بواردي الحرف

تأثر بالعلامة حمد الجاسر فمشى على خطواته وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه

سعد بواردي
سعد بواردي
TT

بواردي الحرف

سعد بواردي
سعد بواردي

قبل أسابيع، كان لقاء مجلس أمناء مؤسسة العلامة حمد الجاسر الخيرية بولي العهد السعودي بوصفه رئيسا فخريّا له.
ويعرف البواردي في العرف الاجتماعي الشعبي بحامل البندقية.
والواقع أن لدى الأديب سعد البواردي سلاحا أمضى من البنادق، وأبلغ من البارود، وهو سلاح الكلمة، الذي ما انفكّ يرفعه منذ ستة عقود مجاهدا به في وجه كل خلل اجتماعي، سلاح لا تنقصه الصراحة، ولا يصدأ مع الوقت، ولا يتلاشى مع العاطفة، ولا تهزّه أعاصير الإحباط.
من سوء حظ كاتب هذه السطور، أنه زامله في العمل التعليمي والثقافي، لكنه لم ينفتح على أعماق فكره ومكامن شخصيّته ومفاتيحها إلا بعد أن تلاقيا على أديم مجلس حمد الجاسر بندواته ومناسباته، وكانا أقرب ما يكونان صفاء وحميميّة عندما تضمّهما مراكب الرحلات الثقافية، فهنا يتجلّى سعد في مزاج رائق صافٍ، ومجالسة تفيد المرافق، لأديب يجيد الصمت والإنصات، لا يبتذل الطرفة، ولا يهذي بما لا يعرف، يتحدث بعبارة منتقاة موزونة، ولا يُعلّق لمجرّد التعليق، ولا ينتقد من أجل الانتقاد، وهو وطني منصف، طيّب السريرة، لا يصبر على الخطأ والخطل، ويطرب لجمال الطبيعة وحسن التنظيم، وينعكس مذاقه على الهندام والكلام والطعام.
تأثّر - بقصد أو من دونه - بالعلامة حمد الجاسر، فمشى على خطواته، وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه، في وفاء لا يبارى، وتعلّم منه معايير الصراحة ورسالة الصحافة ومسؤولية الكلمة، وقد كانا وُلدا وفي فميهما ملعقتان من عصير الحنظل، في بلدتين متجاورتين ومتطابقتين في الظروف المعيشية (الوشم والسِّرّ) شمال غربي الرياض، وإن كان الأخير (البواردي) على حال نسبيّة من اليُسر، فلقد كان والده منذ مطلع القرن الفائت أميرا لبلدته «شقراء» وشاعرا من شعراء النبط فيها، وقد توفي وسعد لمّا يبلغ الثالثة عشرة بعدُ من العمر.
وكما تنقّل حمد الجاسر بين بلدات السِّرّ والقصيم ثم الرياض فمكة المكرمة، خرج البواردي من شقراء إلى عنيزة بالقصيم ليواصل دراسته فيها ثم انتقل إلى مدرسة دار التوحيد بالطائف، لكن حظهما من التعلّم الذاتي كان أكبر مما اكتسباه من التلقّن والحفظ والترديد، فسار التلميذ بوجه عام - كما سلف - على خطى شيخه الجاسر في أسلوب النشأة، وفي مسلك الدراسة، وفي مسألة الزواج المتأخر، وقادتهما الصدف إلى مصاهرة أسرة بذاتها، ثم بفارق ثلاثة أعوام تماثلا في ممارسة النشر عندما قادا مشعل التنوير الصحافي في محيطيهما في الرياض والخبر، وبلغت التلمذة ذروتها عندما تعاونا معا في معاودة إصدار مجلة «اليمامة» الحالية في ظل مؤسسة اليمامة الصحافية.
واليوم يظل سعدٌ يردّد قول عوف الشيباني «إن الثمانين وبلغتها، قد أحوجت سمعي إلى ترجمان» وهو لمّا يزل يمسك بالقلم في يمينه يواصل المقالة في عدد من المطبوعات، ويصدح بلسانه في كل مهرجان يعنيه، ويلتزم بحرية تعبير منضبطة سار عليها منذ اليوم الأول من صدور صحيفته «الإشعاع».
