبنان غرّد فنانون بينهم كارمن لبّس وماغي بو غصن ونادين نجيم وباسم مغنية...، في رثائه. وحمّله متحسّرون على الكبار سلاماً إلى قافلة سبقته نحو العلياء، مثل حاتم علي وبسام الملا. نصف قرن من صناعة البصمة والبهجة، خلاصتها أجمل كاركتيرات الكوميديا والرؤية المعاصرة للدراما والحياة. وداعاً.



مطالبات في مصر بجنازة شعبية ورسمية لهاني شاكر

هاني شاكر شارك في الحياة الفنية والغنائية لأكثر من نصف قرن (فيسبوك)
هاني شاكر شارك في الحياة الفنية والغنائية لأكثر من نصف قرن (فيسبوك)
TT

مطالبات في مصر بجنازة شعبية ورسمية لهاني شاكر

هاني شاكر شارك في الحياة الفنية والغنائية لأكثر من نصف قرن (فيسبوك)
هاني شاكر شارك في الحياة الفنية والغنائية لأكثر من نصف قرن (فيسبوك)

منذ الإعلان عن رحيل «أمير الغناء العربي» هاني شاكر، قبل يومين، لم تتوقف المطالبات بأن تقام مراسم تشييع جثمانه بصورة رسمية وأن يحظى بجنازة شعبية، تسمح لكل محبيه وجمهوره وعشاق صوته بوداعه بالصورة التي يستحقها بقدر ما أسعد جمهوره ومحبي فنه لأكثر من نصف قرن.

ويأتي ذلك في الوقت الذي أعلنت أسرة الفنان الراحل عن تشييع الجنازة، الأربعاء، الموافق 6 مايو (أيار) عقب صلاة الظهر بمسجد أبو شقة ببالم هيلز (كمبوند سكني) والدفن بمقابر العائلة بطريق الواحات بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، ويقام العزاء يوم الخميس الموافق 7 مايو بمسجد أبو شقة ببالم هيلز.

وأطلقت شعبة المصورين بنقابة الصحافيين المصرية استمارة لتسجيل الصحافيين المهتمين بتغطية الجنازة والعزاء وفق معايير وضوابط بروتوكول أعلنته النقابة بالتعاون مع نقابتي المهن التمثيلية والمهن الموسيقية، وبالتعاون أيضاً مع شركة «سكنى» المتخصصة في تنظيم مراسم الجنازات والعزاءات. وذلك لمنع الفوضى والتجاوزات التي وقعت سابقاً في جنازات فنانين ومشاهير.

فيما نشرت الفنانة نادية مصطفى، وكيل نقابة الموسيقيين التماساً للجهات الرسمية بالدولة، وصفته بأنه «نابع من قلوب مُحبي الفنان الكبير هاني شاكر وجمهوره في مصر والوطن العرب بأن تُقام له جنازة رسمية وشعبية تليق باسمه وتاريخه».

هاني شاكر قدم العديد من الأغاني الوطنية (صفحة نادية مصطفى على فيسبوك)

وكتبت على صفحتها بـ«فيسبوك»: «لقد قدّم هاني شاكر طوال مسيرته تاريخاً مشرفاً من الفن الحقيقي وكان دائماً واجهة حضارية مشرفة لمصر، يحمل اسمها وفنها إلى كل أنحاء الوطن العربي بكل فخر واعتزاز، وإيماناً بقيمته الكبيرة فإن تكريمه بجنازة رسمية وشعبية هو أقل تقدير لما قدّمه من عطاء وإبداع وسيكون رسالة وفاء من الدولة المصرية لكل من خدم فنها ورفع اسمها عالياً».

