سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي

في الذكرى الـ50 لاستقلالها

سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي
TT

سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي

سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي

احتفلت سنغافورة في التاسع من أغسطس (آب) الحالي، بالذكرى الـ50 لاستقلالها، وذلك بعد أن تحولت من البلدة التي كانت تعرف باسم «قرية الصيد المتخلفة»، لتُصبح الآن واحدة من الدول صاحبة أعلى معدلات الناتج المحلي الإجمالي للفرد في العالم (نحو 56 ألف دولار). وتأتي سنغافورة في المرتبة الثالثة من حيث الدولة الأكثر تنافسية على مستوى العالم، خلفا للولايات المتحدة وهونغ كونغ.
وتعتبر سنغافورة واحدا من أفضل البلدان عالميا، وذلك بفضل انخفاض معدلات الجريمة، وتكاد تخلو من الفساد في القطاع العام. وتقع سنغافورة في مصب مضيق ملقا، حيث يمر من خلالها نحو 40 في المائة من التجارة العالمية، وهي ثاني أكبر ميناء للحاويات في العالم بعد شنغهاي. بل تعد أيضا مركزا للسفر الجوي الإقليمي والعالمي.
وارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد في سنغافورة بمعدل نمو سنوي بلغ 10 في المائة خلال العقود الخمسة الماضية، في واحد من أفضل الاقتصادات أداء في العالم، بل يُعتبر الأكثر إثارة للإعجاب حينما نعرف أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد كان يُمثل ثُلث الناتج فقط في دول أخرى خلال عام 1965، عام الاستقلال، وفقا للخبراء الاقتصاديين في مصرف «مورغان ستانلي».
ولكن بصورة مُخيبة للآمال، تعثر اقتصاد سنغافورة في الربع الأخير، مسجلا أكبر انخفاض فصلي في النمو منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، متأثرا بتباطؤ نشاط التصنيع بشكل حاد بفعل انخفاض الطلب في الخارج، الأمر الذي دفع بعض الاقتصاديين إلى خفض توقعاتهم للنمو في سنغافورة للعام بأكمله.
وانكمش اقتصاد سنغافورة على أساس ربع سنوي بنحو 4.6 في المائة في الربع الثاني من العام الحالي عن الربع السابق. ويعتبر هذا هو الانكماش الأسوأ منذ الربع الثالث من عام 2012 بعد انكماش بنحو 4.2 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
وأظهرت البيانات الرسمية انكماشا سنويا في نشاط التصنيع بنحو 14 في المائة خلال الربع الثاني من العام الحالي، وكذلك انكمش النمو في قطاعي الخدمات والبناء بعد التوسع الذي شهده القطاعان في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
وقالت وزارة التجارة والصناعة في سنغافورة، في وقت سابق من يوليو (تموز) الماضي، إن انكماش التصنيع يأتي بشكل كبير بسبب هبوط الإنتاج في المجموعات الهندسة الطبية وقطاع النقل. وهذان اثنان من بين القطاعات الأكثر تقلُبا في قطاع الصناعات التحويلية في سنغافورة بسبب ارتفاع القيمة بهما.
وتشير تقديرات الناتج المحلي الإجمالي الصادرة عن وزارة التجارة والصناعة، إلى نمو الاقتصاد في الربع الثاني بنحو 1.7 في المائة، مقارنة مع نمو بنسبة 2.8 في المائة عنها في الربع الأول. وكان استطلاع سابق أجرته «بلومبيرغ» قد توقع نموا بنحو 2.6 في المائة في الربع الثاني.
ويتوقع معظم المحللين استمرار النمو خلال كامل عام 2015 ضمن التوقعات الرسمية بين 2 و4 في المائة، على الرغم من أن البعض يرى أن الانخفاض كان حادا بما يكفي لتضييق التقديرات إلى ما بين 2 و3 في المائة فقط بعد الأرقام الكئيبة في الربع الثاني.