كان سعد من أجل طلب الرزق قد نزح من شقراء إلى مدينة الخبر في المنطقة الشرقية مرورا بالأحساء، ليعمل بالتالي في متجر لأدوات السيارات جامعا بين الوظيفة والهواية، وقد بدأ يمارس الكتابة في «يمامة» الجاسر و«أخبار الظهران» للجهيمان والملحوق وفي صحيفة «البلاد السعودية» التي كان يرأس تحريرها عبد الله عريف، ثم صار - بانتظام وبإنتاج غزير إلى اليوم - يكتب نثرا وشعرا مرة باسمه الصريح ومرّات بأسماء مستعارة، بحسب طبيعة الموضوع.
كانت الرياض العاصمة (1952) أسبق من شرق السعودية بسنتين في إصدار المطبوعات الصحافية، باستثناء صحف أرامكو «مجلة قافلة الزيت»، والصحيفة الإنجليزية «الشمس والوهج». لكن المنطقة الشرقية ما إن بدأت فيها جريدة «أخبار الظهران» لعبد الكريم الجهيمان حتى تسابق صدور المجلات فيها، فلحقت بها صحيفة «الفجر الجديد» ليوسف الشيخ يعقوب، ومجلة «الإشعاع» لسعد البواردي، ثم مجلة «الخليج العربي» من الأحساء ثم «الخبر» لعبد الله شباط، وانتهاء بمجلة «مارد الدهناء» من سكة الحديد.
كان لافتا للنظر في عهد الملك سعود في الخمسينات تسارعُ صدور المطبوعات الصحافية في المناطق السعودية الثلاث؛ الوسطى والغربية والشرقية، وإن كانت السمة الغالبة عليها ضعف الإمكانات المادية والفنية، لكنها تميّزت بمستوى من الحريّة النسبية في ممارسة النقد الاجتماعي، وهي ظاهرة صحيحة إلى حدٍ ما لكنها جعلت معظم الصحف - و«الإشعاع» من بينها - تدفع الثمن من أجلها بأنواع مختلفة من الإجراءات المشددة، وقد دفع ضعف الصحف بالحكومة في عام 1963 بُعيد إنشاء وزارة الإعلام، لتغيير نظام الصحافة مما كان يطلق عليه عُرفا عهد الأفراد إلى ما سمي صحافة المؤسسات الأهلية.
وكان لافتا للنظر ثانيا، أن المنطقة الشرقية التي أنجبت هذا العدد من ال مطبوعات الصحافية في الخمسينات قد انكفأت فيها الصحافة في العقود اللاحقة مكتفية بصحيفة «اليوم» وبمجلة «الشرق» التي تحوّلت مؤخرا إلى جريدة يومية، في حين حافظت صحافة أرامكو على مكانتها.
أصدر سعد البواردي مجلة «الإشعاع» الأدبية الاجتماعية الشهرية في سبتمبر (أيلول) 1955 من مدينة الخبر شرق السعودية واستمرت عامين صدر منها خلالهما ثلاثة وعشرون عددا جمعها مؤخّرا في مجلد واحد، مجلة قاسمت سعدا حلاله وراحته، لكنها - باستقطابها أسماء لامعة وبثباتها على منهج من الصراحة والشفافية - سجلت نفسها علامة مضيئة من علامات النهضة الفكرية في شرق السعودية، وسجلت صاحبها ورئيس تحريرها ضمن قائمة أبرز الروّاد في عالم الأدب والصحافة في المنطقة ذاتها، من أمثال عبد الله شباط ويوسف الشيخ يعقوب وشقيقه أحمد وعبد الكريم الجهيمان وعبد الله الملحوق وخليل الفزيع ومحمد أحمد الفقي وعبد الله الجشّي وخالد الفرج ومحمد سعيد المُسْلِم وعباس خزام وسعيد البريكي وموسى آل الشيخ حسّان وعبد الرحمن العُبيّد وموسى الشيخ علي ومحمد سعيد الخنيزي وأخيه عبد الله وحسن الشيخ فرج وعبد المحسن الخنيزي ومهدي الشمّاسي وعبد الجليل السيف وعبد الوهاب المجمّر وعلي باقر العوّامي وأخيه حسن، ومنهم من كتب بأسماء مستعارة مثل غازي القصيبي الذي نشر قصائده في تلك الفترة تحت اسم محمد العليني، ويمكن أن يضاف إلى تلك القائمة عبد الله بن خميس وزملاؤه الذين أصدروا العدد اليتيم من مجلة «هجر» بالأحساء (1956م) وذلك فضلا عن صحافيي أرامكو وعموم الأدباء وأرباب القلم، والصحافيين الآخرين المهاجرين من أبناء القطيف (كسلمان الصفواني).
