مثقفون عراقيون: أجواء الشتاء ترتبط بالسرد.. أما في الصيف فالقراءات مفتوحة

يرون أن القراءة عادة متصلة وليست موسمية

عبد الستار البيضاني و أطياف رشيد و علاء المفرجي و سمرقند الجابري
عبد الستار البيضاني و أطياف رشيد و علاء المفرجي و سمرقند الجابري
TT

مثقفون عراقيون: أجواء الشتاء ترتبط بالسرد.. أما في الصيف فالقراءات مفتوحة

عبد الستار البيضاني و أطياف رشيد و علاء المفرجي و سمرقند الجابري
عبد الستار البيضاني و أطياف رشيد و علاء المفرجي و سمرقند الجابري

لم تزل القراءة سيدة المشهد الثقافي العراقي، رغم سخونة أجواء الصيف التي زادت على الخمسين درجة مئوية، واضطراب الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد، يحرص مثقفون وأدباء ونقاد على إدامة صلاتهم بالكتاب باعتبارها إحدى أهم عاداتهم التي لا تتغير بالمناخات المعيشة والظروف السائدة، رغم تفضيل بعضهم لنوع ووقت خاصين من القراءات بحسب أمزجة الفصول وتقلباتها وما تمنحه لهم من خيارات، باعتبار القارئ الجيد لا يفرق بين المواسم، كونها فعلا إبداعيا تتعدى الترفيه وتزجية الوقت.
يقول القاص والروائي عبد الستار البيضاني: «القراءة عادة متصلة وليست موسمية، لكن هذا لا ينفي خضوعها لتأثيرات أمزجة الفصول؛ ففي فصل الصيف تنزع النفس البشرية للخروج إلى الفضاءات، بينما تميل في الشتاء إلى دفء البيت، لذلك فالصيف يأخذ من وقت القراءة، بينما يمنحها الشتاء وقتا أكثر. وقبل عصر الفضائيات كنا نؤجل قراءة الروايات الضخمة إلى الشتاء.. فليل الشتاء كان يعني في الغالب بطانية صوفية ورواية روسية!».
ويضيف: «منذ عملي في الصحافة والتزاماتي مع مؤسسات ثقافية كخبير، انتهت بالنسبة لي القراءة الممنهجة وطقوس الاختيار، لكني أحاول وضع أولويات للقراءة، لكن كل فترة أجد الكتب قد تكدست عند رأسي أو على مكتبي من دون أن يصل إليها الدور فأرحلها إلى رفوف مكتبتي لتأتي غيرها على لائحة الانتظار، لكن أفضل أوقات القراءة والكتابة لدي فترة الصباح، وخصوصا أيام الجمع والعطل.. حيث أكون قد قررت قراءة كتاب بعينه، أستيقظ مبكرا وأواصل القراءة طوال اليوم ولا أفعل شيئا سوى ذلك، وعندما أنهي قراءة الكتاب أشعر بانسجام روحي يجعلني مترفعا على شواغلي اليومية.. وكذلك الأمر مع الكتابة».
وآخر ما قرأه البيضاني كتاب يحمل عنوان «السجن الملعون» وهو مجموعة قصصية للكاتب اليوغوسلافي إيفو أندريتش الحائز على جائزة نوبل عام 1961.
وعن طقوسه في القراءة، فضل القاص والإعلامي حسين رشيد تعريف الكتاب أولا بالقول: «هو مجموعة أوراق يجمعها غلاف ملون تزينه لوحة فنية أو تخطيط، هذه الأوراق برائحتها الأريجة وحروف كلمتها بمثابة مفتاح سحري يفتح طيات العقل البشري وينير كل جوانبه وزواياه المعتمة، طبعا ما أقصده هنا الكتب الأدبية والعلمية والاجتماعية المرتبطة بالإنسانية والتقدم والتحضر والازدهار. وليست الكتب الأخرى السيئة والمسيئة، ففي حين قالوا خير جليس بالزمان كتاب، في وقتها كان هناك كتاب أو اثنان، أما الآن في جهاز الهاتف أخزن عشرات الكتب، والقراءة فن مثلما وصفها ألبرتو مانغويل مثلما هي غذاء روحي لا بد منه مثلما لا يمكن للنحلة العيش دون إنتاج العسل».
