ابن سينا.. هاجمه الغزالي بعنف ثم كفره الفقهاء اللاحقون

اضمحل تأثيره في العالم العربي بعد الدخول في عصر الانحطاط

ابن سينا
ابن سينا
TT

ابن سينا.. هاجمه الغزالي بعنف ثم كفره الفقهاء اللاحقون

ابن سينا
ابن سينا

هو الشيخ الرئيس علي بن سينا أحد كبار فلاسفة العرب والإسلام. إنه من النوابغ الذين لا يجود بهم الزمان إلا قليلا. ومعلوم أنه ولد عام 980 م بالقرب من بخارى، أي في أوزبكستان الحالية. ولكن المنطقة آنذاك كانت تابعة للعالم الإيراني لغويا وثقافيا وحضاريا. والدليل على ذلك أن اللغة الأم لابن سينا كانت الإيرانية لا العربية. فيما بعد نبغ في العربية ودبج معظم مؤلفاته. وعندما ولد كان الفكر في المشرق الإسلامي في حالة غليان فكري. فعالم الكلام الكبير الأشعري مات عام 935 ولكن المناقشات الكبرى التي دشنها لم تمت بموته.
وأما الفيلسوف الكبير الفارابي الملقب بالمعلم الثاني على أثر أرسطو فقد مات عام 950 أي قبل ميلاد ابن سينا بثلاثين سنة فقط. وأما المعري فقد ولد في نفس الفترة عام 973 عبقريان في نفس اللحظة! بعدئذ تعلم ابن سينا العربية لغة الإسلام والقرآن وبرع فيها إلى حد الإتقان الكامل. بل ووضع فيها معظم مؤلفاته كما ذكرنا آنفا وإن كان قد كتب بالفارسية أيضا.
ثم انهمك في دراسة مؤلفات المعلم الثاني. وبالتالي فإن الفارابي مهد له الطريق. ومعلوم أن ابن سينا حاول قراءة كتب الميتافيزيقيا لأرسطو مرارا وتكرارا دون أن يستطيع فهمها أو الولوج إليها. ولولا أنه وقع على شرح الفارابي صدفة لظل عاجزا عن الفهم. ولهذا السبب فإن قراءة كتب الفارابي كانت بمثابة الصدمة المعرفية أو الاكتشاف الكبير بالنسبة له. وهو يعترف بفضله الكبير عليه. وقد أصبح ابن سينا لاحقا المعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي.
كان ابن سينا متفتح المواهب والعبقرية منذ صغره. بل وإن عبقريته كانت صارخة متفجرة لا تناقش ولا ترد. وقد درس العلوم الطبيعية والطب وهو في الرابعة عشرة فقط. وعندما أصبح في السادسة عشرة كانت شهرته كطبيب قد طبقت الآفاق! وبما أنه استطاع أن يشفي أحد الأمراء السامانيين من مرض خطير، فإن هذا الأخير أعطاه مفاتيح مكتبته في القصر الملكي لكي يطلع على ما تحتويه من مؤلفات وذخائر. وهذا كل ما كان يطلبه لأنه كان نهما لا يشبع من المعرفة ومطالعة الكتب. وكما قال الأثر: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال.
ويقال بأنه أصبح ملمًا بكل العلوم المعروفة في عصره وهو في الثامنة عشرة فقط. لقد ختم العلم قبل هيغل. واستطاع تأليف أول كتاب فلسفي له وهو في الحادية والعشرين. ثم اضطر إلى الدخول في إدارة الدولة كموظف بعد وفاة والده الذي كان يصرف عليه حتى ذلك الوقت. وقد قسم ابن سينا وقته إلى قسمين: في الليل كان يطالع الكتب ويحضر نفسه للأيام القادمة والمؤلفات الكبرى، وفي النهار كان يشتغل في قصر الأمير كمستشار أو كموظف إداري مرموق. هذا وقد أصبح ابن سينا وزيرا عدة مرات، وأصبح نفوذه كبيرا إلى درجة أنه أثار الغيرة والحسد من حوله كما حصل للمتنبي سابقا في بلاط سيف الدولة. ولذلك قال نيتشه عبارته الشهيرة: «ينبغي أن نحمي الأقوياء من الضعفاء، أي العباقرة من التافهين».
