فرويد... أكبر «محتال موهوب» عرفه التاريخ!

بعد أكثر من قرن على ظهور نظرياته في التحليل النفسي

فرويد
فرويد
TT

فرويد... أكبر «محتال موهوب» عرفه التاريخ!

فرويد
فرويد

بعد أكثر من قرن ونصف قرن على ميلاده، لا يزال سيغموند فرويد ونظرياته موضوعاً مثيراً للجدل في دوائر علم النفس، وبين أوساط المثقفين من كل الأطياف. صورته كمفكر عبقري فذّ أصيبت بالاهتزاز في السنوات الأخيرة، بعد صدور عدة بحوث تناولت فكره وشخصيته بالنقد اللاذع.

الحملة المُناهضة لنظرياته أتت بثمارها عند النخبة الأنجلوسكسونية التي يبدو كأنها رمت بتراثه في سلّة المهملات، بعد أن طردت التحليل النفسي نهائياً من المشهد العلمي.

اليوم الإرث الفرويدي شبه غائب في الولايات المتحدة باستثناء مراكز تاريخية كنيويورك وشيكاغو؛ حيث يوجد أقل من 300 محلّل معتمد حسب تقارير رسمية، إضافة لتراث سينمائي ضخم؛ لا سيما أعمال هيتشكوك وأودي ألان التي رسخت في الذاكرة الجماعية صورة المحلّل الغامض الذي يستمع بهدوء لمريضه المسترخي على الأريكة. فماذا بقي من إرث سيغموند فرويد؟

اللّوحة التي يرسمها المراقبون عن مستقبل التحليل النفسي في فرنسا -مثلاً- والتي تعتبر آخر معاقل مؤيدي الأطروحات الفرويدية، تبدو قاتمة. في عمود بصحيفة «لوموند» كانت المؤرخة المختصة في علم النفس إليزابيث رودينسكو قد كشفت عن تراجع كبير في تدريس نظريات التحليل النفسي في العيادات والجامعات، وحتى في وسائل الإعلام، إضافة لوجود جو من التشكيك المستمر في مساهمة التحليل النفسي كمشرب فلسفي وفكري.

مفاهيم «الكبت» و«اللاوعي» و«عقدة أوديب» لم تعد تقنع كثيرين، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة توجيه عدة اتهامات لفرويد وورثته، كالبروفسور لاكان الذي يعد أشهر أتباعه في فرنسا وفي العالم.

ماذا حدث لنَصِل لهذه الانتكاسة؟ جاك فون ريلر، أستاذ علم النفس في جامعة لوفان ببلجيكا، وأكثر من هاجم فرويد ومناهجه العلاجية، يشرح في كتابه «أوهام التحليل النفسي» (دار نشر مرغادا) ما يلي: «وصلنا إلى خلاصة مفادها أن التحليل النفسي لم يكن أكثر من ظاهرة ثقافية عرفت الرواج في حقبة تاريخية، كان فيها التوجه السائد للنخبة هو تبجيل كل ما يأتي في السياق الحداثي، لكن سرعان ما استيقظ الكلّ ليكتشف أنه لم يعالج أحداً، وأننا نعيش في أوهام منذ عقود...» وهو الرأي نفسه لزميله الفرنسي جون كوترو الذي ساهم مع مجموعة من الكُتاب في تأليف «الكتاب الأسود للتحليل النفسي» (دار نشر ميار) الذي كان بمثابة مرافعة شديدة اللّهجة ضد فرويد وإرثه، حيث يكتب كوترو: «رواج الفكر الفرويدي في فرنسا يعود بالدرجة الأولى إلى أولئك الذين قادوا أو انضووا تحت لواء ما تسمى (ثورة الطلبة) في فرنسا عام 1968، شباب مثقف كان يرى في (الفرويدية) مصدراً لـ(هواء الحرية)... لكن المتمردين السابقين هم حماة المعبد اليوم، وذلك من باب حرصهم على موقعهم المسيطر في الجامعات والمستشفيات ووسائل الإعلام». الهجوم زاد حدّة بعد فتح الأرشيف الخاص بأعمال فرويد، حيث بدأ بعض المؤرخين البحث والتحقيق في تطابق منهجه مع التجارب التي كان قد أعلن عنها.

