دخل موقع الحِجْر قائمة مواقع «التراث العالمي» في 2008، وكان أول موقع سعودي يتم تسجيله في هذه القائمة التي تشرف عليها منظمة اليونسكو، وعرف بعدها شهرة واسعة، وبات من أهمّ معالم الجزيرة العربية. تقع الحِجْر في إقليم الحجاز، على مسافة 22 كيلومتراً شمال شرقي مدينة العلا، وتعرف منذ القدم بواجهاتها الصخرية المنحوتة والمزيّنة بالنقوش. تتبنّى هذه الزينة نسقاً جامعاً يحوي مجموعة محدودة من العناصر التصويرية، أبرزها صورة النسر المنتصب على قائمتيه، فاتحاً جناحيه المبسوطين في الفضاء.
استنبط الأنباط الحِجْر، وجعلوا منها عاصمتهم الثانية في القرن الأول قبل الميلاد، وكانت عاصمتهم الأولى البتراء التي تقع اليوم في المملكة الأردنية، وتبعد نحو 500 كيلومتر من الحِجْر. في مطلع القرن الثاني للميلاد، سيطرت الإمبراطورية الرومانية على مملكة الأنباط، وأضحت الحِجْر تحت إدارتها، وتُظهر الدراسات أنها فقدت أهميّتها بعد تحوّل طريق التجارة من مسار بريّ إلى مسار بحري يعبر البحر الأحمر، ودخلت تدريجياً في النسيان. تعود واجهات الحِجْر الصخرية المنحوتة إلى الحقبة النبطية، وهي في الواقع مقابر عائلية جامعة شُيّدت في الجبال كما تشهد الكتابات المنقوشة عليها.

قامت هيئة الآثار في الماضي القريب بمسح علمي شامل لهذا الموقع، وأتاح هذا المسح رسم خريطة دقيقة تُظهر سلسلة الواجهات الصخرية التي بلغ عددها 153 واجهة. وقام المشرفون على هذا العمل بترقيم 130 قبراً، وتتوزع هذه القبور المرقّمة على نواحٍ من الموقع، تُعرف بأسماء «قصر البنت»، «جبل المحجر»، «الجبل الأحمر»، «الخريمات»، و«قصر الصانع». وتتبنّى واجهات هذه القبور في أغلب الأحيان نسقاً معمارياً واحداً يتمثّل بعمودين يحدّان باب المدخل الرئيسي، يعلو كلاً منهما تاج من الطراز البسيط. فوق هذا الباب، تستقر القوصرة التقليدية، وهي على شكل مثلث ناتئ يعلو باب المدخل.
على سبيل المثل لا الحصر، تمثّل واجهة القبر 11 من مجموعة جبل المحجر، هذا النموذج المعماري بشكل متقن، وتتميّز بإفريز يمتدّ بين القوصرة والباب، تزيّنه 5 دوائر ورديّة تحاكي زهرة اللوتس، يفصل بين كل منها 3 عواميد متلاصقة. يعلو القوصرة نسر ينتصب فوق قاعدة تحتلّ قمّة المثلّث، فاتحاً جناحيه المبسوطين، وسط آنيتين متشابهتين احتلت كلّ منهما طرفاً من طرفَي المثلث. تتبنّى واجهة القبر 93 في مدافن الخريمات هذا المثال، وتتميّز بعواميدها، وهي هنا 4 عمدان، اثنان منها متلاصقان عند طرف من طرفي هذا الباب.

