المصارف البرازيلية تحقق أرباحًا في أوقات عصيبة

مجموع الأرباح السنوية لأكبر 4 منها زاد بـ850 % في 12 عامًا

المصارف البرازيلية تحقق أرباحًا في أوقات عصيبة
TT

المصارف البرازيلية تحقق أرباحًا في أوقات عصيبة

المصارف البرازيلية تحقق أرباحًا في أوقات عصيبة

عندما تولى حزب العمال الذي كان رئيسه السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيسته الحالية ديلما روسيف، السلطة عام 2003 وعد برفع مستوى معيشة الفقراء، والطبقات العاملة في البلاد، وتمكن من الوفاء بهذا الوعد لسنوات كثيرة. مع ذلك كانت مكاسب القطاع المصرفي هي الأكثر إثارة للإعجاب، رغم حالة الركود في قطاع التصنيع وما واجهه الاقتصاد بوجه عام من تأرجح في الأسعار العالمية للسلع. وارتفعت الأرباح السنوية مجتمعة في المصارف الأربعة الكبرى في البرازيل بنسبة تتجاوز 850 في المائة، حيث تخطت خلال فترة حكم حزب العمال، التي بلغت 12 عاما، 20 مليار دولار بعد أن كانت 2.1 مليار. وحتى مع ما تسببت فيه فضيحة الفساد، التي حدثت في شركة البترول العملاقة «بتروبراس» المملوكة للحكومة، من شلل لقطاعات مهمة في الاقتصاد، ظلت أرباح المصارف في ازدياد رغم الأحزاب السياسية التي تتخذ من النجمة الحمراء رمزا لها تميل إلى عدم تفضيل المصرفيين أو الانحياز إليهم، لكن الحزب الحاكم في البرازيل سجل استثناء مربحا.
وكانت مكاسب المصارف تمثل أكثر من نصف إجمالي أرباح الشركات المدرجة في سوق ساو باولو للأوراق المالية خلال عامي 2013 و2014 طبقا لشركة «إيكونوماتيكا» للاستشارات. وفي الوقت الذي لا تعبر فيه سوق الأوراق المالية بشكل دقيق عن وضع الاقتصاد البرازيلي، حيث بالكاد يتم تمثيل المشروعات الزراعية وشركات تصنيع السيارات بها، لم تتجاوز أرباح المصارف ربع الإجمالي على مدى العقد الماضي.
لا يحقق مصرف «بانكو دي برازيل»، أكبر مصرف في البرازيل، ومصرف «كايسا إيكونوميا فيدرال»، ثالث أكبر المصارف في البرازيل، أرباحا بوصفهما متحكمين وحيدين في بيع الأصول، حيث كانت الحكومة، التي تتحكم في الاثنين، تلزمهما بالمشاركة في عمليات لا تحقق أرباحا كبيرة في إطار تقديم خدمات عامة. ويحصل المصرفان العملاقان «إيتاو» و«براديسكو»، وهما من المصارف الخاصة، باستمرار على عائدات على الأسهم، وهي جزء من العائدات التي يمكن لشركة ما الحصول عليها من كل دولار يتم استثماره، وتبلغ نسبتها نحو 20 في المائة، وهي نسبة أكبر من تلك التي تحققها المصارف الكبرى في الولايات المتحدة بنحو النصف.
وتميل سياسات الحكومة والتوجهات الاقتصادية نحو مساعدة المصارف هنا. ومن تلك الأمور التي تساعد فيها سعر الفائدة المرتفع الذي يذهل المقترضين في أكثر الدول الأخرى. في ما يسمى بالسوق غير الموجهة أو الائتمان الحر، الذي يخصص القروض المدعومة من الحكومة للإسكان والبنية التحتية، يدفع المستهلكون البرازيليون في المتوسط سعر فائدة على القروض قدره 58.6 في المائة، وتدفع الأعمال التجارية 27.5 في المائة.
