استخدام «ميدجورني» يثير جدلاً في الإعلام الفرنسي

بين مناقشة سلبيات استخدام الذكاء الصناعي واعتباره فرصة يجب استغلالها

 الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي
الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي
TT

استخدام «ميدجورني» يثير جدلاً في الإعلام الفرنسي

 الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي
الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي

تقارير نُشرت أخيراً تشير إلى أن استخدامات الذكاء الصناعي في قطاع الإعلام الفرنسي لا تزال في مراحلها التجريبية، وإلى أن العراقيل أمام تعميمها تبدو كثيرة، أهمها أخلاقية وقانونية.

أبرز هذه التقارير دراسة حديثة لمعهد «رويترز» شارك فيها 300 من مسؤولي أكبر المؤسسات الإعلامية بعنوان «تقرير عن أفق الذكاء الصناعي لـ2023»، وهي تبيّن أن 5 في المائة فقط من المسؤولين التنفيذيين يستعملون تطبيقات الذكاء الصناعي في مؤسساتهم مقابل 39 في المائة ممن أعلنوا أنهم يستعملونها في سياق «تجريبي».

بالمناسبة، فإن الاعتماد على برامج الذكاء الصناعي بدأ في فرنسا منذ سنوات، مع صحيفة «لوموند» التي استعملت منذ 2015 برنامج «داتا2 كونتانت» الذي يُولّد الأخبار القصيرة، والذي نتج منه نشر نحو 53 ألف خبر قصير في تغطية فعاليات الانتخابات الجهوية. والبرنامج نفسه اعتمدته بعد ذلك مجموعات إعلامية كبيرة مثل «راديو فرانس» و«وست فرانس». إلا أنه رغم ذلك ظل الحذر الشديد محيطاً بكل ما يتعلق باستعمالات الذكاء الصناعي في وسائل الإعلام، ولا سيما، ما يخصّ نشر الصور التي يولّدها برنامج «ميدجورني» واستنساخ أصوات مقدّمي البرامج.

«ميدجورني» بمواجهة الصحافي المصّور

جدل كبير قسّم الوسط الإعلامي الفرنسي في الفترة الأخيرة بسبب قرار بعض الصحف اللّجوء إلى استعمال «ميدجورني»، الذي هو برنامج ذكاء صناعي يولّد صوراً مطابقة للواقع، ولقد طُوّر هذا البرنامج في مختبر بمدينة سان فرانسيسكو الأميركية. وفي قلب الجدل مشكلة أخلافية مفادها «هل نبقى مكتوفي الأيدي أمام تدمير الوظائف؟».

القضية بدأت مع صحيفة «لو فيغارو» التي لجأت يوم 26 مارس (آذار) المنصرم لإرفاق موضوع حول قضية نصب واحتيال بصورة لمجموعة من الأشخاص، والإشارة إلى أن الصورة ناتجة من استعمال تطبيق الذكاء الصناعي «ميدجورني».

لويس ويتر، وهو مصوّر مستقل لاحظ استعمال الصورة وأبدى استغرابه، فكتب تحت الخبر الذي صدر على حساب الصحيفة في «تويتر» بنبرة ساخرة «علماً بأننا نعاني نقص العمل كمصوّرين صحافيين... يا له من خبر مفرح...». بعدها، سحبت «لو فيغارو» الصورة مثال الإشكال من موقعها بعدما لاقى التعليق تفاعلاً كبيراً من مستخدمي المنصّة، لدرجة أن مدير قسم التصوير أدريان غيوتو تدخّل ليدافع على الصحيفة ويُوضح موقفها، حيث كتب «لقد حذفنا الصورة لأننا أدركنا أن ذلك لا يوافق سياسة الصحيفة». ثم يضيف «هذه الواقعة دليل على أن الذكاء الصناعي يحيط بنا في كل مكان، وعلينا أن نبدأ الآن في مناقشة هذه المواضيع مع كل زملاء المهنة...».