أحدهم وهو الفرنسي ميكال بورغ جاكوبسن نشر في كتابه «مرضى فرويد: المصائر» (دار نشر سيانس هومان) ما اكتشفه عن حقيقة الحالات التي قيل إن فرويد عالجها بفضل جلسات التحليل، حيث يكتب: «كل نظريات فرويد بُنيت على دراسة حالات كـ(دورا) و(آنا هو) و(رجل الذئاب) و(الرئيس شريبر) وهي التي اعتمد عليها في الكتاب الذي صنع شهرته، وهو (دراسات حول الهيستيريا) لكننا حين نبحث في الأرشيف، الذي تمكنا من الحصول عليه بعد عقود طويلة ظل فيها مسجلاً تحت (سرّي)، نجد أن ثلاثاً أو أربع حالات فقط كُتب لها الشفاء، وهذا رغم تأكيداته المعاكسة».

المؤرخ الفرنسي ذهب إلى أبعد من ذلك، حين اتهم فرويد بأنه محتال وكاذب، وأنه لم يكن يولي للحقيقة أي اهتمام، فهو لم يكتفِ بعدم العلاج فقط، بل تسبّب أيضاً في تدهور بعض الحالات وتعتيم الحقائق. كشف الباحث بدراسات موثقة أن ثلاثة من مرضى فرويد انتحروا دون أن يقوم بتسجيل هذه الوقائع.

بعض المثقفين كالفرنسي ميشال أونفري الذي يعتبره كثيرون «متفلسفاً» أكثر منه فيلسوفاً بسبب إنتاجاته المتواضعة مقابل حضور إعلامي مكثف، استطلع مسيرة فرويد العلمية؛ بل وحتى مسيرة حياته الشخصية، في كتاب ضخم من ستمائة صفحة بعنوان: «أفول صنم، الأكذوبة الفرويدية» وشن هجوماً شرساً على فرويد الإنسان وعلى فرويد المفكر من جهة أخرى، واعتبره بمثابة زعيم «طائفة» دينية جديدة كانت تستغلّ سلطتها الرمزية لابتزاز المرضى.

ميشال أونفري

يكتب أونفري: «فرويد الرجل كان جشعاً لا تهمه إلا الشهرة والمال، جرَّب أولاً التنويم المغناطيسي، وحين أدرك أن طريقة التحليل النفسي ستدرّ عليه أموالاً كثيرة، قام باستبعاد جميع منافسيه، وكان لا يعالج إلا أعيان المجتمع النمساوي الراقي. تكاليف جلسة واحدة مع فرويد كانت تصل إلى 25 دولاراً، وهو ما يعادل اليوم 450 يورو، وهو مبلغ باهظ لا يستطيع دفعه إلا أغنى الأغنياء، ولذا فحين أقرأ أن فرويد كان مفكراً كبيراً كرّس حياته لخدمة المرضى فإني أفقد أعصابي...».

ولعل النقد الأكثر دقة يتمثل في تفنيد المزاعم الفرويدية بأنها تمتلك حقائق لا يمكن أن يتوصل إليها إلا أولئك الذين يلجأون إلى التحليل النفسي والإصرار على تفسير «الألغاز» المتعلقة بمختلف مظاهر المرض النفسي، بالكبت والغرائز الجنسية وتفسير الأحلام، أو التعصّب لبعض المفاهيم، كعقدة أوديب.

الباحث البلجيكي جاك فون ريلر في كتاب آخر بعنوان: «فرويد ولاكان محتالان» (دار نشر مرغادا) كتب أن فرويد كان شخصية بارعة لأنه نجح في إقناع العالم بأنه «وراء عدة مفاهيم كزلة اللّسان واللاوعي، بينما ما فعله هو جمع أفكار ونظريات من هنا وهناك ونسبها لنفسه، وقد يكون أذكى (محتال) عرفه التاريخ؛ لأنه أقنع أجيالاً كاملة بأن الشفاء من المرض النفسي سيتم بمجرد... الكلام».

