بواردي الحرف

تأثر بالعلامة حمد الجاسر فمشى على خطواته وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه

سعد بواردي
سعد بواردي
TT

بواردي الحرف

سعد بواردي
سعد بواردي

قبل أسابيع، كان لقاء مجلس أمناء مؤسسة العلامة حمد الجاسر الخيرية بولي العهد السعودي بوصفه رئيسا فخريّا له.
ويعرف البواردي في العرف الاجتماعي الشعبي بحامل البندقية.
والواقع أن لدى الأديب سعد البواردي سلاحا أمضى من البنادق، وأبلغ من البارود، وهو سلاح الكلمة، الذي ما انفكّ يرفعه منذ ستة عقود مجاهدا به في وجه كل خلل اجتماعي، سلاح لا تنقصه الصراحة، ولا يصدأ مع الوقت، ولا يتلاشى مع العاطفة، ولا تهزّه أعاصير الإحباط.
من سوء حظ كاتب هذه السطور، أنه زامله في العمل التعليمي والثقافي، لكنه لم ينفتح على أعماق فكره ومكامن شخصيّته ومفاتيحها إلا بعد أن تلاقيا على أديم مجلس حمد الجاسر بندواته ومناسباته، وكانا أقرب ما يكونان صفاء وحميميّة عندما تضمّهما مراكب الرحلات الثقافية، فهنا يتجلّى سعد في مزاج رائق صافٍ، ومجالسة تفيد المرافق، لأديب يجيد الصمت والإنصات، لا يبتذل الطرفة، ولا يهذي بما لا يعرف، يتحدث بعبارة منتقاة موزونة، ولا يُعلّق لمجرّد التعليق، ولا ينتقد من أجل الانتقاد، وهو وطني منصف، طيّب السريرة، لا يصبر على الخطأ والخطل، ويطرب لجمال الطبيعة وحسن التنظيم، وينعكس مذاقه على الهندام والكلام والطعام.
تأثّر - بقصد أو من دونه - بالعلامة حمد الجاسر، فمشى على خطواته، وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه، في وفاء لا يبارى، وتعلّم منه معايير الصراحة ورسالة الصحافة ومسؤولية الكلمة، وقد كانا وُلدا وفي فميهما ملعقتان من عصير الحنظل، في بلدتين متجاورتين ومتطابقتين في الظروف المعيشية (الوشم والسِّرّ) شمال غربي الرياض، وإن كان الأخير (البواردي) على حال نسبيّة من اليُسر، فلقد كان والده منذ مطلع القرن الفائت أميرا لبلدته «شقراء» وشاعرا من شعراء النبط فيها، وقد توفي وسعد لمّا يبلغ الثالثة عشرة بعدُ من العمر.
وكما تنقّل حمد الجاسر بين بلدات السِّرّ والقصيم ثم الرياض فمكة المكرمة، خرج البواردي من شقراء إلى عنيزة بالقصيم ليواصل دراسته فيها ثم انتقل إلى مدرسة دار التوحيد بالطائف، لكن حظهما من التعلّم الذاتي كان أكبر مما اكتسباه من التلقّن والحفظ والترديد، فسار التلميذ بوجه عام - كما سلف - على خطى شيخه الجاسر في أسلوب النشأة، وفي مسلك الدراسة، وفي مسألة الزواج المتأخر، وقادتهما الصدف إلى مصاهرة أسرة بذاتها، ثم بفارق ثلاثة أعوام تماثلا في ممارسة النشر عندما قادا مشعل التنوير الصحافي في محيطيهما في الرياض والخبر، وبلغت التلمذة ذروتها عندما تعاونا معا في معاودة إصدار مجلة «اليمامة» الحالية في ظل مؤسسة اليمامة الصحافية.
واليوم يظل سعدٌ يردّد قول عوف الشيباني «إن الثمانين وبلغتها، قد أحوجت سمعي إلى ترجمان» وهو لمّا يزل يمسك بالقلم في يمينه يواصل المقالة في عدد من المطبوعات، ويصدح بلسانه في كل مهرجان يعنيه، ويلتزم بحرية تعبير منضبطة سار عليها منذ اليوم الأول من صدور صحيفته «الإشعاع».