ورحل هاني شاكر عن عالمنا، الأحد، عن عمر ناهز 74 عاماً، بعد صراع مع المرض، وتأزم حالته، وتم نقله لاستكمال العلاج في فرنسا، وقدم عبر مسيرته الفنية التي بدأت منذ طفولته في الستينات أعمالاً فنية، حيث شارك في فيلم «سيد درويش» من بطولة كرم مطاوع عام 1966، ومن أشهر ألبوماته «يا ريتك معايا» و«علّي الضحكاية» و«كده برضه يا قمر» و«حكاية كل عاشق» و«الحلم الجميل» و«جرحي أنا».

ويرى المصور الصحافي عمرو نبيل أن المطالبة بجنازة شعبية أمر مهم جداً بالنسبة لفنان عُرف بأنه نموذج للفنان المثالي في مصر، وقدم العديد من الأغاني الوطنية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنازة الشعبية والرسمية يكون الغرض منها توثيق محبة الجمهور للفنان في مشهد الوداع، وهو أمر مهم جداً رأيناه في مشاهد جنازات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب. ومن آخر الجنازات التي يمكن أن أصفها بأنها كانت شعبية وقمت بتصويرها وتوثيقها جنازة سعاد حسني عام 2001».

ولفت نبيل إلى أن الجنازة الشعبية يظهر فيها أبناء البلد البسطاء الذين قدموا من الأرياف أو الصعيد أو المناطق الشعبية أو محبوه من الدول العربية، والتقاط مشاعر الحزن ولحظات الوداع على وجوههم تكون أصدق اللقطات واللحظات وأكثرها تعبيراً عن القيمة الكبيرة التي يمثلها الفنان بالنسبة لعموم الجمهور. مرجحاً أن تكون الإجراءات المغلقة التي تتطلب تأميناً كبيراً للفنانين في العزاء فقط، بينما تكون الجنازة فرصة لوداع كبير حاشد يليق بمسيرة الفنان.

مشهد من جنازة عبد الحليم حافظ (صفحة وثائقيات على فيسبوك)

ومن أشهر الجنازات الشعبية التي شهدتها مصر جنازة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1970، التي وصفت بأنها من أكبر الجنازات في القرن العشرين، وجنازة أم كلثوم عام 1975 التي وصفت تقديرات عدد المشاركين فيها بالملايين، وكذلك جنازة عبد الحليم حافظ عام 1977، وجنازة محمد عبد الوهاب عام 1991، وكذلك جنازة سعاد حسني عام 2001.

ووفق الناقد الفني المصري طارق الشناوي، فقد «امتدت رحلة وتأثير هاني شاكر لأكثر من 3 أجيال عاشت مع أغانيه وما زال يشكل قيمة كبيرة في الوجدان المصري والعربي، لذلك فهو يستحق جنازة شعبية ورسمية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «الجنازة الرسمية عادة ما تكون بقرار من الدولة، لكن ما يظل في الذاكرة هو الجنازة الشعبية مثل جنازات عبد الناصر وأم كلثوم وعبد الحليم، فرغم أنه كانت هناك بيانات رسمية لنعيهم، ولكن ما تبقى فعلاً وظل على مدار الزمن وسيظل شاخصاً للأجيال القادمة هو قيمة هؤلاء الراحلين الذين تحولت جنازاتهم إلى مظاهرات حب».

وتابع: «أتمنى أن نلتزم نحن كوننا صحافيين بكل القواعد، ونحافظ على هيبة وجلال المشهد، وفي الوقت نفسه التأكيد على ضرورة تكريم الفنان في رحلة وداعه الأخيرة، وهذا لن يتحقق إلا بجنازة شعبية».

ونعى هاني شاكر العديد من الأشخاص والجهات والمؤسسات العامة، في مقدمتهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ووزارة الثقافة المصرية، ونقابة المهن الموسيقية التي أعلنت حالة حداد يوم الأربعاء في جميع فروعها لوداع هاني شاكر.

