البرلمان اليوناني يقر خطة مساعدة ثالثة مقابل إجراءات تقشفية صارمة

المفوضية الأوروبية تصف الخطوة بـ«المشجعة».. وموقف وزراء مالية منطقة اليورو يعلن اليوم

وزير الاقتصاد الإسباني يحيي وزير المالية اليوناني خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في بروكسل أمس (رويترز)
وزير الاقتصاد الإسباني يحيي وزير المالية اليوناني خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في بروكسل أمس (رويترز)
TT

البرلمان اليوناني يقر خطة مساعدة ثالثة مقابل إجراءات تقشفية صارمة

وزير الاقتصاد الإسباني يحيي وزير المالية اليوناني خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في بروكسل أمس (رويترز)
وزير الاقتصاد الإسباني يحيي وزير المالية اليوناني خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في بروكسل أمس (رويترز)

أقر البرلمان اليوناني، صباح يوم أمس، خطة المساعدات الثالثة للبلاد التي تبلغ قيمتها نحو 85 مليار يورو، بعد مناقشات استمرت طوال الليل وشهدت انشقاق عدد كبير من غالبية حزب سيريزا اليساري، في حين وصفت المفوضية الأوروبية وألمانيا هذه الخطوة بـ«المشجعة» بانتظار الموقف الحاسم لوزراء مالية منطقة اليورو.
وأقر النص بـ222 صوتًا مقابل 64 صوتوا ضده، بينما امتنع 11 نائبًا عن التصويت. وقبل إقرار النص حذر رئيس الوزراء اليوناني، ألكسيس تسيبراس، من أن منح اليونان قرضًا مرحليًا، كما تقترح ألمانيا، سيكون «عودة إلى أزمة بلا نهاية». وقال تسيبراس إن «هذا ما يسعى إليه البعض بطريقة منهجية ونتحمل مسؤولية تجنب ذلك وعدم تسهيله».
وتجادل النواب طويلاً حول مسائل إجرائية مع رئيسة البرلمان، زوي كونستانتوبولوس، التي تنتمي إلى حزب سيريزا، لكنها تعارض الخطة بشدة. وسعت رئيسة البرلمان إلى الاستفادة من كل الوقت الذي تسمح به النصوص لدراسة مشروع القانون الذي يقع في 400 صفحة.
وأضاف تسيبراس أن «الخيار الصعب كان بين خطة إنقاذ في منطقة اليورو وخطة إنقاذ مع العودة إلى الدراخما (عملة اليونان قبل اعتماد اليورو)»، كما يقترح حتى الآن وزير المالية الألماني، فولفغانغ شويبله، وذلك ردًا على الذين ينتقدون داخل حزبه سيريزا قبوله بهذه الخطة. وأردف: «ادعوكم جميعًا إلى عدم منح الدوائر الأكثر تشددًا في أوروبا فرصة تقويض الاتفاق؛ مما سيؤدي إلى مضاعفة القروض المرحلية».
كما أشار رئيس الوزراء اليوناني إلى أن «اليونان لا تؤمن في العمق بخطط المحافظين وتطالب بطريق بديل.. موقفنا لم يتغير لكنه لا يمكن أن يعتمد على أوهام». وتابع أن حكومته «اختارت مسؤولية مواصلة المعركة بدلاً من الانتحار، وبعد ذلك الجري إلى المنتديات الدولية لتقول إنه من غير العدل أن ننتحر».
من جهته، دعا وزير المالية إقليدس تساكالاتوس إلى الإسراع. وقال إن «الأمر بسيط. مجموعة اليورو تعقد يوم غد (أي أمس الجمعة) ومن دون هذه العناصر لن تتخذ قرارًا، وسيكون هناك قرض مرحلي وسيكون على الحكومة القيام بأعمال أساسية جديدة».