كان سعد من أجل طلب الرزق قد نزح من شقراء إلى مدينة الخبر في المنطقة الشرقية مرورا بالأحساء، ليعمل بالتالي في متجر لأدوات السيارات جامعا بين الوظيفة والهواية، وقد بدأ يمارس الكتابة في «يمامة» الجاسر و«أخبار الظهران» للجهيمان والملحوق وفي صحيفة «البلاد السعودية» التي كان يرأس تحريرها عبد الله عريف، ثم صار - بانتظام وبإنتاج غزير إلى اليوم - يكتب نثرا وشعرا مرة باسمه الصريح ومرّات بأسماء مستعارة، بحسب طبيعة الموضوع.
كانت الرياض العاصمة (1952) أسبق من شرق السعودية بسنتين في إصدار المطبوعات الصحافية، باستثناء صحف أرامكو «مجلة قافلة الزيت»، والصحيفة الإنجليزية «الشمس والوهج». لكن المنطقة الشرقية ما إن بدأت فيها جريدة «أخبار الظهران» لعبد الكريم الجهيمان حتى تسابق صدور المجلات فيها، فلحقت بها صحيفة «الفجر الجديد» ليوسف الشيخ يعقوب، ومجلة «الإشعاع» لسعد البواردي، ثم مجلة «الخليج العربي» من الأحساء ثم «الخبر» لعبد الله شباط، وانتهاء بمجلة «مارد الدهناء» من سكة الحديد.
كان لافتا للنظر في عهد الملك سعود في الخمسينات تسارعُ صدور المطبوعات الصحافية في المناطق السعودية الثلاث؛ الوسطى والغربية والشرقية، وإن كانت السمة الغالبة عليها ضعف الإمكانات المادية والفنية، لكنها تميّزت بمستوى من الحريّة النسبية في ممارسة النقد الاجتماعي، وهي ظاهرة صحيحة إلى حدٍ ما لكنها جعلت معظم الصحف - و«الإشعاع» من بينها - تدفع الثمن من أجلها بأنواع مختلفة من الإجراءات المشددة، وقد دفع ضعف الصحف بالحكومة في عام 1963 بُعيد إنشاء وزارة الإعلام، لتغيير نظام الصحافة مما كان يطلق عليه عُرفا عهد الأفراد إلى ما سمي صحافة المؤسسات الأهلية.
وكان لافتا للنظر ثانيا، أن المنطقة الشرقية التي أنجبت هذا العدد من ال مطبوعات الصحافية في الخمسينات قد انكفأت فيها الصحافة في العقود اللاحقة مكتفية بصحيفة «اليوم» وبمجلة «الشرق» التي تحوّلت مؤخرا إلى جريدة يومية، في حين حافظت صحافة أرامكو على مكانتها.
أصدر سعد البواردي مجلة «الإشعاع» الأدبية الاجتماعية الشهرية في سبتمبر (أيلول) 1955 من مدينة الخبر شرق السعودية واستمرت عامين صدر منها خلالهما ثلاثة وعشرون عددا جمعها مؤخّرا في مجلد واحد، مجلة قاسمت سعدا حلاله وراحته، لكنها - باستقطابها أسماء لامعة وبثباتها على منهج من الصراحة والشفافية - سجلت نفسها علامة مضيئة من علامات النهضة الفكرية في شرق السعودية، وسجلت صاحبها ورئيس تحريرها ضمن قائمة أبرز الروّاد في عالم الأدب والصحافة في المنطقة ذاتها، من أمثال عبد الله شباط ويوسف الشيخ يعقوب وشقيقه أحمد وعبد الكريم الجهيمان وعبد الله الملحوق وخليل الفزيع ومحمد أحمد الفقي وعبد الله الجشّي وخالد الفرج ومحمد سعيد المُسْلِم وعباس خزام وسعيد البريكي وموسى آل الشيخ حسّان وعبد الرحمن العُبيّد وموسى الشيخ علي ومحمد سعيد الخنيزي وأخيه عبد الله وحسن الشيخ فرج وعبد المحسن الخنيزي ومهدي الشمّاسي وعبد الجليل السيف وعبد الوهاب المجمّر وعلي باقر العوّامي وأخيه حسن، ومنهم من كتب بأسماء مستعارة مثل غازي القصيبي الذي نشر قصائده في تلك الفترة تحت اسم محمد العليني، ويمكن أن يضاف إلى تلك القائمة عبد الله بن خميس وزملاؤه الذين أصدروا العدد اليتيم من مجلة «هجر» بالأحساء (1956م) وذلك فضلا عن صحافيي أرامكو وعموم الأدباء وأرباب القلم، والصحافيين الآخرين المهاجرين من أبناء القطيف (كسلمان الصفواني).