مشهد من جنازة أم كلثوم (فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «هاني شاكر يعتبر من أعمدة الغناء الذين ظهروا خلال الستين سنة الماضية، لأنه بدأ طفلاً في فيلم (سيد درويش) في الستينات، وفي السبعينات وجد لنفسه مكاناً بين الكبار مثل عبد الحليم وأم كلثوم ووردة وفايزة ونجاة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الفنان الراحل حافظ على مكانته باختيار الكلمات التي يقدمها والجملة اللحنية حتى آخر حياته، وغنى العديد من الأغاني الوطنية، ويعتبره كثيرون امتداداً لجيل الكبار، وعلى المستوى الأخلاقي كان من أفضل المطربين الذين فصلوا حياتهم الشخصية عن حياتهم العامة، وتقلد مناصب منها نقيب الموسيقيين لمدة 6 أو 7 سنوات، ولذلك يستحق جنازة شعبية تليق باسمه وتاريخه».


«جسور الفن» مبادرة سعودية للتفاعل الثقافي في 4 عواصم عالمية

نوافذ لتطوير المهارات المهنية وتعزيز التبادل الثقافي الدولي للفنانين في السعودية (هيئة الفنون البصرية)
نوافذ لتطوير المهارات المهنية وتعزيز التبادل الثقافي الدولي للفنانين في السعودية (هيئة الفنون البصرية)
TT

«جسور الفن» مبادرة سعودية للتفاعل الثقافي في 4 عواصم عالمية

نوافذ لتطوير المهارات المهنية وتعزيز التبادل الثقافي الدولي للفنانين في السعودية (هيئة الفنون البصرية)
نوافذ لتطوير المهارات المهنية وتعزيز التبادل الثقافي الدولي للفنانين في السعودية (هيئة الفنون البصرية)

جولات فنية ومعرفية لمجموعة من الفنانين السعوديين في عواصم الفن وأبرز البيئات الثقافية، ضمن مبادرة «جسور الفن» التي أطلقتها هيئة الفنون البصرية والتي تهدف إلى تطوير المهارات المهنية وتعزيز التبادل الثقافي الدولي للفنانين التشكيليين والممارسين الثقافيين والمهنيين الإبداعيين ومنتجي الثقافة من السعوديين والمقيمين في السعودية.

ضمت كل جولة في إحدى عواصم الفن، 10 مهنيين تم اختيارهم سفراء للمشهد الثقافي السعودي إلى العالم، وشاركوا في زيارات إلى مؤسسات فنية وفعاليات ذات شهرة عالمية، وأتيحت لهم فرص للتواصل وبناء العلاقات المهنية، والقيام بأنشطة تعليمية جماعية لتعزيز الروابط مع الدول المستضيفة تمهيداً للتبادل الثقافي والتعاون المستقبلي، وشملت برامج الموسم الحالي من المبادرة كلاً من اسكوتلندا، واليابان وكوريا الجنوبية، وستكون آخر المحطات في إسبانيا يونيو (حزيران) المقبل.

‏زار 10 ممارسين ثقافيين سعوديين في كل جولة أبرزَ المراكز الفنية بالعواصم (هيئة الفنون البصرية)

اليابان... الفن والبيئة

تناول برنامج اليابان موضوع «الفن والبيئة»، ووفر لمحترفي الفنون البصرية فرصة نادرة لاكتساب رؤى معمقة حول كيفية تصور وتنفيذ الفعاليات الثقافية عالمية المستوى، كما أتاحت الجولة للمشاركين منصة مناسبة للتبادل المهني ومشاركة المعرفة والحوار بين الممارسين الثقافيين السعوديين والمقيمين والمنظومة الفنية في اليابان، إضافة إلى تركيزها على سبل التعاون المستقبلي والدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات الفنية لدعم حركة الابتكار الفني.

‏وشملت الزيارات كلاً من متحف «بينيس هاوس»، ومتحف «تشيتشو للفن»، ومتحف «ناوشيما» الجديد ومرصد «إينورا» وفتحت نافذة مثالية لمناقشة العلاقة بين الفن والمَشاهد الطبيعية والتصميم المعماري، كما استكشفت المجموعة أيضاً مبادرات فنية مجتمعية، مثل مشروع «بيت الفن» في حي هونمورا في ناوشيما، حيث يتداخل الفن المعاصر مع الاستدامة والتراث.