ويتضمّن الاتفاق الأخير، أو ما يطلق عليه في اليونان «مذكرة الدائنين الثالثة»، زيادة الضرائب العامة والضريبة المضافة على السلع الأساسية وكثير من السلع الاستهلاكية؛ مما سيتسبب في ارتفاع جميع الأسعار. ذلك إلى جانب رفع سن التقاعد ووضع التزامات جديدة في سوق العمل وخصخصة مؤسسات الدولة، بما فيها المطارات الإقليمية والمرافئ البحرية.
وفي اتصالات مع «الشرق الأوسط»، أكد عدد من اليونانيين أنهم «يعيشون كابوسًا مخيفًا». وقالت خريستينا بابايوأنو، وهي ربة بيت في العاصمة اليونانية: «أنا لا أعرف كثيرًا عن الإجراءات التقشفية الجديدة.. ولكن عند سماعي أعضاء البرلمان الرافضين للاتفاق وأيضًا وسائل الإعلام المحلية، أشعر بالغضب والحزن والقلق، ليس فقط تجاه مستقبلي أنا بل تجاه مستقبل أولادي، وكيف يستطيعون العيش حياة كريمة في هذا البلد الذي كبرنا فيه ونفتخر به». وتضيف: «اليونان، كما تعلم، مولد الديمقراطية والحضارات، وبعثنا للعالم كله العلم والمعرفة.. كيف يحدث معنا ما يحدث الآن؟!».
أما جورج براسكفوبولوس، وهو عاطل عن العمل منذ عامين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «سئمت الحياة بسبب ما يقوم به رجال السياسة والحكومة. فهم يتقاضون آلاف اليوروات ويعملون في مكاتب مكيفة، لذلك فإنهم لا يهتمون بعملية الموافقة على الاتفاق أو بتداعياتها على الشعب اليوناني». ويواصل: «المشكلة عندنا هي أننا انتخبناهم ووعدونا بالكرامة. في المقابل، فإني لم ألحظ أي تغيير. فأنا أبحث عن عمل منذ عامين ولم أجد شيئًا بعد؛ مما أدى إلى تراكم الديون عليّ.. وأصبحت اليوم أفكر في مغادرة اليونان نهائيًا».
وبعد أشهر من الاضطراب، خصوصًا في عهد وزير المالية السابق يانيس فاروفاكيس، بذلت حكومة معدلة برئاسة ألكسيس تسيبراس في الأسابيع الأخيرة، جهودًا شاقةً وقبلت مرغمة اتفاقًا مع دائني البلاد (الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي، ونظام الاستقرار الأوروبي) حول خطة المساعدة هذه التي تقدر قيمتها بنحو 85 مليار يورو على ثلاث سنوات مقابل إجراءات تقشفية صارمة جديدة.
وبفضل دفعة أولى بقيمة عشرين مليار يورو في الأيام المقبلة، ستتمكن أثينا من احترام دفعة أساسية تبلغ 3.4 مليار يورو للبنك المركزي الأوروبي، والبدء بتسديد مبالغ لمزودي الدولة الذين لم يتلقوا منذ أشهر دفعات؛ مما يفاقم من حالة الشلل في الاقتصاد. وفي غياب اتفاق، سيكون على اليونانيين الاكتفاء بقرض مرحلي قبل مناقشات جديدة وتعهدات جديدة على الأرجح.
ومن جانبها، وصفت المفوضية الأوروبية موافقة البرلمان اليوناني على الخطة بـ«المشجعة»؛ مما قد يمهد لموافقة وزراء مالية منطقة اليورو عليها. وهذا الوضع لا يزعج ألمانيا التي تفضل الحصول على بعض الوقت وتقديم قرض مرحلي. وقال وزير المال الألماني فولفغانغ شويبله إن لديه «أسئلة» سيطرحها على مجموعة اليورو حول الخطة التي أبرمت فجر الثلاثاء الماضي، بعد 15 يومًا من العمل المكثف بين اليونان ودائنيها.