وقطع الاقتصاديون توقعاتهم الخاصة للنمو في عام 2015، وقال الاقتصادي «يونغ واي هو»، ببنك «باركليز»، إنه قد خفض توقعاته للنمو الاقتصادي للعام بأكمله من 3.4 في المائة إلى 2 في المائة فقط.
وخفض بنك التنمية الآسيوي توقعاته لنمو اقتصاد سنغافورة هذا العام إلى 2.8 في المائة عن تقديراته في شهر مارس (آذار) الماضي عند 3 في المائة.
لكن الاقتصاديين في «سي آي إم بي»، و«سيتي»، و«أو سي بي سي»، يعتقدون أن النمو هذا العام قد يأتي أقل حتى من 3.5 في المائة. فمجموعة «سي آي إم بي» المصرفية تتوقع نموا في حدود 2.5 في المائة إلى 3.5 في المائة (انخفاضا من 3.8 في المائة)، في حين يتوقع مصرفا «سيتي» و«أو سي بي سي» نموا بنحو 3.1 في المائة و3.3 في المائة على التوالي (انخفاضا من 3.5 في المائة على حد سواء).
ويقول بعض الاقتصاديين إن معدلات النمو الأبطأ من المتوقع تُرجح احتمالات قيام هيئة النقد في سنغافورة (MAS) بإبطاء رفع قيمة الدولار السنغافوري خلال استعراضها للسياسة النقدية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المُقبل.
وفقد الدولار السنغافوري نحو 10.5 في المائة من قيمته أمام الدولار الأميركي خلال عام، ليُسجل 1.3846 دولار سنغافوري أمام الدولار الأميركي، مُقابل 1.2523 دولار فقط في أغسطس من العام الماضي.
ويرى رئيس الوزراء السنغافوري لي هسين لونغ أن تعزيز الاقتصاد وشيخوخة السكان والحفاظ على الهوية الوطنية هي أكبر ثلاثة تحديات ستواجه سنغافورة على مدى نصف القرن المقبل.
وقال لونغ، في مقابلة نشرتها مجلة «تايم» الأميركية نهاية يوليو الماضي، إن التحدي الفوري على مدى العقد المقبل هو الانتقال بنمو الاقتصاد السنغافوري إلى المستوى الأعلى.
فخلال السنوات الخمس المُقبلة، من المتوقع أن يرتفع عدد المتقاعدين عن العمل عن الداخلين الجُدد إلى مجال العمل، وفقا لتقديرات الحكومة السنغافورية. وبحلول عام 2025، وكنتيجة لأن سنغافورة تعتبر واحدة من أبطأ الدول نموا في عدد المواليد، فإنه من المتوقع أن ينكمش عدد السكان. وبالمثل ستكون إجراءات العمل قاسية، وستتخارج الشركات الأجنبية من البلاد، ورُبما تُصبح المعجزة الاقتصادية في سنغافورة في دفاتر التاريخ فقط.
وقال فيكتور ميلز، المدير التنفيذي لغرفة التجارة الدولية بسنغافورة، في مقابلة مع وكالة «رويترز»، إن القيود المفروضة على العمالة الأجنبية، بسبب المخاوف من خروجها من سوق العمل، فاقمت من مخاطر نقص العمالة، خاصة في الصناعات التحويلية والخدمات وقطاعات البناء، في بلد معروف بانتهاج السياسات صديقة الأعمال المحلية والأجنبية على حد سواء.
ويعتبر الصعود الآسيوي، وتأثير التكنولوجيا الخارجية والحاجة للعمال ذوي المهارات الأعمق والأكثر قدرة على التكيف من بين التحديات الرئيسية التي تواجه سنغافورة في العقود المقبلة.
وقال الوزير الثاني للتجارة والصناعة في سنغافورة ايسواران، في حفل عشاء بداية أغسطس الحالي، إن الاقتصاد الصيني لا يزال صاعدا، على الرغم من المخاوف بشأن تباطؤ النمو، وصعود الصين يجعلها تتنافس على نحو متزايد مع سنغافورة في قطاعات تصنيع التكنولوجيا العالية، مثل صناعة أشباه الموصلات.
والهند، أيضا، أعلنت عن استراتيجيتين أساسيتين وهما «اصنع في الهند» و«المدن الذكية» على قمة أولوياتها، مما قد يخلق قاعدة تصنيع جديدة في آسيا.