لم يكن يدور في خلد البواردي عندما جاء إلى الخبر وعمره في منتصف العشرينات، أنه سيلج إلى عالم الصحافة ولو من نافذتها، مقتفيا أثر أستاذه الجاسر في الرياض ونهج صديقه الجهيمان في الظهران، لكن التجربة بتحدّياتها كانت قد انغرست في ذهنه، وهواجس الكتابة الصحافية كانت تدغدغ خياله، فنجده يستجيب لاقتراح من يوسف الشيخ يعقوب - الذي تعرّضت صحيفته «الفجر الجديد» للإيقاف - بأن يصدر البواردي صحيفة بديلة، جاعلا اسمها «الإشعاع» الذي ينبثق عن الفجر عند انبلاجه.
صمدت «أخبار الظهران» ومجلة «الإشعاع» سنوات قليلة في منتصف الخمسينات، مشكّلتين علامتين بارزتين تُذكران كلما ذُكرت الصحافة الأهلية في عنقود مدن المنطقة الشرقية (الدمام والخبر والظهران) ومنبرين للرأي النزيه الشفّاف، ضمن محيط تتلاطم فيه فورات الشباب المتحمس من عمّال أرامكو وغيرها، الذين أوقدت فيهم التقلبات السياسية في المنطقة العربية رغبة استباق التغيير وطيش التقليد غير المدروس.
ومع أن الشاب المتحمّس المستنير سعد البواردي المتسلّح بالحرف والكلمة شعرا ونثرا الذي ولج عالم الصحافة مبكرا، كان يعي بتبصّر، مخاطر اللعبة الصحافية منذ بداياتها، حيث افتتح مجلته «الإشعاع» بالعزم على «ألا تكون الصحيفة بوقا ولا مزمارا تدوّي منه صرخات عقيمة، وأن الصحيفة لن تتّخذ من لغة السباب والتهكّم أسلوبا تلج منه إلى قلب القارئ الساذج». وطرق في العامين اللذين أصدر فيهما الصحيفة مواضيع اجتماعية حساسة في معيار تلك الحقبة، ليس أقلها الدعوة إلى تعليم الفتاة، الموضوع الذي اكتوى به كثير من حملة القلم آنذاك.
أقول؛ ومع أنه كان يسير في صحيفته بوعي وبصيرة، فإنها لم تسلم في آخر عامها الثاني من الوقوع في المحذور غير المتوقع، عبر جرأة متزايدة في نقد بعض الهيئات، فكان نصيبها من العقوبة الإيقاف وحظ صاحبها التوقيف ثم الانطواء لمدة عام في صومعة داره في مسقط رأسه؛ شقراء.
وبعد؛ في مجتمعاتنا العربية، هناك شخصيّاتٌ لها تاريخ؛ ماضٍ وحاضر، ولها مجدٌ وإرث، نعايشها يوما بعد يوم، لكننا نادرا ما نفكّر في إنزالها المنزلة التي تناسب مكانتها الرفيعة التي بنتها، أو بتكريمها التكريم الذي يتلاءم وتاريخها، شخصيّاتٌ نقابلها ونتعامل معها ونسمع عنها إذا كانت إدارية أو سياسية، ونقرأ لها إذا كانت رموزا ثقافية، كتّابا أو شعراء أو باحثين، نتحدث داخل مجالسنا عن إنجازاتها ومآثرها، ثم لا نهتم بها إلا بعد أن ترحل ويفوت الأوان بانطفاء ضوئها، ولولا أن في مجتمعنا مؤسساتٍ رسمية ومدنية مثل هذا المهرجان الثقافي تعمل في الوقت المناسب على إبراز مآثرهم والتذكير بهم وهم أحياء، لكان هذا الحكمُ التعميمي هو الأصدق، وما سعد البواردي إلا من هؤلاء.