واستطلع المشاركون كيفية تفاعل الفنانين اليابانيين المعاصرين مع البيئات الطبيعية والمدنية والتقليدية من خلال المعارض والتركيبات الفنية في مواقع محددة تعكس الترابط العميق مع المكان والمحيط، إضافة إلى الممارسات المستندة إلى المواد المستخدمة والتي تركز على الملمس والثقافة والتجربة الحسية، إلى جانب كيفية دمج الاستدامة في الممارسة البصرية.

ويعدّ هذا البرنامج مناسباً لفناني الأعمال المتعلقة بالبيئة، وفناني التركيبات الفنية، والنحاتين الذين يعتمدون على مواد محددة في أعمالهم، إضافة إلى القيّمين والمنظمين المتخصصين بالمشاريع والفعاليات الفنية واسعة النطاق.

شملت برامج الموسم الحالي من المبادرة اسكوتلندا واليابان وكوريا الجنوبية وآخر المحطات في إسبانيا (هيئة الفنون البصرية)

كوريا الجنوبية... الهوية من خلال الفن

شمل برنامج كوريا الجنوبية موضوع «الهوية من خلال الفن والمجتمع»، مشرعاً لممارسي الفنون البصرية الأبواب على أحد أكثر المشاهد الثقافية حيوية ونمواً في آسيا.

وزار المشاركون الذين تمّ اختيارهم لبرنامج كوريا الجنوبية ضمن المبادرة مراكز ثقافيّة في كلّ من غوانغجو وسيول، حيث اطّلعوا على الكيفيّة الّتي تقوم عليها البنى التحتية الثقافيّة والسّياقات المكانيّة لرسم ملامح الممارسات الفنيّة المعاصرة.

‏وزار المشاركون في غوانغجو كلّاً من مركز آسيا للثّقافة، وبينالي غوانغجو، واستطلعوا نماذج الإنتاج الفنّيّ القائمة على البحث، والتّبادل الثّقافيّ الدّولي، وحجم المؤسسات الثّقافيّة.

واختُتم البرنامج في سيول بمجموعة من اللّقاءات والحوارات الّتي أسهمت في إثراء الأفكار والرّؤى المستخلصة من المؤسّسات الفنّيّة واستديوهات الفنّانين والمساحات البديلة الّتي تمّت زيارتها خلال الأسبوع.

وتحدّث رائد قاضي، المتخصص في مجالات الثقافة والتراث، والذي يركّز عمله على حماية المواقع التاريخية ودراستها، عن إسهام برنامج كوريا الجنوبية ضمن مبادرة «جسور الفن» في تقديم منظورٍ لافت حول تفاعل المدن المعاصرة مع ماضيها، حيث قدّمت مدينة سيول، بمشهدها الحضري النابض بالحياة وتنوّعاتها التاريخية، مساحة تتقاطع مع اهتماماته المهنية في حماية التراث.

من المقرر أن يختتم الموسم الأول بجولته الأخيرة في إسبانيا حول التراث والروح الجماعية (هيئة الفنون البصرية)

اسكوتلندا... الحوار والاستكشاف والتبادل الفني

في اسكوتلندا زار 10 ممارسين ثقافيين سعوديين أبرزَ المراكز الفنية في مدن غلاسكو ودندي وأدنبره خلال برنامج التبادل الثقافي، ضمن مبادرة «جسور الفن».

والتقى المشاركون بالمشهد الفني في أدنبره وجزيرة بِيُوت في زيارة «لجوبيتر آرت لاند» و«أدنبره سكلبتشر وركشوب» و«كريتيف سكوتلاند»، بالإضافة إلى استديو «دوفكوت» المعروف في مجال المنسوجات الجدارية والفنية.