ويختلف أكاديميون برازيليون حول أسباب ارتفاع سعر الفائدة، لكن تاريخا من التضخم الهائل، وتقلبات العملة الحادة، والعجز الكبير في موازنة الحكومة، يعني أن الحكومة نفسها عليها دفع سعر فائدة كبير لاقتراض الأموال. يبلغ السعر الأساسي الذي يحدده البنك المركزي، ويدفعه على ما يعادل سندات الخزانة، 14.25 في المائة. ونظرا لقدرة المصارف على تحقيق أرباح كبيرة من خلال شراء سندات الحكومة، من أجل المخاطرة بمنح قروض، هي بحاجة إلى أرباح أكبر. وهو ما يمكنها تحقيقه في كثير من الأحوال. ويبلغ متوسط الفرق بين السعر المدفوع والسعر المطلوب، أي الفرق بين ما يدفعه المصرف من أجل الحصول على رأسمال وما يفرضه من رسوم لتقديم المال، 30.7 درجة مئوية في سوق الائتمان الحر.
ولا يندرج كل ذلك ضمن الأرباح. الضرائب وتكاليف العمليات التنظيمية مرتفعة، وأعلنت الحكومة أخيرا خطة لزيادة الضرائب المفروضة على أرباح المصارف. ويعد التخلف عن السداد مخاطرة كبيرة، حيث تخلف بالفعل نحو 56 مليون برازيلي، أي أكثر من ربع سكان البلد، عن سداد أقساط من ديونهم تكفي لوضعهم على القائمة السوداء لـ«سيراسا إكسبيريان»، وهو أحد مكاتب التقارير الائتمانية. مع ذلك يكفي الفرق بين السعر المدفوع والسعر المطلوب لتعويض كل تلك التكاليف خاصة عندما يشهد الاقتصاد نموا.
في الأوقات العصيبة، يمكن للمصارف أن تلجأ إلى الحكومة. ولا تبيع وزارة المالية البرازيلية فقط سندات خزانة تحمي المستثمرين من التضخم، كما تفعل بعض سندات الخزانة الأميركية، بل إنها تقدم أيضا سندات تزيد قيمتها عندما يرتفع سعر الفائدة، أو تنخفض قيمة العملة. وعندما تشعر المصارف بأن الاقتصاد على وشك الانهيار، تتراجع عن تقديم القروض وتتجه نحو الاستثمارات التي تحظى بدعم الحكومة. ونتيجة لذلك، دعمت الكثير من المشكلات الاقتصادية الأخيرة في البرازيل، مثل وصول معدل التضخم إلى نحو 9 في المائة، وتراجع قيمة العملة، وزيادة سعر الفائدة، صافي عائدات المصارف.
وقال لويس فرناندو دي باولا، أستاذ الاقتصاد في جامعة ريو دي جانيرو: «المصارف هنا خبيرة في العمل في ظل حالة عدم الاستقرار الاقتصادي. وبفضل سندات الحكومة التي توفر الحماية، لا تسبب أزمات العملة، وصدمات سعر الفائدة، أزمات للمصارف، فالحكومة تدفع الثمن بدلا منها». وفي مؤشر يدل على مدى التشابك بين الحكومة والمصارف، يمتلك القطاع المصرفي في البرازيل نحو 27 في المائة من الدين الحكومي.
وقد يساعد غياب المنافسة في تحقيق أرباح أيضا. منذ أن مثلت الأزمة المصرفية في تسعينات القرن الماضي تهديدا لعدد كبير من المؤسسات المالية بالعجز عن تسديد ديونها، شجعت السلطات على تنفيذ سلسلة من عمليات الدمج والاستحواذ. وقال روبرتو لويس تروستر، كبير خبراء الاقتصاد السابق في اتحاد المصارف البرازيلية: «لم يصدر عن أي مسؤول حكومي بيان بشأن هذا الأمر، لكننا شهدنا تحيزا تنظيميا واضحا للمصارف التي تتسم أوضاعها بالثبات وإن قل عددها».
من جانب لاقت هذه السياسة نجاحا، ففي الوقت الذي اهتزت فيه المصارف الأميركية والأوروبية بفعل الأزمة المالية عام 2008 كان هذا احتمالا أبعد من الخيال في البرازيل. وقال لويس ميغيل سانتاكريو، محلل القطاع المالي في وكالة «أوستين ريتينغز» للتصنيفات الائتمانية في البرازيل: «بفضل هذه الفروق المرتفعة على القروض، كانت العمليات المصرفية التقليدية تحقق أرباحا كبيرة إلى حد جعل المصارف لا تحتاج إلى المخاطرة كثيرًا. ومن غير المرجح أن يحتاج أي مصرف كبير إلى زيادة رأسماله من أجل الصمود والبقاء».