غلاف مجلة "روغار"

الذكاء الصناعي في خدمة المؤسسات الصغيرة

ولكن، بعد مضي أربعة أيام فقط فوجئ الجميع بصورة أخرى ناتجة من تطبيق «ميدجورني»، وهذه المرة منشورة على موقع مجلة «روغار» التابعة لليسار الفرنسي.

في الحالة الثانية كان هجوم المصوّرين على المجلة في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر حدّة، لا سيما وأنها لم توضح مصدر الصورة. وما زاد الطين بلّة أن رئيس تحرير المجلة بابلو بيو فيفيان صرّح لموقع «شاك نيوز» بأنها ليست المرة الأولى التي تستعين فيها المجلة ببرنامج «ميدجورني» لنشر صور ترافق بها مواضيعها. وأردف «نحن مؤسسة إعلامية صغيرة تنقصنا الإمكانات المادية؛ ولذا فإننا لا نستعمل إلا الصور الخالية من حقوق الملكية... أي أننا لا ندفع شيئاً مقابل استخدامها. وحين نعتمد على الصور الناتجة من (ميدجورني) فهذا لا يعني أننا نستعيض عن عمل المصوّرين بالذكاء الصناعي لأننا أصلاً لا نستعمل إلاّ الصور المجانية».

حقائق

جدل كبير قسم الوسط الإعلامي الفرنسي بسبب لجوء بعض الصحف إلى استعمال «ميدجورني»

إصرار رغم الجدل

هذا، وفي قرّرت مجلة «روغار» وقف استعمال «ميدجورني» إثر الهجوم الشديد الذي تعرّضت له، أصّر الموقع الإخباري الرياضي «سو فوت» على تحمّل مسؤولية قراراته باستعماله برنامج الذكاء الصناعي، مواجهاً حملة انتقادات شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة في «تويتر». وهنا أيضاً، بيار موتارانا، مدير الموقع، اعترف في حديث صحافي بـ«أنها ليست المرة الأولى... بل نشر الموقع عشرات الصور الناتجة من تطبيق «ميدجورني)»، مُصراً على «أن هذا يبقى هامشياً إذا ما قورن بآلاف المضامين والصور الأخرى التي تنشر على الموقع». وكذريعة «روغار»، برّر موتارانا ما حصل بالوضعية الاقتصادية للموقع الإخباري الرياضي، قائلاً «أحياناً نجد انفسنا أمام خيار صعب... فنحن لا نملك الميزانية الكافية لدفع أجور المصوّرين الذين يغطّون الأحداث... كل تكاليفنا محسوبة بالمليم وأنا لا أعرف أي موقع إخباري مجاني يدفع تكلفة الصور عن كل موضوع»،. ثم أردف مستدركاً «طبعاً أنا أتفهم مشاعر الخوف التي يثيرها الذكاء الصناعي عند البعض، لكن علينا مواجهة ذلك عاجلاً أم آجلاً؛ ولذا فنحن نفضّل التعامل معه على أنه وسيلة مسخّرة لخدمتنا...».

الخطر على بعض المهن

وسط هذا الجو، يرى البعض أن الخطر لن يستهدف كل المهن، فمثلاً، لا خوف على مهنة الصحافي المحرّر الذي يعالج بالتحليل مواضيع مختلفة، وهو ما أكدته دراسة لمكتب «غارتنر» كشفت عن أن الذكاء الصناعي سيقضي على نحو 1.8 مليون وظيفة، أهمها في أقسام التصوير والغرافيك والترجمة وتركيب الفيديو والتسويق.

 

ومع أن نموذج «الصحافي الروبوت» أصبح واقعاً ملموساً مع التجارب التي سبق إطلاقها في الكويت وكوريا الجنوبية والصين، فإن استخدام الذكاء الصناعي في أقسام التحرير يبقى محدوداً. وحول هذا الأمر، وفي حديث لصحيفة «ليبيراسيون» أكدت ستيفاني لوكارن، مديرة رابطة المؤلّفين المحترفين، أن «بعض فروع القطاع الإعلامي ستكون معنية مباشرة بدخول مثل هذه البرامج، وذلك ليس فقط من خلال القضاء على فرض العمل عند المصورين ومُصمّمي الغرافيك، بل لكن أيضاً من خلال خفض الطلبات والمستحقات هذه بسبب منافسة الذكاء الصناعي».

