خفوت الأضواء في المقر الرئيسي للائتلاف السوري يعكس مصاعب المعارضة

المالح لـ {الشرق الأوسط} : ترتيبات كثيرة في مواقع مختلفة لمرحلة ما بعد الأسد

أحد الثوار السوريين يعد مدفع هاون في مواجهة جيش النظام في دمشق أمس (غيتي)
أحد الثوار السوريين يعد مدفع هاون في مواجهة جيش النظام في دمشق أمس (غيتي)
TT

خفوت الأضواء في المقر الرئيسي للائتلاف السوري يعكس مصاعب المعارضة

أحد الثوار السوريين يعد مدفع هاون في مواجهة جيش النظام في دمشق أمس (غيتي)
أحد الثوار السوريين يعد مدفع هاون في مواجهة جيش النظام في دمشق أمس (غيتي)

من بين عشرات الفيلات المنيرة في ضاحية التجمع الخامس جنوب شرقي القاهرة، توجد واحدة يتردد عليها بعض اللاجئين السوريين في مصر، من بينهم أستاذ جامعي في الستين من عمره يتوكأ على عصا، يدعى محمود حسام الدين. تقع الفيلا في مواجهة المجمع التجاري المعروف باسم «داون تاون»، وتحمل رقم 306. لكنها أصبحت، كما يبدو للوهلة الأولى، تفتقر للحياة والأضواء، ولا تظهر عليها إشارة تذكر تنم عن أهميتها.
إنها المقر الرئيسي لـ«الائتلاف السوري» الذي يدير، مع قوى معارضة أخرى، معارك سياسية وعسكرية ضد نظام الرئيس بشار الأسد. وبدلا من الاجتماع في هذه الفيلا، عقدت الأطراف الفاعلة من قيادات المعارضة، وفي القلب منها الائتلاف، اجتماعا للتوافق في ما بينها في بروكسل، ثم اجتماعا آخر في إسطنبول لانتخاب قادة الائتلاف قبل أيام. إذن لماذا لم تعقد في القاهرة؟ رغم كل شيء توجد حسابات سياسية، ورغم كل شيء توجد خيوط من الضوء في نهاية النفق.
طوال الشهور الأخيرة لم يتمكن كل من رئيس الائتلاف المعارض الدكتور خالد خوجة، ونائبه الدكتور هشام مروَّة، من الحصول على تأشيرة لدخول مصر. وفي رده على أسئلة «الشرق الأوسط» يقول هيثم المالح، الذي يشغل موقع رئيس الدائرة القانونية في الائتلاف نفسه، إنه يوجد اعتقاد بأن الرجلين من جماعة الإخوان، مشيرا إلى أن هذا الزعم غير دقيق.
اليوم اضطر مديرو مقر القاهرة لإطفاء مصابيح الطابق الأخير وتسليمه للمالك، لكن يبدو أن هناك بارقة أمل يمكن أن تنعش المعارضة بعد ظلال من التوافق بدأت تلوح على الأطراف المناوئة لحكم الأسد. يلخص المالح جملة المشاكل التي تسببت في عرقلة عمل المعارضة في الفترة الأخيرة. أولا: هناك بعض الجهات المانحة أخذت في توجيه الدعم بشكل مباشر للمقاتلين على الأرض. ثانيا: ضعف التمويل نفسه. ثالثا: الخطر على معارضي الداخل من بطش النظام.
كان يفترض أن يأتي خوجة ونائبه للقاهرة للالتحاق باجتماعات المعارضين السوريين، طوال الشهور الماضية، لكن هذا كان غير ممكن. ويقول المالح إزاء هذا إن الائتلاف لن ينقل مقره من القاهرة، لكنه، كما أخبر المسؤولين المصريين وقتها، لن يتمكن من عقد اجتماعاته في مصر من دون القيادات الأخرى له.. «أنا أخبرتهم بذلك». ورفض مصدران مصريان في الرئاسة والخارجية التعليق على هذه المسألة.