والموضوع الآخر الذي يلتقي فيه السياسيون الألمان الأكثر تشددًا حيال اليونان مع الجناح اليساري في حزب سيريزا، والذي بدا على وشك الانقسام ليل الخميس إلى الجمعة، هو مسألة خروج اليونان من منطقة اليورو. فقد دعا وزير الطاقة اليوناني السابق، بانايوتيس لافازانيس، أول من أمس، إلى تشكيل حركة وطنية ضد التقشف، مثيرًا غضب الحكومة. وقال مصدر حكومي ردًا على هذه الدعوة إن «قرار بانايوتيس لافازانيس يعكس رغبته الواضحة جدًا بإبعاد مساره عن مسار حكومة سيريزا». وأضاف: «نذكر بأن العودة إلى الدراخما قد تكون رغبة فولفغانغ شويبله، لكنها لم تكن يومًا وعدًا قطعه سيريزا للناخبين».
ولا يبدو أن الطرف الألماني هو الوحيد الذي لديه تحفظات، فقد قال رئيس منطقة اليورو، يروين ديسلبلويم، إن الضمانات لتسديد الديون تبقى «نقطة قلق أساسية»، معربًا عن الأمل بالتوصل إلى اتفاق في نهاية هذا الاجتماع «الذي لن يكون قصيرًا بسبب كثير من الانتقادات المتوقعة». ومن المتوقع أن تدفع فرنسا، كما فعلت في السابق، نحو التوصل إلى حل سريع يخرج اليونان من حالة الشكوك. وقال وزير المالية الفرنسي، ميشال سابان، لدى وصوله إلى بروكسل، إن على منطقة اليورو «تقرر اليوم بدء العمل ببرنامج المساعدة الثالث».
وليزيد من تعقيد الوضع، أعلن صندوق النقد الدولي الخميس، أنه ينتظر من الأوروبيين اتخاذ «قرارات» بشأن تخفيف أعباء الديون اليونانية قبل أن يقرر ما إذا كان سيشارك أم لا في خطة إنقاذ مالية جديدة لهذا البلد. وقالت رئيسة بعثة الصندوق إلى أثينا، ديليا فيلكوليسكو، في بيان: «ننتظر العمل مع السلطات (اليونانية) على برنامج (الإصلاحات) بحيث يكون أكثر تفصيلاً، وننتظر أن يتخذ شركاء اليونان الأوروبيون قرارًا بشأن تخفيف أعباء الدين».
ويعد صندوق النقد الدولي إحدى الجهات الرئيسية الدائنة لليونان، وقد شارك مع الأوروبيين في المفاوضات مع أثينا حول خطة الإنقاذ الجديدة، غير أنه أعلن مسبقًا أن مشاركته في تمويل الخطة مرهونة بجعل الدين اليوناني قابلاً للسداد.
وتشترط دول أوروبية كثيرة، في مقدمتها ألمانيا، مشاركة الصندوق في تمويل خطة الإنقاذ، ولكنها في الوقت نفسه تتحفظ بشدة على فكرة تخفيف أعباء الديون اليونانية الهائلة والبالغة 170 في المائة تقريبًا من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.
وفي بيانها، أوضحت فيلكوليسكو أن «صندوق النقد الدولي سيدرس منح اليونان تمويلات جديدة ما أن تتخذ السلطات إجراءات منصوصًا عليها في برنامج (الإصلاحات)، وما أن تتخذ إجراءات لتخفيف الدين».
وعكس التوقعات التي أشارت إلى انكماش الاقتصاد اليوناني بسبب ما يعانيه من أزمات اقتصادية، فإن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد نما بنسبة 0.8 في المائة في الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي، وفقًا للوكالة الوطنية للإحصاءات. كما يذكر أن الفترة الزمنية التي خصها التقرير لم تتضمن الإجراءات الحكومية التي اتخذتها الحكومة مع فشل المحادثات مع الدائنين، والتي شملت قيودًا على رؤوس الأموال، وإغلاق المصارف، ووقف التداولات في سوق الأسهم.



هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
TT

هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)

يتوجه رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، إلى «منتدى جاكسون هول» هذا الأسبوع، وسط ترقب واسع لما إذا كان سيكشف أخيراً عن رؤيته لمسار التضخم وأسعار الفائدة، بعدما حافظ منذ توليه منصبه على قدر كبير من التحفظ في الإفصاح عن توجهاته النقدية.

ويواجه وارش اختباراً مبكراً لقدرته على قيادة «الفيدرالي» في وقت ينقسم فيه مسؤولوه بشأن أسباب استمرار التضخم فوق مستهدف «البنك» البالغ اثنين في المائة، وما إذا كانت الضغوط الحالية ناجمة عن صدمات مؤقتة، مثل الرسوم الجمركية واضطرابات الطاقة المرتبطة بحرب إيران، أم تعكس اقتصاداً لا يزال ينمو بوتيرة أقوى من قدرته على استيعاب الطلب.

ومن المقرر أن يلقي وارش كلمته يوم الجمعة خلال المؤتمر السنوي الذي ينظمه «بنك الاحتياطي الفيدرالي» بمدينة كانساس سيتي في وادي جاكسون هول بولاية وايومينغ، حيث ستتركز أنظار المستثمرين ومسؤولي «البنك المركزي» على تفسيره أداء الاقتصاد، والعوامل التي يمكن أن تدفعه إلى تغيير موقفه من أسعار الفائدة.

ويأتي ذلك في وقت لم تحسم فيه البيانات الأخيرة الجدل داخل «الفيدرالي». فقد أدت بيانات أسعار أكبر اعتدالاً خلال الشهرين الماضيين إلى تخفيف الضغوط من أجل رفع الفائدة في الاجتماع التالي خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، لكنها لم تبدد التساؤلات بشأن ما إذا كان مستوى الفائدة الحالي، الذي يدور حول 3.6 في المائة، مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى مستهدف «البنك»، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

صراع بين تفسيرين للتضخم

ويتمحور الخلاف داخل «الفيدرالي» حول تفسيرين متباينين لمسار الأسعار. الأول يرى أن التضخم المرتفع يرجع بصورة أساسية إلى صدمات مؤقتة، بينها الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وبالتالي؛ فإن تراجع هذه الضغوط قد يسمح للتضخم بالانخفاض من تلقاء نفسه من دون الحاجة إلى تشديد إضافي للسياسة النقدية.

أما التفسير الثاني، فيرى أن هذه العوامل تخفي اختلالات أعمق، إذ يتجاوز الطلب المعروض بما يسمح للشركات بتمرير زيادات الأسعار والحفاظ عليها، وهو ما يتطلب تدخلاً من «البنك المركزي» عبر أسعار فائدة أعلى.

وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في الاجتماع الأخير، بعدما صوّت 3 مسؤولين في «الفيدرالي» لمصلحة رفع أسعار الفائدة، فيما أبدى مسؤولون آخرون استعدادهم للانضمام إلى هذا الاتجاه.

ويرى أنصار التشديد أن قوة الإنفاق والاستثمار في الذكاء الاصطناعي واستمرار الطلب على العمالة والائتمان تشير إلى أن الاقتصاد لا يزال متيناً، وأن «الفيدرالي» لم يعد قادراً على افتراض أن التضخم سيواصل الانخفاض من تلقاء نفسه.

في المقابل، يشير آخرون إلى علامات على احتمال تراجع ضغوط الأسعار، من بينها تردد الشركات في تمرير زيادات جديدة إلى المستهلكين، وسط ميل بعض المتسوقين إلى خفض الإنفاق أو تأجيل المشتريات الكبيرة.

اختبار لأسلوب وارش

ولا تقتصر أهمية خطاب «جاكسون هول» على مضمون السياسة النقدية، بل تمثل أيضاً اختباراً لنهج وارش في التواصل مع الأسواق. فقد بنى رئيس «الفيدرالي» أسلوبه الجديد على تقليل التصريحات والتوقعات، انطلاقاً من قناعة بأن مسؤولي البنوك المركزية يفرطون في الحديث، وأن التوقعات التي يعلنونها قد تتحول لاحقاً إلى التزامات يصعب التراجع عنها.

غير أن هذا النهج يواجه اختباراً حقيقياً مع انقسام أعضاء «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة». ففي مثل هذه الحالات، يصبح على رئيس «البنك المركزي» لعب دور حاسم في توحيد المواقف؛ مما يجعل المستثمرين يترقبون ما إذا كان وارش سيُقدم في «جاكسون هول» تفسيراً أوضح للضغوط التضخمية ومسار السياسة النقدية.