هذا وقد تعرض ابن سينا للملاحقات من قبل أعدائه بل ودخل السجن أكثر من مرة. وبالتالي فيمكن أن نقول دون تردد: نعم لقد دفع ابن سينا ثمن عبقريته غاليا. فقد عاش حياة التخفي والسرية ضمن ظروف مادية صعبة. وهذا ما حصل للمتنبي والمعري وجان جاك روسو وفيكتور هيغو ومعظم عباقرة الغرب والشرق. هذه هي ضريبة العبقرية والمجد.
ولم يكن يكسب عيشه إلا من استشاراته الطبية ومعالجاته لهذه الشخصية الهامة أو تلك. وأحيانا كثيرة كان يعالج الفقراء مجانا. وهنا تكمن إنسانيته وعظمته. وكانت حياته متنقلة، متقلبة، حيث كان يسافر من مكان إلى آخر هربا من الأعداء أو ترجيا للقاء الأصدقاء. كان دائما على سفر. وفي عام 1023 التجأ إلى بلاط أمير أصفهان، حيث لقي بعض الطمأنينة وعاش حياة هادئة نسبيا طيلة أربعة عشر عاما. وفي عام 1037 مات ابن سينا بشكل مباغت من مرض في الأمعاء عندما كان يرافق أميره في حملة عسكرية ضد همدان. فهل سموه يا ترى؟ هل دسوا له السم في الطعام أو في الشراب كما حصل لديكارت لاحقا؟ سؤال لا يمكن تحاشيه ولا البرهنة عليه في الوقت ذاته. من النادر أن يعيش العباقرة أو يموتوا بشكل طبيعي.. ولكن مما يؤخذ عليه أنه كان مغرما بالنساء وعاشقا لا يشق له غبار.
أما كتاب «القانون في الطب» فيحتوي على كل المعلومات المتوافرة في عهده عن علم الطب. ولكنه أغناها بواسطة ملاحظاته الشخصية وتجربته الطويلة في ممارسة التطبيب وشفاء الناس. ولابن سينا كتابات أخرى عن مواضيع متفرقة. وفلسفته تقع على مفترق الطرق بين الفكر الشرقي والفكر الغربي. فهو كمسلم كان يؤمن بالعقائد الأساسية للإسلام والقرآن ولكن دون حشو أو تقعر وتزمت.
وهو كفيلسوف كان مطلعا بشكل وثيق على الفكر اليوناني ومعجبا به. وقد حاول التوفيق بينه وبين العقيدة الإسلامية. وبالتالي فهو مسلم ليبرالي أو تنويري قبل الأوان. وقد كان تأثيره كبيرا على المشرق الإسلامي سواء أكان عربيا أم إيرانيا.
فكل الفلسفة الإشراقية التي ازدهرت في إيران مثلا هي من صنعه أو تابعة له. ولكن الغزالي هاجمه بعنف في كتابه «تهافت الفلاسفة» واتهمه بالخروج على بعض العقائد الإسلامية. ثم كفره الفقهاء اللاحقون على أثر الغزالي كما كفروا معظم عباقرة العرب والإسلام. ولا يزال سيف التكفير مسلطا على رؤوس المثقفين العرب حتى اللحظة. وبالتالي فقصة التكفير قديمة جدا وليست حديثة العهد. من هنا صعوبة مواجهتها. ألم يكفر يوسف القرضاوي، الأب الروحي للإخوان المسلمين، الناقد الشهير رجاء النقاش؟ ألا يحاول حاليا بكل قواه عرقلة نهضة مصر وإعادتها إلى الوراء؟ هكذا نلاحظ أن العصور الانحطاطية حاقدة على العصور الذهبية للحضارة العربية الإسلامية. ولهذا السبب فإن تأثير ابن سينا اضمحل في العالم العربي بعد الدخول في عصر الانحطاط.
