أسبوع الموضة في مصر... حلم تحقق

يبدأ متكئاً على كرسي الإبهار والتاريخ ومتشرنقاً نحو مستقبل مستدام

من عروض افتتاح أسبوع مصر للأزياء (إنستغرام)
من عروض افتتاح أسبوع مصر للأزياء (إنستغرام)
TT

أسبوع الموضة في مصر... حلم تحقق

من عروض افتتاح أسبوع مصر للأزياء (إنستغرام)
من عروض افتتاح أسبوع مصر للأزياء (إنستغرام)

وأصبح أخيرا لمصر أسبوعها الخاص بالموضة، وتحقق حلم راود سوزان ثابت، واحدة من أعضائه ومؤسسيه لسنوات طويلة. كلما حضرت أسبوع موضة في باريس أو ميلانو أو نيويورك تحسرت؛ فإن مصر يمكن أن تكون فعالة في هذا المجال هي الأخرى. كانت تردد دائما «مصر لا تفتقر إلى المبدعين ولا إلى أماكن العرض التي من شأنها أن تبهر العالم بتاريخها وعراقتها ومعمارها»، ومساء يوم الخميس الماضي، تحقق حلمها. فقد تعمدت هي وباقي مؤسسي وأعضاء مجلس إدارة المؤسسة المصرية للأزياء والموضة (EFDC)، ومنهم بول أنطاكي والمصممة ماري بشارة ومصممة المجوهرات عزة فهمي، أن يكون حفل الافتتاح الضخم في المتحف المصري بكل عظمته وتاريخه. تماثيله الضخمة التي تُجسد تاريخه الممتد لقرون، شكّلت خلفية رائعة لعرض أزياء كانت تيمته غير المعلنة «صنع في مصر ومن خامات مصر». أما تيمته وعنوانه فكانا «مصر الماضي والحاضر والمستقبل».

افتتاح أسبوع مصر للأزياء يحتفي بالتراث والتاريخ (إنستغرام)

عرض شاركت فيه مجموعة من المصممين المحليين استلهموا من ماضيهم وترجموه بلغة معاصرة لم تنج من إيحاءات كليوباترا ونفرتيتي أحيانا، ولو كانت جُدران وتماثيل المتحف تحكي لعبّرت عن فخرها بأبنائها وكيف لا يزالون يعتزون بماضيهم ويحترمون قطنهم وخاماتهم المحلية. والأهم من هذا كيف أدخلوا عليها تقنيات وأساليب مستدامة لضمان مستقبلها.

حركة عربية

المثير في الأسابيع القليلة الأخيرة أن المنطقة العربية شهدت حركة مثيرة في مجال الموضة تزامنت مع عروض الـ«كروز العالمية» التي تنظمها بيوت أزياء عالمية في وجهات بعيدة مثل «شانيل» التي قدمت منذ أيام عرضها من هذا الخط لعام 2024 في لوس أنجليس. ورغم المنافسة والتوقيت المتضارب، احتفلت هي الأخرى بالموضة وصناعها من أبناء البلد من خلال نقاشات وورشات متنوعة. على مدى يومين شهدت نسختها الثانية من فعالية «عود» التي أطلقتها بنية أن تُطلع العالم على أنها كانت ولا تزال واحدة من أهم الأسواق الخليجية. أما مصر فتأمل بأن تتحول نسختها الأولى هاته إلى «تقليد موسمي» قائم على عروض أزياء مُلهبة وملهمة في الوقت ذاته. حسب تصريح سوزان ثابت.

يهدف الأسبوع إلى استعادة حقه في الاحتفال بتراث مصر الغني (إنستغرام)

لم يكن اختيار عنوان «الماضي والحاضر والمستقبل» اعتباطيا. ففي نسخته الأولى يهدف الأسبوع إلى استعادة حقه في الاحتفال بتراث مصر الغني. «فحضارتها القديمة ألهمت العديد من التشكيلات العالمية، وعلى مر العقود غرف من نبعها مصممون كبار مثل جون غاليانو وغيره. كما استعمل بعضهم الأهرامات ومآثرها الأخرى خلفيات لعروضهم. آخرها كان عرض دار «ديور» للرجل» حسب قولها. رسالة أعضاء أسبوع الأزياء والموضة المصرية والإجماع كانت واضحة، وهي أن أبناء البلد يحتاجون إلى دعم لاسترجاع حقهم في التعبير عن ثقافتهم بلغتهم. وهذا الدعم تبلور بعد 4 سنوات من العمل المضني على منبر يمكنهم من ذلك. من هذا المنظور فإن «ثقافة مصر من كل الأزمنة ستكون هي التيمة الغالبة في هذه النسخ لكن بطريقة عصرية»، حسب تأكيد سوزان. تتابع: «فنحن أيضا لدينا مبدعون وحرفيون قادرون على صناعة المستقبل، من دون أن ننسى الحاضر والماضي». على هذا الأساس ستُدمج خمسة آلاف عام من الإلهام والحرفية والموارد مع وسائل التكنولوجيا الحديثة، لكي تتيح لمصر أن تلعب دورا مهاما في صناعة الأزياء في المستقبل. يوافقها الرأي بول أنطاكى، وهو أيضا مؤسس وعضو مجلس إدارة المؤسسة المصرية للأزياء والموضة، مؤكدا أن صناعة الموضة ليست حديثة على مصر بل تتزامن مع «بداية الحضارة المصرية القديمة. وكل ما في الأمر أن الوقت حان لإحيائها وتقديمها للعالم بصورتها الحديثة التي تتبناها مواهبنا الناشئة».