مع ذلك لم يكن أمام المقترضين سوى بضعة خيارات من أجل الحصول على أسعار أفضل. عندما تولى الرئيس دا سيلفا منصبه عام 2003، كانت المصارف الأربعة الكبرى في البلد تمتلك 53 في المائة من إجمالي أصول القطاع المصرفي بحسب البنك المركزي البرازيلي، بينما تمتلك حاليا ما يزيد على 70 في المائة من الأصول، وتعمل الكثير من المصارف الصغيرة في قطاعات محدودة في السوق.
على الجانب الآخر، قال الأستاذ دي باولا: «هناك بعض الأدلة على تمتع المصارف بنفوذ في تحديد الأسعار». ولم ترتفع حصة المصارف الكبرى في السوق فحسب، بل إن سوق الائتمان ذاتها شهدت ازدهارًا بعد تغيير الرئيس دا سيلفا، ثم من بعده روسيف، القواعد التنظيمية لتيسير الاقتراض على المستهلكين وأصحاب الأعمال التجارية. وتحمست الفئتان، حيث أقبل الكثيرون ممن ينتمون إلى الطبقة الدنيا والمتوسطة على الاقتراض من أجل شراء أجهزة كهربائية منزلية أو سيارات.
وارتفع دين القطاع الخاص بحيث بات يمثل 70 في المائة من الاقتصاد تقريبا بعد أن كان 30 في المائة وقت تولي دا سيلفا المنصب. مع ذلك تظل تلك النسبة منخفضة طبقا للمعايير العالمية، ففي الولايات المتحدة، اقتربت النسبة من 200 في المائة، وحتى ديون القطاع الخاص في ألمانيا أكبر من ديون القطاع الخاص في البرازيل بالنسبة إلى حجم اقتصاد كل منهما.
مع ذلك يؤدي ارتفاع سعر الفائدة إلى جعل حتى أقل الديون عبئا ثقيلا. وينفق القطاع المنزلي في البرازيل في المتوسط 22 في المائة من دخله الشهري في دفع أقساط الديون طبقا لإحصاءات البنك المركزي. وتصل النسبة إلى 31 في المائة طبقا للاتحاد القومي للتجارة. على الجانب الآخر، ينفق القطاع المنزلي في الولايات المتحدة في المتوسط أقل من 10 في المائة من دخله في تسديد أقساط الديون. ومع زيادة عدد المقترضين، قد تصبح أيام النمو السريع للمصارف في طريقها للانتهاء، حيث يقترب تحقيق النمو من خلال عمليات الاستحواذ من حدوده.
ومع توصل براديسكو خلال الأسبوع الماضي إلى اتفاق للاستحواذ على عمليات مصرف «إتش إس بي سي» في البرازيل مقابل 5.2 مليار دولار، ستقترب سيطرة المصارف الأربعة الكبرى على إجمالي أصول القطاع المصرفي من الحد الأقصى، الذي يبلغ 75 في المائة، والذي حدده البنك المركزي عام 2012. نتيجة لهذا، قد تمنع السلطات القيام بالمزيد من عمليات الاستحواذ. وإذا استمر الركود في البرازيل لفترة أطول، فسترتفع معدلات التخلف عن سداد القروض، لكن حتى إذا لم ترتفع العائدات بخطى سريعة كما كان الحال في الماضي، فمن المرجح أن تظل في وضع قوي، بينما يصبح الأداء الاقتصادي الأكثر شمولا متواضعا. وقال سانتاكريو: «تقلل المصارف حجم القروض التي تمنحها، لكن سعر الفائدة أكبر من ذي قبل، ولا تزال الفروق بين السعر المدفوع والسعر المطلوب في ازدياد. وتحقق المصارف أرباحا من السندات الحكومية. ومن المحال ألا تحقق المصارف أرباح كبيرة».



إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
TT

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)

أسهمت جهود الحكومة السعودية مستندةً إلى برنامج الإسكان، أحد برامج «رؤية 2030»، في تسريع وتيرة التملك، بعدما اختُصرت فترات الانتظار الطويلة إلى إجراءات ميسّرة مدعومة بحلول تمويلية مبتكرة، ومنصات رقمية متكاملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تملّك الأسر بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 66 في المائة خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على فاعلية السياسات المتبعة، وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتعزيز جودة الحياة.

وشهد القطاع العقاري والإسكاني في المملكة تحولاً نوعياً خلال السنوات الماضية، مدفوعاً بمستهدفات «رؤية 2030»، وتدخلات الحكومة الأخيرة التي وضعت تملّك المواطنين للمساكن في صدارة أولوياتها التنموية، مع حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل العقاري، وتوسيع الخيارات السكنية، وتمكنت الدولة خلالها من إعادة تشكيل السوق العقارية لتصبح أكثر توازناً وكفاءة في تلبية الطلب المتزايد.

ومهدت «رؤية 2030» الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع العقاري والإسكان، بهدف إيجاد حلول للتحديات التي مرَت على هذه المنظومة، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار.

ووضعت مستهدفاً طموحاً، وهو رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلهم، لتنتج خلال 5 أعوام فقط من رفع النسبة من 47 في المائة إلى 60 في المائة بنهاية 2020.

ضبط العلاقة الإيجارية

نجحت «رؤية 2030» في إعادة صياغة المشهد العقاري والإسكاني بالمملكة، محولة القطاع من مرحلة التحديات الهيكلية المتمثلة في فجوة العرض والطلب وطول فترات الانتظار، إلى منظومة متينة ومبتكرة تواكب المتغيرات المتسارعة. وبحلول عام 2025، أثبتت السياسات الإسكانية كفاءتها عبر اختصار رحلة المستفيد من انتظار دام لسنوات إلى دعم فوري مكن أكثر من 851 ألف أسرة من امتلاك منازلها.

كما أن محدودية الحلول والخيارات العقارية بطأت نمو المعروض، الأمر الذي استدعى تدخلاً تشريعياً وتنظيمياً يستفيد من التحول الرقمي، ورغبة الناس في بذل الخير، والمساهمة الاجتماعية.

مشروع «نساج تاون» في ضاحية الواجهة بالدمام وهو أحد مشاريع برنامج سكني بالشراكة مع القطاع الخاص (واس)

وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات، بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للمنظومة في الرياض، والتي شملت توجيهاً بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال العاصمة للضعفين، ورفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنوياً خلال الـ5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

وأصدرت الموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة، والمدن الأخرى، والرفع بتقارير دورية.

واستمر تنفيذ القطاع العقاري خلال العام الماضي، بما يسهم في إيجاد سوق حيوية وجاذبة، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي، والممتلكات، ليتخطى مؤشر «نسبة تغطية الأراضي والممتلكات في المملكة» مستهدفه البالغ 45 في المائة، محققاً ما نسبته 53 في المائة.

القروض العقارية

ونتيجةً لهذه الإجراءات المتتالية وجهود الـ10 أعوام الماضية منذ إطلاق «رؤية 2030»، تمكنت السعودية من تحقيق 66.24 في المائة نسبة تملّك المواطنين للمساكن خلال العام السابق، ووصول إجمالي قيمة القروض العقارية القائمة للأفراد أكثر من 907 مليارات ريال (241 مليار دولار) في الربع الثالث من 2025، وبلوغ عقود المنتجات السكنية لأكثر من مليون عقد، ومنتج الأراضي بما يزيد عن 74 ألف عقد.

وبالنسبة لعقود منتج البناء الذاتي فقد تجاوزت 286 ألفاً في العام المنصرم، ومنتج الوحدات الجاهزة بما يزيد عن 534 ألف عقد، أما نصيب عقود منتج البيع على الخريطة فقد تجاوز 114 ألف عقد.

البيئة التنظيمية والتشريعية

وازدادت قدرة المنظومة الإسكانية والعقارية على توفير الحلول المتنوعة، مستفيدة من البيئة التنظيمية والتشريعية، لتصبح هناك منتجات متنوعة شملت الأراضي، والبيع على الخريطة، والوحدات الجاهزة، والبناء الذاتي، ويحفز ذلك منصات رقمية تسهل تجربة الوصول إليها، إلى جانب منظومة تمويلية تعمل وفق ضوابط متوازنة، لتقليل الأعباء المالية على الأسر.

وأصبح أثر السياسات في الإسكان والعقار واضحاً، بتمكين الأسر السعودية من تسهيلات غير مسبوقة، إذ اختصرت رحلة المؤهلين للاستفادة من الدعم السكني المتمثل في التمويل العقاري، من انتظار يستغرق عدة سنوات إلى دعم يحصل عليه المواطن في غضون وقت قصير، ليشهد عدد الأسر التي امتلكت منازلها زيادة ملحوظة وصلت إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية العام الفائت لترتفع بدورها نسبة امتلاك المنازل.


«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.