على العكس من ذلك فإن تأثيره في الغرب اللاتيني المسيحي كان كبيرا في وقت من الأوقات. وهذه هي الكارثة: نحن نحتقر عظماءنا وعباقرتنا وهم يمجدونهم ويستفيدون منهم ويبنون عليهم. لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عرف السبب بطل العجب.. بل وسبق ابن سينا تأثير ابن رشد إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبقية أنحاء أوروبا. ولكن نفوذ ابن رشد تغلّب عليه لاحقا.
والواقع أنهم ابتدأوا يترجمون مؤلفات ابن سينا إلى اللغة اللاتينية منذ القرن الحادي عشر الميلادي. ثم استمرت عملية ترجمته لفترة طويلة لاحقا. وكان ذلك في مدينة طليطلة، حيث تأسست مدرسة كبيرة للترجمة من العربية إلى اللاتينية. وفيها نقلوا مؤلفات علماء العرب وفلاسفتهم إلى اللغة اللاتينية. ومعلوم أن اللغة العربية كانت لغة العلم والفكر في كل أنحاء أوروبا المسيحية في ذلك الزمان. من كان يعرف العربية آنذاك كان كمن يعرف الإنجليزية اليوم. كانت لغة العولمة الحضارية إذا جاز التعبير. نعم لقد ترجموا كتب الكندي، الفيلسوف العربي الأول، وكتب الفارابي، وكتب ابن سينا، وكتب الغزالي الذي ظنوه فيلسوفا أو مؤيدا للفلسفة. لماذا؟ لأنهم اطلعوا على «مقاصد الفلاسفة» لا على «تهافت الفلاسفة»، ففاتهم أنه عدو لدود للفلسفة.
ومعلوم أنه استعرض في الكتاب الأول نظريات الفلاسفة بشكل موضوعي دقيق إلى درجة أن القارئ يتوهم أنه من أتباعها! وهو في الواقع ما استعرضها إلا لكي يهشمها لاحقا في الكتاب الثاني ويدشن بذلك عصر الانحطاط الكبير. فلم تقم للفلسفة قائمة في أرض الإسلام بعدئذ. وبالتالي فمسؤولية الغزالي جسيمة بهذا الصدد. ثم تلاه الفقهاء اللاحقون. وكانت النتيجة كارثة. كانت النتيجة كل هذا الوباء الداعشي الذي نشهده اليوم.
ثم ابتدأ المسيحيون الأوروبيون بعدئذ يترجمون كتب ابن رشد بعد ابن سينا وليس قبله. ومعلوم أن ترجمتهم لابن سينا تركزت على كتاب «الشفاء» بكل أجزائه عن المنطق، والفيزيقا، والميتافيزيقا، إلخ. وعلى هذا النحو تشكل تيار فكري تابع لابن سينا في جامعات الغرب المسيحي.
ومعلوم أن ابن سينا كان أقرب فكريا إلى أفلاطون ومثاليته الروحانية من أرسطو. وبالتالي فكان من السهل أن يقيموا مصالحة بين فكره وبين فكر كبار متصوفة المسيحية وعلمائها. ولكن تأثير ابن رشد غطّى عليه فيما بعد لأن الفلسفة الرشدية كانت تبدو أكثر عقلانية وواقعية - أو أقل شطحات خيالية - من فلسفة ابن سينا. أقول ذلك بتسرع شديد وربما بإجحاف.
ولكن ينبغي الاعتراف بأن ابن رشد كان من جماعة أرسطو لا من جماعة أفلاطون. ولذا أصبح تلامذة ابن رشد في جامعات السوربون، وأكسفورد، وبولونيا بإيطاليا وبدوا أكثر عددا بكثير من تلامذة ابن سينا. ولكن يبقى صحيحا القول بأن الأسماء الكبرى للفلسفة الإسلامية التي نقلت إلى أوروبا كانت هي: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن الطفيل، وابن رشد. هؤلاء هم الذين نقلت مؤلفاتهم أو قسم كبير منها إلى اللغة اللاتينية. وبناء عليها أسست أوروبا نهضتها المقبلة وسبقت العرب بسنوات ضوئية.. وبالتالي فنحن إذ نأخذ عنهم وعن فلاسفتهم الآن يمكن أن نصرخ قائلين: هذي بضاعتنا ردت إلينا!



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».