وعن الاختلاف ما بين قراءتي الصيف والشتاء، قال: «لا يوجد اختلاف كبير لكن أجواء الشتاء غالبا ما ترتبط بالروايات وكتب السرد. أما الصيف فالقراءات مفتوحة، وبالطبع الشعر هو القاسم المشترك في كل الأوقات. القراءة لا تحتاج إلى طقس معين فقط لحظة ربط نفسي وذهني مع الكتاب. أستمتع كثيرا بالقراءة أثناء السفر. أما آخر ما قرأت، فهو (كل البشر كاذبون) لألبرتو مانغويل، وكتاب (متعة المتخيل.. حوارات مع كتاب عالميين).. هذا فيما يخص الكتب أما القراءة اليومية الأخرى أثناء العمل وعبر التجوال في المواقع الإلكترونية غالبا ما تكون قصصًا قصيرة جدا مترجمة أو قصائد مترجمة وعراقية وعربية».
واختلفت القاصة والناقدة المسرحية أطياف رشيد مع القاص حسين بالقول إن «القراءة هي نفسها سواء في الصيف أو الشتاء، بالنسبة لي لا تتغير شهيتي لها.. وأنا لا أمسك قلمي للكتابة إلا إذا كانت الفكرة أو الصورة أو المشهد قد بدأ يتكون في فكري. عندها أبدأ بالكتابة، وتبدأ الفكرة بالنمو والتطور حتى تأخذ شكلها النهائي.. ولكن في كثير من الأحيان أشعر أن لا نهاية أو حد لتلك الفكرة أو المشهد. أشعر لو أنني أعدت قراءتها لأضفت شيئا جديدا، قرأت أخيرا رواية (الحمامة) لزوسكيند وهي رواية جميلة تهتم بتلك التفاصيل الصغيرة التي تحيط بنا، وتأثيرها، وكل تلك الخلجات التي تعتمل في الذات الإنسانية بسبب مخاوف قديمة زرعتها الظروف المحيطة».
أما الكاتب والشاعر جمال المظفر فقال: «طقوس الكتابة قد تختلف من كاتب لآخر.. هناك من يتفرغ للكتابة في أوقات محددة يعتكف لوحده ويمارس طقوسه، بينما هناك من ينتظر أن تداهمه الفكرة، فما إن يتلقفها حتى يبدأ بالشروع في تدوينها والعمل عليها، وقد تنتهي في اللحظة نفسها وقد يؤجلها إلى وقت آخر.. بالنسبة لي لا أعد نفسي للكتابة ولا وقت لها عندي باستثناء المقالة التي هي نتاج فعل أو رد فعل آني لا يستوجب تأجيلها.. أما القراءة فهي مفتوحة حسب أوقات الفراغ أو أهمية المنجز الأدبي الذي يقع بين يدي.. أستغل أحيانا أوقات الفراغ لقراءة الكتب النقدية والشعرية والقصصية رغم الأجواء غير الطبيعية التي نعيشها من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة وارتفاع حرارة الجو، إلا أن القراءة تعد الغذاء الروحي الأهم لأدمغتنا التي نخرها الفساد السياسي».
علاء المفرجي الناقد السينمائي والكاتب، فيرى أن «القارئ الجيد لا يفرق بين المواسم بافتراض أن القراءة تتعدى الترفيه أو تزجية الوقت، القراءة فعل إبداعي آخر تماما كما النص المقروء.. والقراءة لدي طقس وضرورة أيضا، وقرأت أخيرًا كتاب (حديقة في بغداد) لإليزابيث هوريم، و(لا أبطال في طروادة) رواية الشاعر إبراهيم البهرزي.. الكتاب الأول يغوص في تفاصيل الحياة البغدادية بين عامي 2003 - 2006 من وجهة نظر الآخر، وهي الكاتبة الفرنسية السويسرية الأصل.. أما ما شدني لرواية البهرزي فهو أنها تناولت الجيل الذي أنتمي إليه خلال السبعينات بخلفية تاريخ اليسار العراقي خلال هذه الفترة». وعن مشاريعه «الصيفية» ذكر أنه يعكف حاليا على إنجاز كتابه «السيرة في السينما» الذي سيجد طريقه للطبع قريبًا.
«في الصيف أحب أن أقرأ الشعر»، هكذا قالت الشاعرة العراقية الشابة سمرقند الجابري، ووصفت الشتاء بأنه فاتح لشهيتها في السهر والقراءة معًا، وخصوصا قراءة الروايات، وأضافت: «قبل أيام بدأت إعادة قراءة رواية لميلان كونديرا (خفة الكائن التي لا تحتمل) فقد كنت قرأت الرواية بترجمة الكويت، والآن أقرأ الرواية ذاتها بترجمة لبنانية، حيث وجدت هناك فوارق في رؤية النص السردي وترجمته من شخص لآخر، فأنا أحب تلك الرواية ودفعني الفضول لقراءتها بترجمة دار أخرى، إذ حملت الترجمة الجديدة عنوان (كائن لا تحتمل خفته) وهي تتحدث عن الإحباط والخذلان في الحب، كما أن لها جانبا سياسيا يشابه ما مر به العراق من صراعات بعد تغير أنظمة الحكم فيه».



