هل كان أدب الثورة السورية على مستوى الفجيعة؟

منذ حقبة الأسد الأب برز أدباء جدد على الساحة لم يستطع النظام تدجينهم

من مظاهرات الشعب السوري
من مظاهرات الشعب السوري
TT

هل كان أدب الثورة السورية على مستوى الفجيعة؟

من مظاهرات الشعب السوري
من مظاهرات الشعب السوري

غلب على الأدب العربي في سوريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين صفة أدب التحرير والتحرر. التحرير من الاستعمار واستعادة الأرض السليبة، والتحرر الاجتماعي من التخلف، وقضايا المرأة، ونبذ العشائرية والطائفية.
وقد سيطر الرعيل الأول من الأدباء على الساحة الأدبية السورية، وتخطى معظمهم الساحة السورية لتنتشر أعمالهم على كامل التراب العربي، من أمثال نزار قباني، وأدونيس، ومحمد الماغوط، وعمر أبو ريشة، وسليمان العيسى، وحنا مينة، وغادة السمان، وكوليت خوري، وزكريا تامر، وعبد السلام العجيلي..
ولم يواجه معظم الأدباء السوريين في تلك الفترة النظام السياسي بشكل مباشر، لعدم قدرة الأنظمة المتعاقبة على الاحتفاظ بالسلطة والاستمرار في حكم سوريا لفترة تزيد على سنوات بعدد أصابع اليد الواحدة، نظرا للانقلابات العسكرية المتسارعة التي قدمت نفسها كثورات شعبية، فكانت «ثورة» تنقلب على «ثورة» في أروقة قيادات الأركان، وما كان أكثر من «الثورات الشعبية السورية».
ولكن منذ أن دخلت سوريا مرحلة مظلمة من تاريخها مع الحقبة الأسدية التي بدأت «بالانقلاب الثورة» (الحركة التصحيحية 1970) انطلقت التحولات في معطيات الأدب، وبرز أدباء جدد على الساحة لم يستطع النظام تدجينهم بوسائله المختلفة. إذ لم يعِ الأدباء خطورة هذا «الانقلاب الثورة» وإلى ماذا كان يرمي إلا متأخرا، بعد أن ظهرت جليا سياسته الطائفية القمعية، واستشراء الفساد، خاصة بعد المجازر التي ارتكبها الأسد الأب في أكثر من مدينة سورية، وخصوصا في حماه، وحلب، وسجن تدمر، فبات لسوريا، وسياسته في القمع الرهيب على جميع المستويات، وكم الأفواه، وتدجين الكلمة، وفرض الخطاب البعثي - الأسدي، المهلهل، المنافق، المبتذل، المتدني، الموارب، المروج لعبادة الشخصية، وتمجيد النظام، وتلميع صورة مخالفة لصورة الواقع المرير الذي عايشه الشعب السوري الذي أوصل سوريا في نهاية المطاف إلى الفجيعة الكبرى، إلى تحويل المدن السورية إلى كربلاءات الدمع، والدم.
وتبدأ الفجيعة السورية على مستوى الأدب بسؤال: هل كان أدب الثورة السورية على مستوى الفجيعة ما قبلها وما بعدها؟
بعد فترة المجازر التي سادت سبعينات وثمانينات القرن الماضي، بدأت بوادر خطاب جديد، خطاب الانعتاق، المعبر عن وحشية النظام الأسدي، والوضع المزري السائد، فهناك من بدأ ثورته قبل الخامس عشر من مارس (آذار) 2011 رافضا الخطاب البعثي - الأسدي المهلهل، بتبني خطاب «الممانعة»، «خطاب عودة الوعي»، «خطاب الاستفاقة الأولى» خطاب كسر طوق الصمت الرهيب، خطاب تلمس الطريق الأول للتخلص من الكابوس المخيم على الصدور. وإن كان بعضها بلغة الرموز التي تحتاج إلى تفكيك لفهم المغزى. وكان هناك صرخات حادة من الأعماق هنا وهناك نالت عقابها من السجن، والتعذيب، والتهجير. هذه الصرخات لم تشكل تيارا جارفا، لكنها كانت أول ضربات المعاول في جدار ديكتاتورية الكلمة، ورفض خطاب سلطوي مفروض بالترغيب والترهيب.
لعل الشاعر الكبير نزار قباني أول من صرخ في وجه الطاغية، بوضوح الكلمة المباشرة، وبسخرية لاذعة في عدة قصائد راجت، منها قصيدة الديك:
في حارتنا ثمة ديك عدواني
فاشيستي نازي الأفكار
سرق السلطة بالدبابة
ألقى القبض على الحرية والأحرار
ألغى وطنا
ألغى شعبا
ألغى لغة
ألغى أحداث التاريخ
وألغى ميلاد الأطفال
وألغى أسماء الأزهار