* إعلامي وباحث سعودي، والكلمة بمناسبة تكريم الأديب السعودي سعد البواردي في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية 29) 17 - 2 - 2014.



يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».


«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه
TT

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً للكتابة، كاشفاً عن معاناته، وتحولاته النفسية والاجتماعية داخل فضاءات مختلفة. وقد تنوعت موضوعات الرواية التونسية بين قضايا الهوية، والعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، مع اعتمادها على تقنيات سردية تعكس عمق التجربة الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، كما برز الاهتمام بالشخصيات الهامشية التي تعيش حالة من الضياع، والتنقل، مما منح الرواية بعداً إنسانياً واقعياً مميزاً.

وفي هذا السياق تندرج رواية «زمن حمودة الأخير»، التي تقدم صورة إنسانية لشخصية حمودة، ذلك الشيخ الذي يجد نفسه في رحلة تيه وترحال بين أمكنة متعددة، فيعيش تجارب مختلفة تكشف هشاشة الإنسان، ووحدته في مواجهة الحياة.

تجليات التيه

يتجلى التيه في رواية «زمن حمودة الأخير» من خلال شخصية حمودة التي تعاني اضطراب الذاكرة، ومرض ألزهايمر، ما جعلها تعيش حالة دائمة من الضياع، وفقدان الإدراك. فقد أصبح يتنقل بين الأمكنة دون وعي كامل بما يفعله، أو بالغاية من تحركاته، فيغادر مكاناً نحو آخر مدفوعاً بذاكرة متآكلة لم تعد قادرة على حفظ تفاصيل حياته، أو ربطه بواقعه. ومن هنا تحول التيه من مجرد حالة نفسية إلى تجربة وجودية يعيشها الجسد، والوعي معاً.

جاء في النص: «خرج مثل هبة الهواء. ولم يلتفت إلى صوت النداء يلاحقه؛ فقد كان صياح الشارع من كل الأصوات. ثم عبر زقاقاً طويلاً لا تذكره إلا قدماه. وكان ذلك الزقاق ينتهي عند محطة سيارات الأجرة، وهي محطة واسعة لا تفصلها عن داره غير مئات الأمتار». ص10.

كان حمودة يتحرك بلا هدف واضح، مدفوعاً بذاكرة متآكلة أفقدته القدرة على التمييز بين الأمكنة والأشخاص. فقد بدا كأنه يسير داخل عالم غامض لا يعرف ملامحه، ويتنقل من فضاء إلى آخر دون أن يدرك حقيقة ما يفعله، أو سبب وجوده في تلك الأماكن.

