تحقيق جديد لديوان أبي تمام يكشف عن 400 قصيدة مجهولة له

محمد أبو شوارب جمعه في 8 أجزاء من 76 مخطوطة بمكتبات العالم

تحقيق جديد لديوان أبي تمام يكشف عن 400 قصيدة مجهولة له
TT

تحقيق جديد لديوان أبي تمام يكشف عن 400 قصيدة مجهولة له

تحقيق جديد لديوان أبي تمام يكشف عن 400 قصيدة مجهولة له

طبعة كاملة لديوان أبي تمام في ثمانية مجلدات جمعها وحققها الدكتور محمد مصطفى أبو شوارب الأستاذ في جامعة الإسكندرية من 76 مخطوطة من كافة مكتبات العالم، ضمت أربعمائة قصيدة لم تنشر من قبل لأبي تمام الطائي. صدرت هذه الطبعة والتي تشكل مفاجأة أدبية مذهلة، عن مؤسسة البابطين للشعر العربي في الكويت، في مفاجأة أدبية.
في مقدمته لها يرى دكتور أبو شوارب أن قارئ شعر أبى تمام يمكن أن يلحظ ظهور ملامح شخصيته الإنسانية بوضوح في قصائده ومقطوعاته، فيبدو ذا نفس طموحة متعجلة، متأرجحة بين الاندفاع حينًا والتعمق حينًا آخر، شغوفًا بالحياة ولذاتها، والنساء منها في الصدارة، كريمًا متلافًا أفاد مالاً وافرًا من ممدوحيه فأفناه في إمتاع نفسه ورفد أصدقائه ومحبيه، جريئًا مقدامًا أحب المعارك والحروب وتعلق بها وأجاد تصوير حوادثها، وكان ذا نزوع واضح إلى استخلاص تجارب الحياة وتكثيفها والخروج بها من حيز الخاص الفردي إلى دائرة العام الإنساني، يدمن النظر في الأشياء ويتعمق جواهرها، ويعمد إلى التقاط متناقضاتها، مجيدًا العزف علي أوتارها المتعارضة في سبيل كشف هذه الجواهر الفريدة، له ميل بارز إلى العصبية العربية. وهو في كل هذا صادق في شعوره راغب في أن يكون مختلفًا في تصوره وتصويره، تعينه على ذلك شاعرية فذة، وعقلية متوهجة، وثقافة فيها من الوافد الأجنبي، بقدر ما فيها من الموروث العربي.
ويذهب الدكتور أبو شوارب إلى أن هذا كله هيأ لأبي تمام أن يقود واحدة من حركات التجديد الكبرى في تاريخ الشعر العربي على مر العصور، وأن يسهم بالقدر الوافر في تأسيس شعرية جديدة كان لها حضور قوي في إبداعات الشعراء العرب على مدى عشرة قرون متصلة، وكان لها النصيب الأوفر من جهد النقاد والدارسين، ربما إلى اليوم، فأثار اندفاع شعر أبي تمام الجارف إلى التجديد - تصورًا وتشكيلاً – حركة نقدية واسعة اجتذبت من الأنصار في حياة الرجل وبعد وفاته بقدر ما اجتذبت من الخصوم.
فلم يقتصر أمر الخصومة حول شعر أبي تمام على جملة الملاحظات التي تحملها روايات النقاد ورواة الشعر في كتب التراث الأدبي والنقدي شأنه شأن كثير من الشعراء القدامى المرموقين، وإن كان أبو تمام يشارك أبا الطيب المتنبي في صدارة الشعراء الذين عني النقاد والبلاغيون في مؤلفاتهم العامة بدرس شعرهم وتحليله.
ولم يقتصر أمر هذه الخصومة كذلك على الانفراد بتخصيص مؤلف أو مؤلفين عن شعره، كما هو الحال مع بعض الشعراء البارزين في أدبنا العربي القديم، بل قامت حول شعر أبي تمام وتجربته الفنية حركة تأليف نقدي وإخباري واسعة المدى منذ القرن الثالث الهجري.
ولا يكاد كتاب من كتب الأدب والنقد والبلاغة منذ القرن الثالث الهجري يخلو من أثر من آثار تلك الخصومة التي اشتجرت حول شعر أبي تمام، ولم تخمد شعلتها رغم اشتغال الحركة النقدية بشعر أبي الطيب المتنبي (301 – 353هـ) الذي يعده كثير من القدماء والمحدثين امتدادًا لشعر أبي تمام.
والخصومة حول شعر أبي تمام في جل تلك المؤلفات صادرة لا ريب عن موقف فني يتعلق في أصله بقضية الخصومة بين القدماء والمحدثين. فالصراع حول شعر أبي تمام في حقيقته صراع بين أنصار التجديد والخروج على النظام الشعري الموروث من جهة، وأنصار المحافظة على مواضعات هذا النظام وتقاليده من جهة أخرى، إذ مثلت تجربة أبي تمام الفنية خروجًا سافرًا على الموروث الشعري، وتهديدًا عنيفًا للشعرية العربية الموروثة بكل طاقاتها الجمالية وطرائقها اللغوية، على نحو لم يقدم عليه شاعر من قبل، بمن فيهم الشعراء الذين انضووا تحت لواء التجديد ورفعوا رايته، ومن ثم فقد واجه شعر أبي تمام موجات متعاقبة من الانتقادات الحادة التي وجهها إليه النقاد المحافظون على سمات البنية الشعرية العربية الموروثة بصورة قاسية لم يتعرض لها غيره من الشعراء المجددين من أمثال بشار ومسلم وأبي نواس الذي جاهر بالخروج على تقاليد القصيدة العربية ورفضها في كثير من السخرية والتهكم، ومع ذلك لم يصبه مثل هذا الهجوم النقدي الشرس الذي أصاب أبا تمام على الرغم من أنه لم يتخذ موقفًا معاديًا من هذه التقاليد مثلما فعل أبو نواس.