وجمعت جولة اسكوتلندا، الممارسين الثقافيّين السعوديّين والاسكوتلنديّين في أسبوع من الحوار والاستكشاف والتبادل الفني، وزار المشاركون مراكز فنّيّة والتقوا فنّانين وقيّمين وقادة فنّيّين لمشاركة وجهات نظرهم وتعزيز التعاون المستقبلي.‏

وأوضح إبراهيم رُمّان، مدير البرامج في مؤسسة «أثر»، أنه ومن خلال تبادل أفكار الإقامات الفنية مع نظرائه الاسكوتلنديين، تزدهر الرؤى الفنية لدى الطرفين، وأن هذه الرؤى ستسهِم في توجيه برامج مستقبلية في السعودية.

فرص للتواصل وبناء العلاقات المهنية والقيام بأنشطة تعليمية جماعية لتعزيز الروابط (هيئة الفنون البصرية)

ومن المقرر أن يختتم موسم «جسور الفن» في الأول يونيو المقبل، بجولته الأخيرة في إسبانيا، التي تحمل عنوان «التراث والروح الجماعية» ويوفر لممارسي الفنون البصرية فرصة فريدة للتفاعل مع التراث الغني والحداثة والتنوع المناطقي الكبير الذي تتمتع به واحدة من أبرز الوجهات الفنية في أوروبا.

وسيستطلع المشاركون الكيفية التي يواصل التراث الفني الإسلامي الغني في إسبانيا من خلالها رسم معالم الممارسات الجماعية للفنون البصرية.

وسيشتمل البرنامج على لقاءات مع متخصصين في مجال التعليم والفن، لتعزيز التبادل المعرفي والإبداع المشترك من خلال الأساليب التي توظف تقنيات مُلهِمة في بيئات تعاونية، وأشكال إقامة فنية جديدة قائمة على الأهداف الاجتماعية، بدءاً من مبادرات إحياء المناطق الريفية وصولاً إلى برامج دعم الفنانين النازحين عن مناطقهم، ويسلط مسار البرنامج الضوء على كيفية قيام مؤسسات تراثية مثل متحف برادو الشهير بتبنّي الابتكار لعرض الأعمال التقليدية من خلال معارض معاصرة سمتها الجدية والحداثة والوضوح.


«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

عودة غامضة لـ«كونتيسة الدم» بعد اختفاء طويل، حيث تظهر من جديد في قلب فيينا الحديثة، وكأنها خرجت من زمن آخر لتستأنف وجودها وسط عالم تغيّر كثيراً، هذه العودة لا تأتي بدافع الحنين فحسب، بل مدفوعة بهدف محدد وغامض، يضعها في مواجهة واقع جديد تحاول فهمه والسيطرة عليه في عمل يفتح الباب أمام إعادة قراءة الأسطورة من منظور معاصر، وذلك في فيلم «كونتيسة الدم» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان برلين السينمائي.

تلتقي «الكونتيسة» بخادمتها المخلصة التي ظلت على ولائها، لتبدأ معها رحلة بحث معقدة عن كتاب خطير يُعتقد أنه يمتلك القدرة على إنهاء الشر، بما في ذلك مصاصو الدماء أنفسهم. هذه المفارقة تمنح القصة بُعداً درامياً لافتاً، إذ تجد البطلتان نفسيهما تسعيان وراء شيء قد يعني فناءهما، في لعبةٍ تتداخل فيها الرغبة بالبقاء مع احتمالات الزوال.

تنطلق الرحلة عبر شوارع فيينا وأماكنها التاريخية، حيث تتحول المدينة إلى مسرح مفتوح للأحداث، قبل أن تتوسع الدائرة لتشمل مناطق أخرى مثل بوهيميا. وخلال هذا المسار، لا تقتصر الرحلة على البحث الجغرافي، بل تتحول إلى استكشاف لعوالم مختلفة تتقاطع فيها الأزمنة والطبقات الاجتماعية، كاشفة عن تناقضات حادة بين الماضي والحاضر.