في ناحية مدافن قصر البنت، على واجهة القبر 42، يتكرّر هذا التأليف، ويحضر النسر من جديد على قمة المثّلث وسط آنيتين. يغيب الإفريز الذي يفصل بين الباب والمثلّث، وتحلّ دائرة تحوي نجمة سداسية الأطراف، تستقرّ في وسط الإفريز. يحضر هذا التأليف من جديد على واجهة القبر 44 المجاور، حيث يحلّ من جديد الإفريز المزيّن بـ5 دوائر ورديّة. في وسط المثلّث، يظهر قناع آدمي من الطراز الروماني، تحيط به من كل طرف أفعى تتمدّد أفقياً. يشكّل هذا العنصر التصويري حالة فريدة من نوعها في الموقع، ولا نجد ما يماثله إلا على واجه القبر 30 حيث يحتل وحده وسط المثلث الذي يعلو الباب. في المقابل، يحضر القناع الآدمي وحده بين دائرتين ورديّتين على واجهة القبر 75 الذي يتفرّد بزينته المنقوشة الخاصة، وهو من قبور الخريمات. على واجهة القبر 39 في مدافن قصر البنت كذلك، يحضر النسر فوق الباب مباشرة، وسط قوس دائري يعلو العمودين المتوّجين. تحدّ هذا القوس آنيتان، كما تعلوه آنية ثالثة تحتل وسط قمة القوس.
في مدافن الخريمات، يبرز القبر 100 بزينته التي تشكّل تنويعاً مغايراً. مرة أخرى، نقع على باب يحدّه عامودان، يعلوه إفريز مزيّن بـ5 دوائر وردية يشكّل قاعدة لمثلث القوصرة التقليدية. يغيب النسر عن قمّة هذا المثلث، ويحضر كائن غرائبي عند كل طرف من طرفيه. يجمع هذا الكائن بين المرأة والأسد والنسر، ويماثل ما يُعرف بالـ«سفنكس» في الفنين الإغريقي والروماني، ويشهد حضوره الاستثنائي في الحِجْر لامتداد هذا الأثر في هذه الناحية من الجزيرة.

يظهر نسر الحِجْر تارة بصيغة واقعية، وتارة بصيغة محوّرة يغلب عليها الطابع التجريدي الزخرفي، ويبدو أن الصيغة الثانية هي السائدة في هذه المدافن النبطية. يحضر هذا الطير بقوة في التراث الأدبي كما في التراث الفني، ويرمز إلى أمور كثيرة. منها القوة، والسرعة في الطيران، والتحليق نحو أعالي السماوات. وتبرز هذه الصفات في كثير من النصوص التوراتية، منها ما جاء في سفر إشعيا: «وأما منتظرو الرب فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون. يمشون ولا يعيون» (40: 31). وفي سفر حزقيال: «نسر عظيم كبير الجناحين، طويل القوادم، واسع المناكب، ذو تهاويل، جاء إلى لبنان وأخذ فرع الأرز» (17: 3)، وسفر أيوب: «بأمرك يحلّق النسر ويعُلي وكره. يسكن الصخر ويبيت على سن الصخر والمعقل. من هناك يتحسّس قوته. تبصره عيناه من بعيد» (39: 27).
جعل الفرس من النسر شعاراً لدولتهم القديمة، وكذلك فعل الرومان من بعدهم، وأطلقوا على نوع من النسور اسم «النسر الملكي». في الفن الجنائزي، تكرّر ظهور النسر في العالم الروماني، وبات رمزاً للروح الصاعدة نحو العالم العلوي، ويستند إلى سيرة الإسكندر المنحولة التي تُنسب إلى المؤرخ اليوناني كاليسثينيس. بحسب هذه الرواية، رأى الإسكندر قبل رحيله عن هذه الدنيا نجمة، «وصعدت هذه النجمة من جديد نحو السماء، ورافقها نسر، وحين اختفى أثر النجمة في السماء، رقد الإسكندر في نوم أبدي».
تنتمي نسور الحِجْر إلى هذه الفئة الجنائزية كما يبدو، غير أن البعض يرى فيها صورة رمزية لذي الشرى، أي سيد الجبال، وهو معبود جعل منه الأنباط ربّ السماء، شاعت عبادته في البتراء والحِجْر، وفي نواحٍ أخرى في شمال غرب الجزيرة العربية، كما يشهد كثير من النقوش الأثرية.