لا يخفي بول أن الأسبوع مر بمخاض صعب ومُضن: «لقد واجه العديد من التحديات فى مرحلة التحضيرات، ولكننا واثقون في أنه سيبهر العالم أجمع. فكل البدايات تكون صعبة والمهم النتيجة».

الصبر والحماس

تشرح سوزان ثابت في مقابلة هاتفية أن التجهيز لإطلاق الأسبوع استغرق 4 سنوات وأنه «استنزف كثيرا من الوقت والجهود لكن هذا أمر طبيعي نظرا لأهمية الحدث وما يتطلبه من تفاصيل دقيقة». بحكم أن سوزان من الوجوه المألوفة في أسابيع الموضة العالمية ودخلت مضمارها منذ أكثر من ثلاثين عاما، فهي تعرف جيدا أن مجرد التفكير في الدخول في منافسة مع أي من أسابيع الموضة العالمية يتطلب كثيرا من الصبر واللوجيستيات. لكنها واثقة في الوقت ذاته من نجاح الأسبوع في ظل توافر التنوع الثقافي والأماكن التاريخية التي ستجرى فيها كثير من الفعاليات، فضلا عن حماس المصممين الشباب «الذين انتظروا طويلا أن يكون لهم منبر خاص يستعرضون فيه ابتكاراتهم».

فمن الجدير بالذكر أن سوزان ثابت التي تدرجت في عدة وظائف تتعلق بالموضة، بدءا من عملها مشترية وخبيرة أزياء إلى رئيسة تحرير مجلة «باشن»، تُدرك تماما أن الموضة ليست مجرد أزياء وإكسسوارات بل هي أيضا صناعة يمكن أن تضيف إلى أي اقتصاد. فهناك الجانب السياحي مثلا الذي تتمتع به مصر، وينوي الأسبوع استغلاله بشكل جيد. في اليوم الأول مثلا تضمن حفل الافتتاح في المتحف المصري بالتحرير، عرض أزياء ضخما لأبرز وأفضل المصممين المصريين بحضور باقة من النجوم. بينما ستجرى أغلب الفعاليات بالمتحف الزراعي المصري، لقيمته التاريخية والعلمية. فهو يتتبع تاريخ الزراعة في مصر، من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الحديثة، والاعتراف بالزراعة بوصفها أساس بناء الحضارة المصرية العريقة.

تأثيرات فرعونية وتاريخية (إنستغرام)

كما تُنوِه سوزان إلى أن الهدف من تنظيم أسبوع الموضة المصري سيتعدى دعم المواهب الشابة من العرب وإبراز نجاحهم في تصميم أزياء بمستوى عالمي، ليشمل المساهمة في نمو صناعة الملابس محليا واستغلال البنيات التحتية الموجودة فيها. فمصر تتمتع بمزايا كثيرة أبرزها القطن المصري، إلى جانب خبرات في صناعة المنسوجات. تشير أيضا إلى أنها تريد أن يتميز الأسبوع المصري عن غيره بأن يكون له دور في الربط بين الأسواق المحلية والأفريقية وأسواق الشرق الأوسط من خلال خلق تعاونات مشتركة وتبادل الخبرات الحرفية والتعليم وزيادة الوعي بمفهوم الاستدامة والإنتاج والبيع بالتجزئة. تقول: «أفريقيا وبلدان الشرق الأوسط لا تفتقر إلى المواهب والمبدعين، لكن على الرغم من أن هذه البلدان بدأت فعليا في التأسيس لبنية تحتية تخدم صناعة الموضة، فإن الأمر لا يزال في أوله، وقد يستغرق بعض الوقت ليصبح واقعا». ثم تتساءل: «كلنا نمر بالتجارب نفسها ولدينا الآمال نفسها، فلماذا لا نفتح أبواب التعاون؟ مصر مثلا يمكن أن تكون لاعبا مهما في الوقت الحالي لما تتوفر عليه من معامل وخامات مهمة يمكن استغلالها بشكل جيد».

من عروض افتتاح أسبوع مصر للأزياء (إنستغرام)

اختيارها لضيوف النسخة الأولى من هذا الحدث هو الآخر يعكس رؤيتها هاته وخبرتها في مجال العلاقات العامة. فهم ليسوا نجوما أو مصممين أو إعلاميين فحسب، بل أيضا فاعلون وصناع، مثل أميمة أكيريلي، مؤسسة أسبوع لاغوس النيجيري، وبوراك شاكماك، الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء في المملكة العربية السعودية، وعمران أميد، مؤسس موقع «بيزنس أوف فاشن» وشيرين رفاعية، مؤسسة أسبوع الموضة الأردني، وغيرهم.

«ثقافة مصر من كل الأزمنة ستكون هي التيمة الغالبة في هذه النسخ لكن بطريقة عصرية»

سوزان ثابت


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.