بيدرو ألمودوفار... الرجل الأكثر نسَويّةً

كيف أصبح المخرج الإسباني صوت المرأة وصورتَها؟

المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار يتوسط ممثلات فيلمه «جولييتا» في مهرجان كان 2016 (رويترز)
المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار يتوسط ممثلات فيلمه «جولييتا» في مهرجان كان 2016 (رويترز)
TT

بيدرو ألمودوفار... الرجل الأكثر نسَويّةً

المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار يتوسط ممثلات فيلمه «جولييتا» في مهرجان كان 2016 (رويترز)
المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار يتوسط ممثلات فيلمه «جولييتا» في مهرجان كان 2016 (رويترز)

لا يطيل بيدرو ألمودوفار الغياب. في الـ73 من عمره، يعود المخرج السينمائي الإسباني النشيط مع فيلم جديد هو الـ36 على قائمة أعماله المنوّعة ما بين أفلام قصيرة وطويلة. في «أسلوب حياة غريب - Strange Way of Life» الذي يُعرض للمرة الأولى ضمن مهرجان كان السينمائي الشهر المقبل، يتصدّر المشهد ممثلان هما إيثان هوك وبيدرو باسكال.
قلّما يُفرد ألمودوفار صدارة أفلامه للرجال، فهو معروف بكونه المخرج النسويّ الأول والأكثر التزاماً بقضايا النساء؛ ليس عبر اختياره بطلاتٍ إناثاً فحسب، بل كذلك من خلال طرحه مواضيع تمسّ المرأة بشكل خاص. الدراما القصيرة المرتقبة والتي تعالج علاقة عاطفية بين رجُلَين، هي ثاني أفلام ألمودوفار الناطقة بالإنجليزية، وقد تكون أوّلها حيث البطولة المطلقة للرجال.


ملصق فيلم Strange Way of Life المرتقب عرضه في مهرجان كان 2023

أفلام كرّست ألمودوفار مخرجاً نسوياً
منذ فيلم «نساء على حافة انهيار عصبي – Women on the Verge of a Nervous Breakdown» عام 1988، ارتسمت ملامح ألمودوفار السينمائية النسويّة. اتّضح أنه صوت السيّدات على الشاشة الفضية، يسمع ما في دواخلهنّ ويغوص عميقاً في تركيبتهنّ النفسية. يتعاطف مع انكساراتهنّ ويؤمن بأنهن قادرات على النهوض من جديد؛ كما في «Women on the Verge of a Nervous Breakdown» حيث «بيبا» التي هجرها حبيبها تنجح في تخطّي الحزن والغضب، من دون أن يعني ذلك أنّ الانكسار أمام الهَجر أمرٌ معيب أو مخجل.
تتكرّر ثيمة المرأة المنتصرة على خيبات العلاقات العاطفية في أفلام عدّة لألمودوفار. في «زهرة سرّي – The Flower of my Secret» عام 1995، تعيد «ليو» اكتشاف القوة والأمل بعد أن تحاول الانتحار بسبب زواج فاشل وزوج خائن. تختبر الضياع والانهيار بكل مراحلهما، قبل أن تستوعب أنّ لبعض العلاقات تاريخ صلاحية.


بطلات فيلم Women on the Verge of a Nervous Breakdown
مع مرور الأفلام، بات ألمودوفار يلقَّب بـ«مخرج النساء»، إذ إنه تمسّك باستكشاف حكاياتهن. يستخرج الضحكة من قلب التراجيديا، ويخترع جمالاً وسط أقسى المواقف التي يواجهنها. كما لو أنه يضع أرواح بطلاته على طاولة التشريح لينبش أنبلَ ما فيها، على غرار ما حصل في فيلم «صوت الإنسان – The Human Voice» عام 2020.
أما في «تحدّث إليها – Talk to Her» (2002) الحائز على «أوسكار»، فيعتني رجلان بحبيبتيهما الغارقتين في غيبوبة. يشكّل الفيلم مساحةً يحتفي فيها ألمودوفار بالذكور الذين لا يخبئون دموعهم، والمتصالحين مع سِماتهم الأنثوية كالإحساس المرهف والتفاني.

ابحثوا عن الأمّ
تبقى الأم شخصية محورية في أفلام ألمودوفار؛ من «كعب عالٍ – High Heels» عام 1991 إلى «أمهات متوازيات – Parallel Mothers» عام 2021، مروراً بـ«كل شيء عن أمي – All About my Mother» (1999)، و«العودة – Volver» (2006)، و«جولييتا – Julieta» (2016).
تتنوّع الزوايا التي يعالجها في الأفلام المتمحورة حول موضوع الأمومة. في «High Heels» و«Julieta»، يضيء على العلاقات الملتبسة والمعقّدة بين الأمهات وبناتهن. أما «All About my Mother» الحائز هو الآخر على جائزة أوسكار، فأشبه بسيمفونية تعزفها الممثلة سيسيليا روث بدور «مانويلا»، الأم التي خسرت وحيدها في حادث أليم. اختار ألمودوفار أن يهدي هذا الفيلم لأمه التي كانت تعيش أسابيعها الأخيرة أثناء تصويره.

