استراتيجية ألمانيا تجاه أفريقيا... إنقاذ لاقتصاد برلين أم شراكة حقيقية؟

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال زيارة إلى النيجر هذا الشهر (د.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال زيارة إلى النيجر هذا الشهر (د.ب.أ)
TT

استراتيجية ألمانيا تجاه أفريقيا... إنقاذ لاقتصاد برلين أم شراكة حقيقية؟

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال زيارة إلى النيجر هذا الشهر (د.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال زيارة إلى النيجر هذا الشهر (د.ب.أ)

في ظل أوضاع جيوستراتيجية جديدة خلقتها الحرب الروسية - الأوكرانية، برز توجه القوى الغربية نحو قارة أفريقيا، في ما قد يتم توصيفه على كونه اهتماماً بالقارة التي تمثل محوراً رئيسياً لمستقبل العالم، أو استغلالاً لموارد القارة الهائلة بصيغة جديدة، في خضم تنافس استراتيجي على النفوذ مع الصين وروسيا.
ومن هذه القوى الغربية، ألمانيا، التي أعلنت أخيراً عن «استراتيجية جديدة» تجاه أفريقيا. وهنا يبرز السؤال: هل تتبنى القوى الغربية ومنها برلين، سياسات جديدة نحو القارة، تُبنى على الشراكة الحقيقية والاستفادة التي تصب في مصلحة الطرفين، أم أن الدوافع في حقيقتها تقتصر على مساعٍ لإنقاذ الاقتصاد الألماني، وبيانات شكلية تزعم الاهتمام بمصالح أفريقيا؟
في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت برلين أنها تعتزم تطبيق استراتيجية جديدة، قالت إنها ستركز على الاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة، وتعزيز التحول العادل للطاقة في القارة، علاوة على خلق أسواق جديدة. وحددت الاستراتيجية الصين وروسيا وتركيا كقوى «منافسة» لها في القارة الأفريقية.
في الوقت ذاته، تبنت الاستراتيجية شعاراً هو «مع أفريقيا نصنع المستقبل معاً». وصرحت وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية سفينيا شولتسه وقتها بأن ألمانيا «لا تريد أن تبقى دول أفريقيا معتمدة على المساعدات إلى ما لا نهاية»، وأن الاستراتيجية «تسعى لبحث إمكانات الابتكار النابعة من أفريقيا، وبناء روابط وشراكات يستفيد منها الطرفان».
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام ألمانية، فإن برلين تريد من خلال الاستراتيجية «توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في القارة، وخلق وظائف جديدة خاصة للشباب»، كما تسعى إلى «عملية إعادة الهيكلة الاجتماعية للاقتصاد الأفريقي» كما تولي «أهمية كبيرة للاستدامة في عصر التغير المناخي، الذي تشعر البلدان الأفريقية بتأثيره الواضح».
ويعتقد الباحث الألماني في «المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية» جيرارد كورتز، أن الحكومة الألمانية الحالية «تحاول بشكل عام، خلق توازن جيد، وتبني سياسة خارجية قائمة على القيم تجاه أفريقيا»، وفي الوقت نفسه «إيجاد شركاء موثوق بهم في ظل بيئة جيوسياسية عالمية تنافسية بشكل متزايد، لا سيما في ظل الأوضاع التي خلقتها الحرب الروسية الأوكرانية».
وأضاف كورتز، لـ«الشرق الأوسط»، أنه من خلال هذه الاستراتيجية فإن الحكومة «تحاول التغلب على العلاقة الهرمية التقليدية بين المانحين (ألمانيا) والمتلقين (الدول الأفريقية)، على سبيل المثال من خلال شراكات واستثمارات في الطاقة والمناخ، تعزز إنتاج القيمة المضافة في البلدان الأفريقية، بالإضافة إلى تأمين الموارد لإنتاج الطاقة (المتجددة بشكل أساسي)».
الاستراتيجية ظهرت في ظل تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد الألماني، الذي كان يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة الروسية، والتي دفعت برلين للبحث بوتيرة متسارعة عن بدائل، وكانت القارة الأفريقية وجهة بارزة لها.
وأعلنت برلين عن العديد من الخطط والمشروعات لجلب وإنتاج موارد الطاقة من القارة الغنية بها. على سبيل المثال، في ديسمبر الماضي، سافر وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك، إلى كلّ من ناميبيا وجنوب أفريقيا، حيث أجرى مباحثات تتعلق بإنتاج الطاقة البديلة. ويعتبر iهذان البلدان من أفضل الأماكن لإنتاج الهيدروجين من الرياح والطاقة الشمسية بتكلفة زهيدة. ورافق هابيك وفد من رجال الأعمال ومديرين تنفيذيين لشركات تخطط لتنفيذ مشاريع ضخمة تقدر قيمتها بالمليارات.
كما أبرمت شركة ألمانية كبرى في مجال الطاقة وهي شركة «فينترسال ديا» اتفاقاً للحصول على كمية كبيرة من الغاز المسال الجزائري. ودشنت ألمانيا في الشهر ذاته، أول وحدة عائمة لاستقبال كميات من الغاز النيجيري، تكفي استهلاك «خمسين ألف منزل» لمدة سنة، بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