صور الكاتب حمودة بوصفه شخصية ضائعة فقدت صلتها بالعالم، وبذاتها، فلم تعد قادرة على تذكر تفاصيل حياتها، أو فهم ما يجري حولها، الأمر الذي جعلها تعيش عزلة نفسية عميقة: «حدق حمودة في الوجوه واحداً واحداً، يفتش عن وجه يربطه بما بقي من ذاكرته. تمنى لو عرف واحداً منهم. أعاد النظر مرة بعد مرة، لكنه لم يجد: لا عين تشبه عين أبيه، ولا وجه يذكره بأعمامه، ولا ملامح تلوح فيها أمه. حتى الأبدان بدت غريبة، كأن رأسه المنهك لا يملك لها صورة واحدة يستند إليها». ص56.

وهكذا أصبح التيه جزءاً من تكوينه الداخلي، لا يقتصر على ضياعه في المكان فحسب، وإنما يمتد إلى ضياع الوعي، والهوية، والذاكرة. ومن هنا تحولت الشخصية إلى صورة إنسانية مأزومة تجسد هشاشة الإنسان حين يفقد ذاكرته، وقدرته على الإمساك بحقائق حياته.

ويظهر التيه المكاني من خلال تنقل الشخصية المستمر بين الفضاءات، إذ تبدو الأمكنة غريبة، ومشوشة، ولا تمنحه الإحساس بالأمان، والاستقرار، فالمكان في الرواية صار انعكاساً لفقدان الذاكرة، وتشظي الإدراك، لذلك بدا حمودة كأنه يعيش غربة داخل الأمكنة التي كان يعرفها من قبل.

كما يتجلى التيه النفسي في حالة القلق والتشتت التي تلازم الشخصية نتيجة عجزها عن استيعاب ما يحدث حولها. فقدان الذاكرة جعله يعيش صراعاً داخلياً بين بقايا الماضي، وضبابية الحاضر، الأمر الذي عمّق شعوره بالوحدة، والانفصال عن العالم: «مر صوت بطاقة الهوية بمحاذاة حجر أصم. لم يلتقط الكلمة كاملة، بل التقط منها هوية فقط. عندها ارتج شيء في صدره: أي هوية؟ وأين تحفظ؟ ومن أي جيب تخرج؟ ظل يبكي، لا لأنه اختار البكاء، بل لأن الدموع كانت آخر وثيقة بقيت له حين ضاع الاسم». ص 96.

لقد أصبح عاجزاً عن فهم ما يدور حوله، واستيعاب حقيقة وضعه، الأمر الذي ولد داخله إحساساً بالعجز، والانكسار، كما بدت الشخصية مثقلة بالحيرة، والارتباك، وتتأرجح بين لحظات من التذكر الخافت، وحالات من النسيان التام، فتفقد قدرتها على التواصل الطبيعي مع الواقع، وقد جعل هذا الاضطراب النفسي حمودة يعيش عزلة داخلية عميقة، حيث يتحرك في الحياة بجسد حاضر، ووعي متشتت متشظٍ، حتى غدا أسير ذاكرة تتلاشى شيئاً فشيئاً، وهو ما منح الشخصية بعداً إنسانياً مؤلماً يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الوعي، وتفكك الذات.

البعد الإنساني

يتمثل البعد الإنساني في شخصية حمودة من خلال المعاناة العميقة التي يعيشها إثر تشظي ذاكرته، وفقدانه التدريجي لقدرته على إدراك العالم من حوله، إذ قدمه الكاتب بوصفه إنساناً هشاً يواجه قسوة المرض والعجز في صمت مؤلم. فقد تحولت حياة حمودة إلى رحلة شاقة داخل متاهة النسيان، حيث يبحث فيها عن ذاته، وعن بقايا تفاصيله القديمة التي بدأت تتسرب من ذاكرته دون قدرة على استرجاعها. تكشف الرواية من خلال هذه الشخصية حجم الألم النفسي الذي يرافق الإنسان حين يفقد علاقته بالمكان، والناس، والذكريات.