شهد الفيلم اهتماماً نقدياً منذ عرضه الأول في برلين (إدارة المهرجان)

في أثناء ذلك، تستعين «الكونتيسة» بابن شقيقها، وهو مصاص دماء مختلف عن الصورة التقليدية، يعيش صراعاً داخلياً مع طبيعته ويحاول التكيف معها بطريقته الخاصة، إلى جانب مُعالجه النفسي الذي يمثل حضوراً غريباً داخل هذا العالم، في ثنائي يضيف بُعداً إنسانياً وساخراً للأحداث، ويعكس محاولة لفهم الهوية والاختلاف داخل إطار فانتازي.

وبالتوازي مع رحلة البحث، تتعقب مجموعة من الشخصيات «الكونتيسة» ومُرافقيها، من بينهم خبراء في مصاصي الدماء وضابط شرطة، يسعون لكشف حقيقتهم والسيطرة عليهم، في مطاردةٍ تخلق توتراً مستمراً، حيث تتقاطع مسارات الصيادين والفريسة، ضِمن لعبة لا تخلو من المفارقات والسخرية السوداء.

بطلة الفيلم الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير أكدت، لـ«الشرق الأوسط»، أن حماسها للمشاركة في العمل جاء من طبيعته المختلفة، بعدما شعرت بدهشة لفكرة تقديم شخصية مصاصة دماء، للمرة الأولى في مسيرتها، رغم تاريخها الطويل مع الأدوار المعقدة، مشيرة إلى أنها فضّلت الاقتراب من التجربة بعفوية دون الاعتماد على مراجع جاهزة.

وأوضحت أن ما جذبها أكثر هو الرؤية الخاصة للمُخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر، التي منحت الفيلم طابعاً حراً بعيداً عن القوالب التقليدية، فلا تُقدَّم الشخصيات من منظور نفسي صارم، بل داخل عالم أقرب إلى الحكاية أو الأسطورة، ما أتاح لها مساحة واسعة للعب والتجريب، لافتة إلى أن شخصية الكونتيسة نفسها كانت مليئة بالتناقضات، وهو ما جذبها إليها، فهي ليست مجرد شخصية شريرة تقليدية، بل تحمل جانباً ساخراً وغامضاً في الوقت نفسه، مؤكدة أنها استمتعت بالتوازن بين القسوة واللعب.

تحمست النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير للفيلم لطبيعته المختلفة (مهرجان برلين)

وأضافت أن هذه الحرية كانت من أهم أسباب قبولها الدور، خاصة أن المخرجة أتاحت لها الانخراط في العمل بخفة ومرونة، دون التقيد بصرامة تفسير الشخصية، مشيرة إلى أن الطابع المسرحي للفيلم منحها مساحة أكبر في الأداء، وحرَّرها من النزعة الواقعية، وفتح المجال أمام الخيال.

ووصفت مشاركتها في الفيلم بـ«المغامرة الفنية»، موضحة أن العمل يتحرك في مساحة «خارج الزمن»، فلا يرتبط بمرحلة محددة، بل يخلق عالماً خاصاً بين الواقع والخيال، وهو ما تعدُّه جوهر السينما التي تبحث عنها. وأردفت: «هذا الإحساس بالتحرر من الزمن جعلها تتعامل مع الشخصية بوصفها حالة أكثر منها بناءً نفسياً تقليدياً»، مؤكدة أن الأداء هنا قائم على الإحساس والحدس، لا على التحليل المباشر، وهو ما منحها خفة وجرأة في تقديم الدور.

وفي ختام حديثها أشارت إلى أن هذه التجربة تميزت بحالة من عدم اليقين داخل موقع التصوير، حيث لم يكن العمل يسير وفق قواعد ثابتة، بل كان يتشكل تدريجياً، ما منحها إحساساً حقيقياً بالمغامرة، مؤكدة أن «هذا النوع من المشاريع يتطلب من الممثل أن يثق في اللحظة ويتخلى عن السيطرة، وهو ما يجعل التجربة أكثر حيوية وصدقاً».