وكانت تصريحاته بعد اجتماع يوليو (تموز) الماضي قد أثارت بعض الشكوك بشأن رؤيته، بعدما تجنب الإجابة بصورة مباشرة عن أسئلة بشأن الكيفية التي يمكن أن تسهم بها السياسة الحالية في خفض التضخم.

وفي ذلك الوقت، انخفضت عوائد السندات قصيرة الأجل، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، كما صعد معدل الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى نحو 6.75 في المائة، وهو أعلى مستوى له هذا العام.

وعكست هذه التحركات اعتقاداً لدى بعض المستثمرين بأن «الفيدرالي» قد يتسامح مع قدر أكبر من التضخم على المدى القصير، بما قد يضطره إلى رفع الفائدة لاحقاً.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي (رويترز)

السندات تدخل على خط المواجهة

وتزداد مهمة وارش تعقيداً مع صعود عوائد السندات الأميركية، خصوصاً أن تحركات السوق لم تعد مرتبطة فقط بتوقعات السياسة النقدية.

فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الأسبوع الماضي خططاً لتوسيع عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، قائلاً إن الأساسيات الاقتصادية لا تبرر مستويات العوائد التي تحددها السوق.

ويضاف إلى ذلك أن بيسنت يرى أن التضخم ليس بالمشكلة التي يصفه بها مسؤولو «الفيدرالي» الأكبر تشدداً؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام ضغط من جهة أخرى داخل الإدارة الأميركية بشأن مسار الفائدة وعوائد السندات.

وكان وارش قد أشار إلى أن ارتفاع العوائد قبل اجتماع يوليو يعني أن الأسواق تنفذ بالفعل بعض التشديد نيابة عن «الفيدرالي». غير أن هذا الطرح يفترض أن تحركات السوق تعكس فقط التغيرات في الاقتصاد، في حين أن توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة نفسها تؤثر بصورة مباشرة في عوائد السندات.

المعضلة التي تواجه وارش

وتتمثل إحدى كبرى المعضلات أمام رئيس «الفيدرالي» في تحديد ما الذي أخطأ فيه «البنك» خلال السنوات الماضية.

فإذا كان خفض أسعار الفائدة خلال العامين الماضيين لدعم سوق العمل، التي اتضح لاحقاً أنها أمتن مما توقع المسؤولون، قراراً خاطئاً، فإن المنطق يقتضي عكس تلك التخفيضات ورفع الفائدة مجدداً. غير أن هذا الخيار قد يكون محرجاً لوارش، خصوصاً أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبيسنت كانا قد دعوا إلى تخفيضات أعمق للفائدة العام الماضي، كما أن وارش نفسه لم يعارض هذا الاتجاه قبل توليه رئاسة «البنك المركزي».

وارش مترئساً اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (الاحتياطي الفيدرالي)

أما إذا كان استمرار التضخم يعود أساساً إلى الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة، فإن ارتفاع الأسعار الحالي قد يكون نتيجة لصدمات مؤقتة وليس دليلاً على سوء تقدير سابق لأداء الاقتصاد.

وهناك احتمال ثالث يتمثل في تبني وارش نهجاً مختلفاً للتعامل مع التضخم، وهو موقف طرح جوانب منه خلال السنوات الماضية. فالنماذج التقليدية لـ«البنك المركزي» تتعامل مع التضخم بوصفه ظاهرة واسعة ترتبط إلى حد كبير بالأجور، لكن هذه النماذج قد لا تقدم إجابة واضحة عن تأثير طفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي ترفع الأسعار من دون أن تسبقها بالضرورة زيادة مماثلة في الأجور.

ومن هنا، فقد يتوقف جانب مهم من رئاسة وارش على قدرته في صياغة استراتيجية جديدة لـ«الفيدرالي» في اقتصاد مختلف عن اقتصاد التسعينات الذي يستشهد به كثيراً؛ اقتصادٍ يتسم بتراجع العولمة، وانخفاض الهجرة، وتكرار الصراعات الجيوسياسية، إلى جانب صدمات تجارة وطاقة، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وبينما ينتظر المستثمرون إشارة واضحة من «جاكسون هول» بشأن التضخم والفائدة، فإن السؤال الأهم أمام وارش يبقى: هل يعتقد أن السياسة النقدية الحالية مقيدة بما يكفي لإعادة التضخم إلى اثنين في المائة، أم إن «الفيدرالي» يحتاج إلى تشديد جديد؟ ويُنتظر أن يقدم خطابه يوم الجمعة أول إجابة أشد وضوحاً عن هذا السؤال.


ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
TT

ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)

تسعى السعودية إلى نقل سوق المشتقات المالية من مرحلة إطلاق المنتجات إلى مرحلة أكثر نضجاً، عبر خفض تكلفة التداول، وتعزيز دور صنّاع السوق، وتحسين كفاءة استخدام رأس المال.

فقد أعلنت «تداول السعودية» وشركة «مركز مقاصة الأوراق المالية (مقاصة)» عن حزمة من التحسينات الهيكلية في سوق المشتقات المالية السعودية، في خطوة تستهدف تعزيز السيولة، ورفع كفاءة السوق، وتوسيع قاعدة مشاركة المستثمرين المؤسسيين والأفراد.

ما سوق المشتقات؟

المشتقات هي أدوات مالية تستمد قيمتها من أصل آخر، مثل سهم أو مؤشر، وتستخدم بصورة رئيسية في التحوط وإدارة المخاطر، كما تتيح للمستثمرين تنفيذ استراتيجيات تداول أكثر تنوعاً.

ما المنتجات التي تشملها التحديثات؟

1- العقود المستقبلية على مؤشر «إم تي 30»: تتيح للمستثمر التعرض لأداء أكبر 30 شركة وأكثرها نشاطاً في السوق السعودية، ومن ثم استخدامها للتحوط من مخاطر محفظة واسعة أو من حركة السوق عموماً.

2- العقود المستقبلية للأسهم المفردة: ترتبط بسهم شركة محددة، وتمنح المستثمر إمكانية التحوط من مخاطر سهم بعينه أو بناء استراتيجيات استثمار مرتبطة بحركته.

لماذا تحتاج السوق إلى صنّاع سوق؟

صانع السوق يوفر بصورة مستمرة أسعاراً للشراء والبيع، ما يساعد على وجود طرف مقابل للمستثمر عند الدخول في الصفقة أو الخروج منها، وكلما زاد عدد صناع السوق ونشاطهم، تحسنت السيولة، وضاق الفارق بين سعري الشراء والبيع، وأصبح التداول أكثر سهولة.

ماذا يعني خفض الرسوم؟

خفض الرسوم، إلى جانب الإعفاء من رسوم التداول ورسوم التسوية النهائية للعقود المستقبلية لمدة عام، يُقلل تكلفة دخول المستثمرين إلى السوق وتجربة هذه المنتجات، بما قد يساعد على زيادة النشاط.

وما أهمية تحسين احتساب الهامش؟

الهامش هو الضمان الذي يقدمه المستثمر مقابل مركزه في المشتقات. وتحسين آلية احتسابه يمكن أن يرفع كفاءة استخدام رأس المال، بحيث لا يكون جزء كبير من أموال المستثمر محجوزاً كضمان دون حاجة.

ما الهدف النهائي؟

الهدف ليس فقط زيادة عدد العقود المتاحة، وإنما بناء سوق مشتقات أكثر سيولة وعمقاً وكفاءة، يوفر للمستثمرين أدوات أفضل للتحوط وإدارة المخاطر، ويعزز جاذبية السوق السعودية أمام المؤسسات والمستثمرين المحليين والأجانب.

ماذا ستكون مؤشرات النجاح؟

وحسب هذا المنطق، فإن نجاح الخطوة سيظهر في:

  • ارتفاع أحجام التداول.
  • زيادة عدد المستثمرين المشاركين.
  • تحسن السيولة.
  • انخفاض الفارق بين أسعار الشراء والبيع.
  • زيادة استخدام المشتقات للتحوط وإدارة المخاطر.
  • اتساع مشاركة المؤسسات والمستثمرين الأجانب.

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)
TT

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)

يشهد التمويل الموجه إلى المشروعات الصناعية في السعودية توسعاً في قنواته، مع تنامي دور شركات التقنية المالية في توفير حلول تمويلية للمنشآت الصناعية، في وقت تتجه فيه هذه الشركات إلى لعب دور أكبر في ربط المقترضين بمصادر تمويل جديدة وتقديم خيارات أكثر مرونة للمشروعات الصغيرة.

وأعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية ارتفاع حجم إقراض شركات التقنية المالية للمشروعات الصناعية إلى 541 مليون ريال (144.3 مليون دولار) خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 130 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، التي بلغ خلالها حجم الإقراض 234 مليون ريال (62.4 مليون دولار). كما ارتفع عدد شركات التقنية المالية المتعاونة مع الوزارة من 3 شركات إلى 7 شركات خلال الفترة نفسها.

اتساع قنوات التمويل

وقال محلل الأسواق المالية، عبد الله الحامد، لـ«الشرق الأوسط» إن نمو القطاع الصناعي، بوصفه إحدى ركائز «رؤية 2030»، يحتاج إلى داعم تمويلي سريع وقادر على العمل بطرق غير تقليدية لتوفير التمويلات اللازمة للنمو.

وأضاف أن ارتفاع الطلب على التمويل عبر القنوات التقليدية أتاح لشركات التقنية المالية فرصة لخلق طرق حديثة وسريعة، والوصول إلى شريحة جديدة من الراغبين في التمويل، متوقعاً استمرار نمو هذا الدور مع الزخم الذي يشهده القطاع الصناعي.

وأوضح الحامد أن من أبرز ما يميز شركات التقنية المالية قدرتها على ربط شريحة جديدة من المقرضين بالمقترضين؛ وهو ما أتاح قنوات استثمار جديدة، إلى جانب تسريع إجراءات الحصول على التمويل.

وفي هذا الإطار، وسَّعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية شراكاتها مع شركات التقنية المالية بهدف تنويع المنتجات التمويلية وزيادة حجم الإقراض الموجه إلى القطاع الصناعي. وتشمل الحلول التمويلية المقدمة للمنشآت الصناعية تمويل رأس المال العامل، وتمويل الفواتير، وتمويل التوسع في المشروعات الصناعية.

مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية بالعاصمة السعودية (واس)

دعم المنشآت الصغيرة

ولا يقتصر أثر توسع هذه القنوات على زيادة حجم التمويل؛ إذ يرى الحامد أن شركات التقنية المالية تتمتع بقدرة أكبر على تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد، فضلاً عن توفير تمويلات قد تحتاج إلى فترات أطول أو لا تتناسب بالضرورة مع قدرات التمويل التقليدي.

ويرى أن تخفيض تكلفة التمويل وتحسين القدرة على الوصول إليه يمكن أن يدعما الشركات الصناعية في تنفيذ مشروعاتها والتوسع في عملياتها، خصوصاً في المراحل التي قد تواجه فيها المنشآت الصغيرة تحديات في الوصول إلى القنوات التقليدية.

وتعمل الوزارة، إلى جانب توسيع قاعدة الشراكات، على تعريف رواد الأعمال والمستثمرين الصناعيين بالحلول التمويلية المتاحة من خلال ورش عمل مخصصة، كما تشارك قاعدة بيانات المصانع مع مقدمي الحلول التمويلية، بما يسهم في تسهيل وصول الشركات الصناعية إلى المنتجات التي تتناسب مع احتياجاتها.

التشريع مفتاح الاستدامة

ومع توسع قطاع التقنية المالية ودخوله مجالات تمويلية جديدة، يبرز الإطار التشريعي والتنفيذي عاملاً رئيسياً في استدامة نموه، وفق الحامد، الذي أكد أهمية العمل على إيجاد بيئة تشريعية جاذبة للتقنيات المالية، إلى جانب احتضانها ودعمها بما يعزز قدرتها على النمو والازدهار.

ويأتي هذا التوسع مع ارتفاع عدد شركات التقنية المالية التي تتعاون معها الوزارة في تمويل المشروعات الصناعية إلى 7 شركات خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ3 شركات في الفترة نفسها من العام الماضي، بما يعكس اتساع قاعدة مقدمي الحلول التمويلية ودخول مزيد من القنوات الرقمية إلى منظومة التمويل الصناعي.