ويعتقد الرئيس التنفيذي لـ«جمعية الأعمال الألمانية الأفريقية» كريستوف كانينجيسر، أن «الحرب الروسية على أوكرانيا أدت إلى إعادة التفكير في السياسة الخارجية والاقتصادية الألمانية، إذ اضطرت الشركات الألمانية إلى البحث عن موردي طاقة جدد بين عشية وضحاها». وأضاف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الشركات «ترى بشكل متزايد الحاجة إلى تنويع سلاسل التوريد والإنتاج الخاصة بها، بهدف أن تصبح أقل اعتماداً على روسيا والصين. وبرزت القارة الأفريقية، التي تم تجاهلها منذ فترة طويلة مقارنة بمناطق العالم الأخرى، في هذا السياق كشريك جذاب».
وأضاف أنه «على عكس استراتيجية أفريقيا السابقة، تركز الاستراتيجية الحالية على البحث عن إجابات للأسباب الهيكلية للتحديات في البلدان الأفريقية». وتابع: «لم يعد الأمر يتعلق بحل المشاكل الأفريقية» التي تحددها ألمانيا.
علاوة على ذلك، فإن «التركيز على سياسة التنمية النسوية هو أيضاً شيء جديد في التوجه الألماني»، مشيراً إلى أنه «من الإيجابي أن الاستراتيجية تطرقت إلى قضايا الصحة وتغير المناخ بشكل أكثر نشاطاً، وتم إثراؤها بجوانب الوقاية من الأوبئة والانتقال العادل للطاقة».
وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلنت ألمانيا ما وصفته بـ«نقلة نوعية في سياسة الهجرة الألمانية»، والتي تهدف إلى تقليل العقبات أمام العمالة الوافدة من القارة السمراء. وأكد وزير العمل الألماني هوبرتوس هايل، وشولتسه، خلال جولة في غرب أفريقيا، مساعيهما نحو «مزيد من هجرة العمالة المنضبطة من أفريقيا إلى ألمانيا».
وقال هايل إن «النقطة المهمة هي أن الجانبين يمكن أن يستفيدا من ذلك في اقتصادهما... وإنه إذا نشأ الانطباع هنا بأننا نحرم أي بلد من المتخصصين الأذكياء، سيكون ذلك خطأ». وأشارت شولتسه إلى أن «هناك العديد من الشباب في غانا ممن يملكون تعليماً جيداً، ولكن لديهم فرص قليلة حالياً في سوق العمل المحلي».
ويرى الباحث الغاني في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية فيديل أماكيي، أن حضور ألمانيا في القارة «ممهد له»، لأنها «تستثمر منذ فترة كبيرة في دول الساحل الأفريقي وفي كثير من مناطق القارة، ويساعدها في ذلك أن تاريخها الاستعماري في القارة ليس ممتداً وطويلاً جداً مثل القوى الاستعمارية التقليدية الأخرى».
وأضاف أماكيي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعكس الاستراتيجية السابقة (المعروفة بخطة مارشال) التي تحدثت عن طموحات كبرى غير قابلة للتنفيذ، تبدو الاستراتيجية الألمانية الجديدة حريصة على عدم تكرار الخطأ... وعود كبرى ثم لا شيء على أرض الواقع».
وشدد على أن الاستراتيجية الجديدة «تحاول التواصل مع الشعوب ومصالحها بدرجة أكبر من المباشرة من خلال مشروعاتها لخلق مصداقية، إذ إن الأموال الموجهة للحكومات الأفريقية في صورة مساعدات، عادة ما يأكلها الفساد».
أماكيي انتقد سياسات ألمانيا في ما تسميه «الهجرة المنضبطة»، ورأى أنها «تجفيف للعقول» الأفريقية، «في وقت تحتاج فيه القارة لأبنائها»، خاصة الحاصلين على تعليم جيد. وعدّ أن برلين «تحاول علاج أزمتها الديموغرافية الناجمة عن تراجع نسبة الشباب الألماني كشريحة سكانية».
وفي ضوء نقص العمالة، تريد ألمانيا جذب المزيد من العمالة الأجنبية المتخصصة. ومن أجل ذلك قرر مجلس الوزراء تعديل قانون هجرة الكفاءات، ليسهل جذب الكفاءات من الشباب من خارج الاتحاد الأوروبي.
وسيتقاعد من يطلق عليهم جيل طفرة المواليد قريباً (ولدوا في خمسينات وستينات القرن العشرين)، وبعد ذلك ستكون هناك أجيال شابة ذات معدل مواليد أقل، وهو ما قد يتسبب في نقص هائل في الموظفين المتخصصين والعاملين في جميع القطاعات.
كانت وزيرة الداخلية نانسي فيزر أكدت أنه في العام الماضي كان هناك نحو مليوني وظيفة شاغرة في جميع أنحاء ألمانيا، «وهي أعلى قيمة تم قياسها على الإطلاق».
ويرى الرئيس التنفيذي لـ«جمعية الأعمال الألمانية الأفريقية» كريستوف كانينجيسر، أن «الاستراتيجية الألمانية لا تمثل رؤية متماسكة، كما أنها لا تلبي أولويات الشركاء الأفارقة».
وقال إن «القيادات والشعوب الأفريقية تريد رؤية المزيد من الالتزام من جانب الاقتصاد الألماني... لأنه في ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي في استراتيجية أفريقيا الجديدة، فإن النهج الألماني الذي تضمنته الاستراتيجية قاصر وملتبس وغير واضح».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».