تقول الممثلة بينيلوبي كروز التي شاركت في الفيلم، إن لقاءها بوالدة ألمودوفار ساعدها في فهم الكثير عنه وعن اندهاشه بالنساء ومعرفته العميقة بطباعهنّ. نشأ المخرج وسط أمه وخالاته وجاراتهنّ، مراقباً بدقّة تفاصيل يومياتهن. هو الذي منح التضامن النسائي أجمل صورة، غالباً ما يكرر أنه كان محاطاً بسيّدات قويات خلال طفولته: «كنّ سعيدات، يعملن بجهد ويتكلّمن بشكل متواصل. لقد صقلن شخصيتي. لم أتماهَ يوماً مع الذكور، الأمومة تُلهمني أكثر من الأبوّة».
يتجلّى التضامن النسائي بأبهى حلّة في «Volver»، حيث تتكاتف الجدّة مع الأم والابنة لإنقاذ بعضهنّ البعض من الأب المعتدي. هي تحيّة أنثويّة عابرة للأجيال، تُثبت أن المرأة قادرة على تحطيم إطار الضحية بقوّة الدمع والضحك والغناء.
في هذا الفيلم أيضاً، يستعيد ألمودوفار مشاهد من طفولته في منطقة لا مانشا الإسبانية، ويستلهم بعض الشخصيات من أمه فرانشيسكا كاباييرو. يقول إنها، مثل تلك الشخصيات، كانت تمتلك قدرة طبيعية على اختلاق الأمور لحلّ المشاكل بسلاسة وحماية أولادها. وقد وسّعت موهبة الاختراع تلك مخيّلة بيدرو الصغير الذي وظّفها لاحقاً في أفلامه.


ألمودوفار ووالدته خلال تصوير أحد أفلامه عام 1984 (تويتر)

مُلهِمات ألمودوفار
صحيح أن والدة ألمودوفار هي ملهمته الأولى، إلا أنه وجد من بين الممثلات اللواتي تعاون معهنّ، ملهماتٍ أخريات. تقول أدريانا أوغارتي التي مثّلت في فيلم «جولييتا» إنه «وفي ما يشبه اللغز، يشعر ألمودوفار بما نشعر به كنساء ويعرف مَن نحن».
هو الذي صوّر المرأة كما لم يصوّرها أي مخرج آخر، يتميّز بإخلاصه لممثّلاته، وهنّ يبادلنه هذا الإخلاص. منهنّ مَن مثّلن في 9 من أفلامه، مثل روسي دي بالما التي اكتشفها ألمودوفار في إحدى حانات مدريد حيث كانت تعمل نادلة. لفتته ملامحها الغريبة فدعاها إلى التمثيل في فيلم «قانون الرغبة – Law of Desire» عام 1987، ومنذ ذلك الحين لم يفترقا.


الممثلة روسي دي بالما مع ألمودوفار (إنستغرام)
الصورة النسائية المتصدّرة المشهد في سينما ألمودوفار لا ترتبط إطلاقاً بجمال الممثلة أو بسنّها الصغيرة. لا تقدّر عينُه ما هو ظاهرٌ من مفاتن، بل تخترق الداخل لتستخرج ما خفيَ من محاسن. وكَم من ممثّلة بدأت مسيرتها في أفلامه، وجدت نفسها تكبر عبرها.
بعد والدته والسيّدات الحاضرات في طفولته، أتت الممثلة كارمن ماورا لتشكّل ملهمته الثانية. لعبت بطولة فيلمه الأول عام 1980، ورافقته على مدى 7 أفلام كان آخرها «Volver» عام 2006. ومنذ ذلك الفيلم انفصلا، لتصرّح ماورا لاحقاً بأنها لن تعمل معه مجدداً لأن جلسات تصويره متشنّجة جداً.
في المقابل، تعد ممثلات أخريات كسيسيليا روث أن «العمل مع بيدرو هو أفضل ما قد يحصل لممثلة». توافقها بينيلوبي كروز الرأي، وهي الفنانة التي لطالما وصفها ألمودوفار بملهمته. التقيا عام 1997 وشاركت حتى الآن في 8 من أفلامه. يتشاركان الطاقة والحيويّة ذاتها، وهي غالباً ما تصف عملها معه بالنعمة في حياتها ليس كممثلة فحسب، بل كامرأة كذلك.


الممثلة بينيلوبي كروز مع ألمودوفار عام 2019 (أ ب)


مقالات ذات صلة

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

خاص مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجاً مشاركاً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.