يظهر البعد الإنساني في حالة الضعف التي تطغى على الشخصية، إذ لم يعد حمودة قادراً على حماية نفسه، أو فهم ما يحدث حوله، الأمر الذي جعله يعيش حالة دائمة من التشتت، والارتباك، والخوف. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه المعاناة بطريقة مؤثرة تجعل القارئ يشعر بعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها الإنسان حين تنهار ذاكرته، ويتحول الماضي إلى صورة مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها، وتعكس الشخصية كذلك حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان، والاحتواء، فحمودة لم يكن يبحث فقط عن مكان يذهب إليه، وإنما كان يبحث بصورة غير واعية عن معنى يربطه بالحياة، وعن شعور يخفف غربته الداخلية.

ومن خلال هذه التجربة قدمت الرواية صورة إنسانية مؤلمة عن الشيخوخة، والوحدة، والانكسار. إذ بدا حمودة نموذجاً للإنسان الذي تبتلعه العزلة تدريجياً، فيجد نفسه عاجزاً عن التواصل مع الآخرين، أو الحفاظ على توازنه النفسي، والاجتماعي. وقد منح الكاتب الشخصية أبعاداً إنسانية عميقة جعلتها تتجاوز حدود التجربة الفردية لتعبر عن مأساة إنسانية عامة تكشف هشاشة الإنسان أمام المرض، والزمن، وتحولات الحياة.

حمودة شخصية تحمل انكسارات داخلية، وأحلاماً مؤجلة، وصراعاً دائماً مع واقع يزداد قسوة. وهو يبدو إنساناً مثقلاً بالتجارب التي صنعت هشاشته النفسية، وأثقلت نظرته إلى العالم، فيتحرك داخل الرواية محاولاً التشبث ببقايا المعنى وسط التحولات التي تفرضها الحياة عليه.

تتجلى رواية «زمن حمودة الأخير» لعباس سليمان بوصفها نصاً إنسانياً استطاع أن يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الذاكرة، وقسوة الزمن، من خلال شخصية حمودة التي تحولت إلى صورة حية للضياع النفسي، والوجودي. فقد نجح الكاتب في تصوير معاناة الإنسان حين يفقد ارتباطه بالأمكنة، والوجوه، والذكريات، فيصبح أسير عالم مضطرب تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويتحول الماضي إلى شظايا متناثرة يعجز الوعي عن الإمساك بها. وقد أبرزت الرواية حالة التيه التي عاشتها الشخصية عبر تنقلاتها المستمرة، وبحثها الدائم عن مكان يحتويها، أو يمنحها الإحساس بالأمان، غير أن هذا البحث ظل مفتوحاً على الفراغ، والقلق، والانكسار.

كما كشفت الرواية أبعاداً إنسانية مؤثرة من خلال تصوير العزلة التي يعيشها الإنسان عندما يتآكل وعيه، وتضعف قدرته على التواصل مع العالم، فتغدو الحياة سلسلة من اللحظات المشوشة التي تفقد معناها تدريجياً. وقد استطاع الكاتب عباس سليمان أن يمنح الشخصية عمقاً نفسياً جعل القارئ يلامس حجم الألم الداخلي الذي يرافق فقدان الذاكرة، فحمودة لم يكن مجرد شخصية روائية تعاني مرضاً عضوياً، وإنما كان تجسيد إنسان أنهكه الزمن، وأفقده توازنه النفسي، والاجتماعي، والوجودي.

اعتمد الكاتب على لغة تأملية، وسرد وصفي دقيق مكنه من نقل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من توتر، وحزن، وقلق، فبدت الرواية فضاء للكشف عن هشاشة الإنسان أمام التحولات القاسية التي قد تسلبه ذاكرته، وهويته، وإحساسه بالحياة. ومن هنا اكتسب النص قيمته الفنية، والفكرية، إذ تجاوز حدود الحكاية الفردية ليعبر عن معاناة إنسانية شاملة ترتبط بالخوف من الفقد، والنسيان، والوحدة.

*كاتبة جزائرية.


لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.