وأضاف ايسواران، قائلا: «سنغافورة مُحاطة بعدد من الاقتصاديات الإقليمية الناشئة التي لديها الكثير من الإمكانات غير المستغلة. وهذا يعني أنه يجب أن نواصل البناء من أجل تعزيز قوتنا بأننا (الجسر الذي يربط بين آسيا وبقية العالم)».
ويرى الخبير شاهيدول إسلام، الاقتصادي بجامعة سنغافورة الوطنية، أن نجاح اقتصاد سنغافورة يرتبط بنمو قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات الراقية. ولكن في السنوات القليلة الماضية بدأت الإنتاجية في الانخفاض، مما جعل الحكومة تتبنى سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية التي بدأت في عام 2010 لحث الشركات على الإنتاج بوتيرة أعلى مع عدد أقل من العمال.
وتعول سنغافورة في الأعوام الـ50 المُقبلة على عمليات التصنيع المتقدمة، ومجالات الطيران والخدمات اللوجيستية، والعلوم التطبيقية والصحة، ونمو المدن الذكية والخدمات المالية.
ويقول شاهيدول، في مقالته بعنوان «سنغافورة في الـ50: من العالم الثالث إلى الأول» بجريدة «الديلي ستار» ومقرها بنغلاديش: «رغم نجاح سنغافورة المثير للإعجاب، فهي تُعاني عددا من التحديات المُتنامية داخليا وخارجا».
وتابع شاهيدول قائلا: «داخليا تُعتبر سنغافورة واحدة من أغلى المدن المعيشية في العالم، وفقا لوحدة الاستخبارات الاقتصادية في سنغافورة. فالدولة لديها واحد من أغنى المليارديرات في العالم، لكن في الوقت نفسه يرتفع عدم المساواة في مستوى الدخول بها. وسكان سنغافورة يشيخون بسرعة ومعدلات الخصوبة تنخفض سريعا، مما اضطر الدولة إلى الاعتماد على المهاجرين. فالدولة عدد سكانها يبلغ 5.5 مليون نسمة، وأكثر من النصف ولدوا خارج سنغافورة».
وخارجيا، ستتزايد أهمية النمو في الصين وبقية الدول الصاعدة في آسيا في العقود المقبلة. فالصين تنفق مليارات الدولارات على تطوير الموانئ والبنية التحتية البحرية الأخرى لربط مدنها الساحلية مع المحيط الهندي والمحيط الهادي، فضلا عن آسيا الوسطى وأوروبا من خلال طريق الحرير البري.
وهناك عمليات تطوير مُحتملة لقناة «برزخ كرا» التي تربط خليج تايلاند مع بحر اندامان يمكن أن توفر للسفن نحو 1200 كيلومتر من المسافة الإجمالية التي تقطعها. ويرى شاهيدول أن تلك القناة إذا تم تطويرها فيمكن أن يقوض ذلك من أهمية مضيق ملقا وسنغافورة.
وعن اقتصاد سنغافورة، قال صندوق النقد الدولي إنه يتوقع ارتفاع الإنتاجية في الصناعات التحويلية في ظل إعادة الهيكلة الاقتصادية الجارية في سنغافورة التي رُبما تُمكن الحكومة من الانتقال إلى التكاليف المُنخفضة في الأجل القصير.
وأشار تقرير صندوق النقد الدولي، في تقريره الأخير عن سنغافورة، إلى أن النهج المرن والعملي لإعادة الهيكلة، بما في ذلك التعديلات المحتملة لسياسات العامل الأجنبي وحوافز الاستثمار، ستجعل هناك ميزة لسنغافورة عن غيرها من الاقتصاديات المُجاورة بما يُمكنها من المنافسة بقوة.
وعلى النحو ذاته يتوقع الصندوق نمو الاقتصاد في سنغافورة بنسبة 3 في المائة هذا العام، بنفس الوتيرة كما في العام الماضي. وقال صندوق النقد الدولي: «سيتم دعم النمو من خلال هيكلة سياسات الاقتصاد الكلي، وخفض تكاليف الطاقة والانتعاش التدريجي في الطلب الخارجي، وبقاء معدل البطالة أقل من 2 في المائة، فضلا عن بقاء التضخم تحت السيطرة».



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.