«أصيلة» تفتح موسمها الثقافي على أسئلة العرب وأفريقيا وتحولات الشعر والفن

تفتح أصيلة ملفات الثقافة والشعر وقضايا العالم في موسمها السابع والأربعين. (الشرق الأوسط)
تفتح أصيلة ملفات الثقافة والشعر وقضايا العالم في موسمها السابع والأربعين. (الشرق الأوسط)
TT

«أصيلة» تفتح موسمها الثقافي على أسئلة العرب وأفريقيا وتحولات الشعر والفن

تفتح أصيلة ملفات الثقافة والشعر وقضايا العالم في موسمها السابع والأربعين. (الشرق الأوسط)
تفتح أصيلة ملفات الثقافة والشعر وقضايا العالم في موسمها السابع والأربعين. (الشرق الأوسط)

تستعيد مدينة أصيلة المغربية، مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، إيقاع موسمها الثقافي، الذي جعل من المدينة الصغيرة المطلة على الأطلسي، طوال أكثر من أربعة عقود، نقطة لقاء للمثقفين والكتاب والفنانين والسياسيين من المغرب والعالم العربي وخارجه.

وتنظم «مؤسسة منتدى أصيلة»، تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي السابع والأربعين، خلال الفترة من 2 إلى 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ومجلس جماعة أصيلة، وبمشاركة أكثر من 400 شخصية من عالم الدبلوماسية والفكر والثقافة والفن والإعلام، من المغرب ومن مختلف أنحاء العالم.

وتجمع دورة هذا العام بين أسئلة السياسة والتحولات الدولية وقضايا الثقافة والأدب والفنون، في برنامج تتقاطع فيه رهانات أفريقيا والعالم العربي مع الشعر والرواية والفن التشكيلي.

وتفتتح الندوات يومي 2 و3 أكتوبر بموضوع «الرهانات الطاقية والمائية في أفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافية سياسية جديدة»، في محاولة لقراءة التحولات التي تشهدها القارة في ضوء الصراع على موارد الطاقة والمياه والمشروعات العابرة للحدود.

وينتقل الموسم، يومي 5 و6 أكتوبر، إلى الفن التشكيلي عبر ندوة تكريمية بعنوان «طوني مارايني والمشهد التشكيلي المغربي»، قبل أن يفتح، يومي 10 و11 أكتوبر، واحداً من أكثر ملفاته اتصالاً بالتحولات الراهنة، من خلال ندوة «العالم العربي في أفق 2030: التحديات والتحولات والآفاق».

وتحضر التجارب الأدبية العربية في البرنامج عبر أكثر من نافذة. ففي 13 أكتوبر تقام «خيمة الإبداع»، تحت عنوان «مبارك ربيع: أصالة الكاتب ومدارج الكتابة»، فيما تخصص ندوة 15 أكتوبر للكاتب التونسي حسونة المصباحي، بعنوان «حسونة المصباحي: سفر في التعابير والأمكنة».

تحضر في (اصيلة) الأجيال الجديدة من خلال خلق فضاء للتجريب في الرسم والكتابة وتنمية المهارات الفنية والأدبية. (الشرق الأوسط)

الشعر وتحولات الكتابة

ويمنح الموسم مساحة خاصة للشعر العربي الجديد؛ ففي 16 أكتوبر يحتضن اللقاء الشعري الرابع ندوة، بعنوان «الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحولة: من تعدد الأشكال إلى تداخل الوسائط»، وهي قضية تتصل بالتحولات التي طرأت على مفهوم القصيدة ووسائل إنتاجها وتلقيها في العصر الرقمي.