الباحث البلجيكي استشهد بمثال أشهر أتباع فرويد في فرنسا، وهو البروفسور جاك لاكان الذي دعا إلى تجديد الانتباه إلى نصوص فرويد الأصلية، وكان قد ابتدع جلسات تحليل باهظة الثمن لكنها سريعة، لا تدوم أكثر من عشر دقائق، لا يكاد المريض ينزع فيها معطفه حتى تنتهي الجلسة، وتمكن بفضل ذلك من جمع ثروة طائلة قُدرت قبيل وفاته بأربعة ملايين فرنك فرنسي.

الباحث جاك فون ريلر استغرب أيضاً من حال بعض الشخصيات التي «تتفاخر» لأنها وقعت في مصيدة التحليل النفسي، كالسيدة كارلا بروني زوجة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، التي أعلنت في الصحافة أنها تتابع جلسات تحليل منذ أكثر من عشر سنوات! والممثل المعروف فابريس لوكيني الذي كشف أنه يتلقى جلسات علاج بالتحليل النفسي منذ أكثر من ثلاثين سنة! وهنا تساءل ريلر: إلى متى سينتظر هؤلاء للوصول إلى الشفاء؟

وكان الباحث السويدي نيلز ويكلند قد نشر في المجلة الفرنسية «الأزمنة الحديثة»، التي توقفت عن الصدور، مقالاً تم تداوله كثيراً بعنوان «لماذا لم يحصل فرويد على جائزة نوبل؟» شرح فيه الأسباب التي جعلت لجنة «نوبل» ترفض منح فرويد جائزة الطب، رغم أنه رُشح لها 12 مرة ما بين 1915 و1938، مُلخصاً الدوافع في انعدام الثقة لدى الأوساط العلمية في أفكار فرويد، بسبب غياب الدلائل العلمية التي تبرهن على صحّتها. والأدهى -كما يضيف- هو أن الطبيب الذي فشل في إقناع المجتمع العلمي بقيمة نظرياته، قد نجح لحدّ ما في الحصول على اعتراف الأوساط الأدبية بقيمة أعماله، حيث مُنح جائزة «غوته» التي تكافئ أحسن الأعمال الأدبية الألمانية عام 1930، كما رشّحته بعض الشخصيات كالكاتب الفرنسي رومان لوران لجائزة نوبل للآداب عام 1936؛ حيث كتب هذا الأخير في رسالة التوصية التي بعث بها لأعضاء لجنة نوبل ما يلي: «أعلم أنه للوهلة الأولى سيبدو ترشح العالم اللامع أكثر توافقاً مع جائزة في الطب، لكن أعماله العظيمة فتحت طريقاً جديداً لتحليل الحياة العاطفية والفكرية، وأثرت على الأدب بقوة على مدار ثلاثين سنة...».

ورغم أنه أخفق أيضاً في الحصول على جائزة نوبل للآداب، فإن أود زيتريش أحد أقطاب الأكاديمية السويدية كشف في مذكراته، وبعد مضي أكثر من ثمانين سنة، عن أن «النقاش كان حاداً تلك السنة في كواليس الأكاديمية حول ترشيح فرويد للجائزة، قبل أن يُحسم الأمر بفوز الكاتب الأميركي أوجين أونيل...»؛ علماً بأن سيغموند فرويد كان شغوفاً بالأدب، وقريباً من بعض الأدباء، كستيفان تسفايغ وآرثر شنيتزل، وكان يقول إننا نستطيع قراءة الحالات الإكلينيكية التي كان يعالجها كـ«قصص روائية». ألبرت أينشتاين نفسه وبعد أن رفض دعم ترشيح فرويد عام 1928 لجائزة نوبل للطب وتلميحاته بغياب قواعد علمية صلبة لنظريات فرويد بخصوص التحليل النفسي، وجّه له بعد قراءة عمله الأخير «موسى والتوحيد» عام 1939، مجاملة غامضة جاء فيها ما يلي: «أنا معجب بشكل خاص بهذا العمل، ولكن أيضاً بجميع كتاباتك» قبل أن يضيف بنبرة ماكرة: «من وجهة نظر أدبية».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».