يوضح المحقق أن موقف النقد القديم لم يكن في ذلك موقفًا عبثيًا، فالنقاد أدركوا بوعيهم الفني أن أبا نواس وإن هاجم الأطلال وهزأ بها واستبدل بها الخمر في مقدمات قصائده – فهو لم يزد على استبدال إطار حديث بإطار قديم دون أن ينال شيئًا ذا بال من جوهر لغة الشعر وتراكيبه وصوره. أما أبو تمام، فهو وإن التزم بهذا الإطار الخارجي الموروث أحيانا، فإنه سعى إلى تحويل بنية اللغة الشعرية ذاتها وتغيير مسارها نتيجة نزوعه الكثيف إلى الانحراف والتجاوز وكسر المواضعات المألوفة، وسبك تراكيب جديدة تدخل المفردات اللغوية من خلالها في علاقات تتسم بالغير وانفتاح أفق الدلالة على مستويات مختلفة. مشيرا إلى أن كثيرًا من النقاد - ومعظمهم من أصحاب المرجعيات اللغوية – اعتبروا أن اتجاه أبي تمام الفني قاصمة أصابت معاييرهم في رصد الظاهرة الشعرية وتقويمها بوجه عام، واللغة الشعرية منها على وجه الخصوص، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير، خاصة وأن تلك المعايير شكلتها جهود متراكمة في دراسة التجارب الشعرية المؤسسة قبل الإسلام والنماذج التي سارت علي نهجها بعد ذلك.
ويرجح المحقق أن أكثر الظن أن هواجس هؤلاء النقاد تعدت حدود الخوف على الشعر ولغته إلى الخوف على اللغة ذاتها، بل على عقيدتها الدينية كذلك، فتعاظمت مخاوفهم من انزياحات شعر أبي تمام وخروقاته التي قد تجر اللغة على مستوى التراكيب والدلالات إلى بقاع جديدة تفقد معها الصياغات اللغوية دلالاتها، وتتحول التراكيب الموروثة في مرحلة تأثرت فيها اللغة الأدبية العربية بنزول القرآن إلى بنى لغوية مهجورة غير مستعملة، ومن ثم غير مفهومة، وتحل محلها صياغات جديدة بفعل المجازات والانحرافات التي تبناها شعر أبي تمام ومن ساروا على نهجه.
ولم لا؟ أليست هذه سنة اللغات جميعًا إذا تغيرت التراكيب وترسخت المجازات وثبتت دلالاتها تحولت بفعل الزمن وكثرة الاستعمال إلى معان حقيقية ينسى الناس أصولها اللغوية، وينقلب المجاز حقيقة لا تلبث أن يعدل عنها بفعل شيوع انزياحات جديدة تستهدف معيارية اللغة وتنتهك انتظامها.
ويخلص الدكتور أبو شوارب إلى أن شعر أبي تمام صدر إذن عن تصور مغاير للغة في مشروعه الشعري التجديدي الذي أكسبه عداوة اللغويين ونقاد الأدب المحافظين الذين أشربت نفوسهم طاقات المشروع الشعري الموروث وتشكلت أذواقهم من جمالياته.
ويرى أن هذا المشروع التجديدي الذي ما نسب لغير أبي تمام، هو المدرسة الفنية التي عرفت في العصر العباسي باسم «مذهب البديع»، وليس يخفى أن مصطلح البديع لا يعني ما يفهمه الناس اليوم من دراسة سبل تحسين الكلام لفظيًا ومعنويًا، وإنما انصرف مفهوم المصطلح في ذلك العصر إلى توصيف مذهب شعري جديد إزاء الشعرية المحافظة التي اصطلح على تسميتها «مذهب الأوائل» الذي تجسدت ملامحه الفنية في جملة الخصائص الشعرية التي ينتظمها مفهوم «عمود الشعر»، مشيرا إلى أن الشعرية الجديدة اتخذ النقاد لها مصطلحًا دالاً على توجهها وهو مصطلح «البديع». وهو في أصل دلالته اللغوية يعني: «المخترع على غير مثال» وكأن هذه المدرسة الجديدة تنكر بنوتها للتقاليد الموروثة، أو كان النقاد ينكرون أبوة الشعر القديم لها. وربما نستطيع في ضوء هذا التصور أن نفهم قول ابن الأعرابي (150 – 231هـ)، العالم اللغوي المعروف حينما أنشد شعرًا لأبي تمام: «إن كان هذا شعرًا فما قالته العرب باطل».

صورة متخيلة لأبي تمام



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».