ويتواصل الحضور الشعري في اليوم التالي مع الدورة الثامنة لـ«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب»، التي يخصصها الموسم للأصوات الشعرية الجديدة.

فضاء الكتب

ولا يقتصر البرنامج على الندوات، إذ تتحول أصيلة إلى فضاء للقاء المباشر بين الكتاب والقراء، عبر سلسلة من حفلات توقيع الإصدارات الجديدة.

ومن بين الكتب التي يقدمها الموسم «زمن العبور الهادئ: حكاية الانتقال الدبلوماسي في موريتانيا»، لرئيس الوزراء الموريتاني السابق سيدي محمد ولد بوبكر، في 3 أكتوبر.

وفي اليوم التالي يقدم الكاتب والصحافي اللبناني، إسماعيل حيدر، كتابه «حكايات على حافة الماء: أصيلة... البيت والأهل والعابرون»، فيما يوقع الكاتب والصحافي المغربي إدريس كسيكس، في 6 أكتوبر، روايته «أنسجة الفوضى».

الفنون التشكيلية والبصرية أحد المكونات التي ارتبطت بهوية موسم أصيلة منذ عقود (الشرق الأوسط)

الفن في أصيلة

وتبقى الفنون التشكيلية أحد المكونات التي ارتبطت بهوية موسم أصيلة منذ عقود؛ إذ تشهد الدورة مجموعة من الفعاليات في الحفر والصباغة والليتوغرافيا، بمشاركة فنانين من دول عربية وأجنبية.

ويحتضن رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة، في مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، معرضاً للفنانين المغربيين محمد المرابطي ويونس الخراز، فيما يستضيف قصر الثقافة معرضاً للصور الفوتوغرافية للراحل محمد بن عيسى، إلى جانب معرض جماعي لإبداعات «مواهب الموسم».

ويمتد النشاط الفني إلى الموسيقى من خلال عروض متنوعة تقام في فضاء «محمد بن عيسى للثقافة والفنون» بمكتبة الأمير بندر بن سلطان.

وتحضر الأجيال الجديدة كذلك، من خلال «مشغل مواهب الطفل»، و«مشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل»، اللذين يفتحان أمام الأطفال فضاء للتجريب في الرسم والكتابة وتنمية المهارات الفنية والأدبية.

وتأتي الدورة الخريفية لتختتم برنامجاً ثقافياً وفنياً امتد هذا العام عبر ثلاثة فصول.

فقد نظمت مؤسسة «منتدى أصيلة» دورتها الربيعية بين 27 مارس (آذار) و12 أبريل (نيسان)، وخصصتها بدرجة أساسية للفنون التشكيلية، بمشاركة فنانين من المغرب والبحرين وإسبانيا وسوريا وإيطاليا وبريطانيا، إلى جانب مشاغل مخصصة للأطفال.

كما شهدت تلك الدورة معرض «تشكيلات فصول أصيلة 25»، الذي ضم أعمالاً أنجزها 25 فناناً وفنانة يمثلون تجارب ومدارس فنية من عدد من الدول العربية والأوروبية والأفريقية، إضافة إلى جناح تكريمي للفنانة المغربية الراحلة نجوى الهيتمي.

وفي الصيف، عادت الفنون إلى جدران المدينة القديمة من خلال مشغل الصباغة على الجداريات، وهو تقليد فني بدأت المؤسسة تنظيمه عام 1978، وأسهم على مدى عقود في تشكيل الهوية البصرية التي عُرِفت بها أصيلة.

وشارك في دورة هذا العام 14 فناناً وفنانة من أجيال مختلفة، بعضهم واكب البدايات الأولى لتجربة الجداريات، فيما ناقشت ندوة «جداريات أصيلة: نحو هوية بصرية للمدينة» العلاقة التي نشأت بين الفن والفضاء العمراني للمدينة.

ومنذ انطلاق تجربته قبل أكثر من أربعة عقود، حافظ «موسم أصيلة» على صيغة تجمع الحوار الفكري بالممارسة الفنية، وتحول معها النشاط الثقافي من حدث يقام داخل قاعات الندوات إلى جزء من حياة المدينة وفضائها العام.


أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.