في رواية لعماد شيحة بعنوان: «موت مشتهى» يصور الكاتب عملية التحول، يحكي قصة شخصيات يمرون بمراحل تحولهم من أناس كانت حياتهم في قراهم تقتصر على الفلاحة، والتعليم البسيط، ثم ينجرون وراء تجارة التهريب، ثم يتسللون إلى السلطة والانغماس في فسادها، ثم تظهر شبكات ومراكز الأمن العنكبوتية التي تنسج بيوتها في كل مكان على الأرض السورية، ثم يدخل الفساد إلى صلب العائلة نفسها عندما يحاول أحد الإخوة «ناصيف» حرمان إخوته من الميراث. وصف لتفسخ المجتمع السوري بفعل السلطة وبمعرفتها، وبتخطيط مسبق لجعل الأخ عدو أخيه.
الكاتبة حسيبة عبد الرحمن التي عرفت سجون السلطة الأسدية نشرت ثلاثة أعمال، نذكر منها في هذا المقام رواية «سقط سهوا» وهي عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة التي تعالج كل واحدة منها قضية من قضايا الوجع السوري. في ظل هذا النظام تروي لذة الانعتاق، والعودة إلى الحياة بعد الاعتقال. التوق لبساطة الأشياء التي هي حق لكل إنسان: الطعام، الشراب، الأمن، الحب. قصص لشعب يرزح تحت نظام الظلم والذل الذي عمم الظلم والحرمان. تقول الكاتبة مصدرة عملها:
اسمك فقط قبل الرحيل
تبعثر أوله حين حظروا على التجاعيد في وجه أمي
وآخره حين حظروا على التجوال في ذاكرتي
لم أدخل الزمن الصعب
لكني تلوثت بمزاريبه
أريد أن أسند على كتفي
كتفي على كفي
كفي على أرض صلبة
وأنام
أنام بهدوء العاصفة
خطاب متحرر من مفردات السلطة، بل هو ضد مفرداتها، قاموس جديد في تاريخ الأدب في سوريا، في مرحلة التكون وبدايات التمرد.
روزا ياسين حسن في روايتها «حراس الهواء» التي تعالج معاناة طالبي الهجرة واللجوء، تحكي حالات اليائسين من أوطانهم، الهاربين إلى المجهول عله يكون أفضل من الواقع المعيش تحت القهر والفقر. لكل لاجئ قصة، قصص متشابهة في عالم عربي بشكل عام، وسوريا بشكل خاص تتردد فيها حالات الظلم، والفقر، والتعسف، والهروب من واقع أليم.
«سقط الأزرق من السماء»، رواية الكاتب منذر بدر حلوم، تصور الكاتب مدرسة في قرية، وأطفالا عاشوا معا براءة الطفولة والصداقة الصادقة، التي ما تلبث أن تتحول إلى عالم مغاير تماما عندما يصل هؤلاء إلى النضج، فيصبحون تجارا بالقيم والأنفس في مضمار التسلق السريع حتى على حساب انتهاك الكرامات، وجثث الآخرين. بسام وخالد شخصيتان في الرواية تعكسان واقع سوريا: احتيال، ابتزاز، خيانة، استغلال جنسي، اتهامات باطلة، وتقارير أمنية ملفقة، استخدام سيئ للنفوذ، العبث بمصاير الناس البسطاء. رواية تكشف المستور في لعبة نظام لا يتوانى عن استخدام كل الوسائل ليبقى سائدا. رواية تكشف مدى تحلل القيم، وأيادي السلطة الخفية وراء اللعب بالنفوس.
أما الكاتب خالد خليفة في رائعته «مديح الكراهية» التي نالت عدة جوائز أدبية، فيعبر مليا عن هذه الحالة من الكراهية التي دبها النظام في أنفس السوريين بسياسته الطائفية التي جعلت بطلة الرواية تنخرط في فكر الانتقام الطائفي، وتصبح «جهادية» لتنتهي بالسجن فتعود إلى رشدها وتبدل فكرها: «في الأيام الأولى لسجني اقتربت من الموت، رأيت ألوانه واضحة الخطوط، مسالمة، هادئة، تدخل الكائن في الملكوت، تقوده إلى ذلك الصراط الممتد كخط واضح بين النار والجنة التي كنت موقنة بأنها منزلي الأبدي ما دمت (مجاهدة)، كما أسمتني نشرات جماعتي.. للحظة خطر لي أنني أحب الحياة أكثر من لقب (الشهيدة) الرمز».
الرواية تمثل صورة عن الأحداث التي وقعت خلال ثمانينات القرن الماضي، والمجازر التي لحقت بحماه وحلب. رضوان الأعمى يقود نساء العائلة اللاتي تأخذ كل واحدة منهن دربا مختلفا عن أختها، من زواج غير مرغوب فيه طائفيا، إلى هجرة قسرية من بلد بات جحيما، والراوية البطلة التي تسرد ذكرياتها بمرارة في الحلق «كفراشات محنطة» كما جاء في عنوان الفصل الثاني. رواية جريئة بلغة فريدة لم تكن تجري على الألسن في زمن قطع الألسن.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.