الإشكاليات القانونية

الإشكالية الأخرى التي يطرحها «ميدجورني» تتمثل في كيفية استخدامه. ذلك أنه من المعروف أن «شبكات توليد الصور» تتعلم كيفية إنشاء الصور بناءً على ما سبق وشاهدته من قبل، ما يعني أن هذه البرامج «ستتغذّى» بعمل المُصورين و الرسّامين من دون مكافأتهم ولا حتى تنبيههم إلى ذلك، فكيف سيحسم هذا الجانب قانونياً؟

في المداخلة التالية التي نُشرت في صحيفة «ليبيراسيون» خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقرأ ما يلي «يستعمل الذكاء الصناعي صور المبدعين لتدريب برامجهم من دون أي ترخيص، وكأن الجميع مدعو لمأدبة كبيرة تغيب فيها حقوق الملكية. الكل مدعُو إلى الغرف من القاعدة المعلوماتية الكبيرة التي تسمى (لايون 5 بي)، وهي عبارة عن علبة عملاقة تحتوي على 6 مليارات صورة من مختلف المصادر كـ(غيتي ايمدج) و(غوغل ايمدج) و(بينترست) و(أرت ستيشاين) و(تويتر) وغيرها...». وحقاً، هذه المسألة كانت قد أثارت قلق المجلس الأعلى للإعلام (سي.إس.أ)، وهو الهيئة المسؤولة عن تأطير وتنظيم نشاط وسائل الإعلام في فرنسا، والتي كانت قد نشرت منذ 2017 بياناً على موقعها تعرب فيه عن قلقها وعن «دور الخوارزميات في الحصول على مختلف المضامين».

من تقنية "ميدجورني"

إن استنساخ أصوات الإعلاميين، ومقدمي البرامج يطرح هو الآخر مشكلة قانونية بسبب حقوق الملكية، ولكن أيضاً الاستعمالات المنتظرة منه، حيث تواجه الشركة الفرنسية المتخصّصة في استنساخ الأصوات «لوفويس لاب» مشكلة في تنفيذ مشاريعها مع «فرانس راديو» و«المعهد الوطني للأرشيف»؛ بسبب الغموض القانوني الذي يحيط بمفهوم «الاستعمال لأغراض تدريب الذكاء الصناعي». وبعض التعليقات استحضرت أيضاً المسؤولية القانونية للصحافة المكتوبة في تفاقم الارتباك الناتج من صعوبة التفريق بين الصّور الحقيقية والصور المزيّفة. وهنا يكتب المُصور الصحافي نيلز أكرمان في صحيفة «كورييه انترناسيونال»، معلقاً «في مواجهة صعود الذكاء الصناعي القادر على إنتاج صور مطابقة للواقع، يجب أن تبقى وسائل الإعلام أكثر من أي وقت مضى (أدوات للواقع)... سأشعر بالراحة لوجود (سوق للواقع) في عالم لا تبقى فيه حدود لتوافر المزيّف والمُركب».

وبالفعل، كل هذه الإشكاليات دفعت وسائل الإعلام إلى تنظيم ندوة كبيرة شاركت فيها أكثر من عشرين مؤسسة من بين الأهم في فرنسا كـ«لوموند» و«لوفيغارو» و«ليزيكو» و«ليبيراسيون» و«لوباريزيان»، وهي الندوة الأولى التي تنظم تحت شعار «تنظيم وحماية حقوق المؤسسات الإعلامية في مواجهة الذكاء الصناعي». وضمت الندوة التي انعقدت يوم 5 أبزيل (نيسان) الماضي ورشة عمل للبحث في سبل تأطير استخدامات الذكاء الصناعي واعتماد «ميثاق للمستخدمين».



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.