لم يكن يدور في خلد البواردي عندما جاء إلى الخبر وعمره في منتصف العشرينات، أنه سيلج إلى عالم الصحافة ولو من نافذتها، مقتفيا أثر أستاذه الجاسر في الرياض ونهج صديقه الجهيمان في الظهران، لكن التجربة بتحدّياتها كانت قد انغرست في ذهنه، وهواجس الكتابة الصحافية كانت تدغدغ خياله، فنجده يستجيب لاقتراح من يوسف الشيخ يعقوب - الذي تعرّضت صحيفته «الفجر الجديد» للإيقاف - بأن يصدر البواردي صحيفة بديلة، جاعلا اسمها «الإشعاع» الذي ينبثق عن الفجر عند انبلاجه.
صمدت «أخبار الظهران» ومجلة «الإشعاع» سنوات قليلة في منتصف الخمسينات، مشكّلتين علامتين بارزتين تُذكران كلما ذُكرت الصحافة الأهلية في عنقود مدن المنطقة الشرقية (الدمام والخبر والظهران) ومنبرين للرأي النزيه الشفّاف، ضمن محيط تتلاطم فيه فورات الشباب المتحمس من عمّال أرامكو وغيرها، الذين أوقدت فيهم التقلبات السياسية في المنطقة العربية رغبة استباق التغيير وطيش التقليد غير المدروس.
ومع أن الشاب المتحمّس المستنير سعد البواردي المتسلّح بالحرف والكلمة شعرا ونثرا الذي ولج عالم الصحافة مبكرا، كان يعي بتبصّر، مخاطر اللعبة الصحافية منذ بداياتها، حيث افتتح مجلته «الإشعاع» بالعزم على «ألا تكون الصحيفة بوقا ولا مزمارا تدوّي منه صرخات عقيمة، وأن الصحيفة لن تتّخذ من لغة السباب والتهكّم أسلوبا تلج منه إلى قلب القارئ الساذج». وطرق في العامين اللذين أصدر فيهما الصحيفة مواضيع اجتماعية حساسة في معيار تلك الحقبة، ليس أقلها الدعوة إلى تعليم الفتاة، الموضوع الذي اكتوى به كثير من حملة القلم آنذاك.
أقول؛ ومع أنه كان يسير في صحيفته بوعي وبصيرة، فإنها لم تسلم في آخر عامها الثاني من الوقوع في المحذور غير المتوقع، عبر جرأة متزايدة في نقد بعض الهيئات، فكان نصيبها من العقوبة الإيقاف وحظ صاحبها التوقيف ثم الانطواء لمدة عام في صومعة داره في مسقط رأسه؛ شقراء.
وبعد؛ في مجتمعاتنا العربية، هناك شخصيّاتٌ لها تاريخ؛ ماضٍ وحاضر، ولها مجدٌ وإرث، نعايشها يوما بعد يوم، لكننا نادرا ما نفكّر في إنزالها المنزلة التي تناسب مكانتها الرفيعة التي بنتها، أو بتكريمها التكريم الذي يتلاءم وتاريخها، شخصيّاتٌ نقابلها ونتعامل معها ونسمع عنها إذا كانت إدارية أو سياسية، ونقرأ لها إذا كانت رموزا ثقافية، كتّابا أو شعراء أو باحثين، نتحدث داخل مجالسنا عن إنجازاتها ومآثرها، ثم لا نهتم بها إلا بعد أن ترحل ويفوت الأوان بانطفاء ضوئها، ولولا أن في مجتمعنا مؤسساتٍ رسمية ومدنية مثل هذا المهرجان الثقافي تعمل في الوقت المناسب على إبراز مآثرهم والتذكير بهم وهم أحياء، لكان هذا الحكمُ التعميمي هو الأصدق، وما سعد البواردي إلا من هؤلاء.

* إعلامي وباحث سعودي، والكلمة بمناسبة تكريم الأديب السعودي سعد البواردي في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية 29) 17 - 2 - 2014.



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.