على أي حال.. رغم عدم وجود حسم لبعض الملاحظات التي أبدتها أطراف في اجتماع بروكسل، فإن أحد ممثلي «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي»، وهي كيان سوري معارض تأسس أواخر عام 2011، يقول إن التوافق الأخير بين «الهيئة» و«الائتلاف» انصبَّ على «تشكيل هيئة حكم انتقالية»، مشيرا إلى أن هذا جرى برعاية أوروبية، ومن شأنه أن يوحد المعارضة ويحسن من قدراتها، لكن توجد مخاوف من ظهور خلافات جديدة، فالنظام ومن يساعده - أي إيران- لن يتوقف عن محاولات دق الأسافين بين مناوئيه.
في كثير من الأحيان يمكن أن تلاحظ أن الخلافات شكلية. مثلا أحد قيادات هيئة التنسيق لم يكن معترضا على ما جاء في الاجتماع، لكنه تحفظ على عقده في بروكسل. يقول المالح عن الاجتماع الأخير بين «هيئة التنسيق» و«الائتلاف» إنه خرج بمشروع اتفاق، بيد أنه يضيف متشككا: «للأسف الشديد المشكلة في المعارضة السياسية السورية، من بعد الثورة، هي أنه دائما هناك انقسامات».
وفي القاهرة، يحرك الدكتور حسام الدين عكازه ثم يرفعه وهو يشير إلى واجهة الفيلا. يشعر بتغير الملامح العامة للمبنى حين زاره قبل يومين. يقول إنه «أصبح مثل البيت الذي يستعد سكانه للرحيل». يأتي هذا بعد نحو خمس سنوات من العمل ضد نظام الأسد. مرت هذه السنوات ما بين اتفاق وخلاف، إلى أن جرى اجتماع بروكسل الذي وصفه المالح، رغم كل شيء، بأنه «خطوة متقدمة في ما يتعلق بالمعارضة السورية».
ويوجد في مصر وفي دول الجوار وعدد من دول العالم ملايين اللاجئين السوريين الذين ينتظرون بفارغ الصبر، وفي ظروف مأساوية، انتهاء الفوضى التي تضرب بلادهم منذ التحقت بما يعرف بـ«الربيع العربي». ويعول هؤلاء على قدرة المعارضة على الحسم والتخلص من نظام الأسد. وبالنسبة للدكتور حسام الدين فقد أنفق مدخراته، ولم تعد له غير أمنية واحدة، أن يجمع شمل أسرته. له ولدان مصابان في الحرب ويعالجان في الأردن. وابنتاه مع زوجته التي تعيش مع شقيقها بمدينة الإسكندرية (200 كيلومتر غرب القاهرة) أما هو، وتخفيضا للنفقات، فيسكن مع أقاربه في ضاحية الرحاب القريبة من مقر الائتلاف.
وبينما يراقب الرجل، مثل باقي السوريين، المتغيرات السياسية الجارية سواء داخل المعارضة أو في مواقف دول العالم، يستعد خوجة وعدد من قادة الائتلاف لتلبية دعوة من موسكو للسفر إليها خلال أيام. ويقول المالح عن هذه الزيارة المرتقبة إن «هناك ترتيبات جديدة في ما يتعلق بمستقبل سوريا بعد بشار الأسد. أتصور أن العالم الآن أدرك أن الأسد والعصابة الحاكمة لا بقاء لهم في سوريا، ولذلك هناك ترتيبات كثيرة في مواقع مختلفة لما بعد الأسد».
هل توجد مؤشرات على الأرض بشأن قرب نهاية نظام دمشق؟ يجيب العميد مثقال النعيمي، من القيادة المشتركة للجيش الحر، عن أسئلة «الشرق الأوسط» في مقابلة معه جرت منذ نحو شهر، قائلا إن قوات الأسد في حالة انهيار يتزايد يوما بعد يوم. ويوضح: «بشكل عام ملخص الوضع على الأرض هو أن قوات النظام في حالة انهيار معنوي واضح.. لديه نقص في الذخيرة والمقاتلين. لم تعد لديه الإمكانية حتى للقتال الدفاعي.. جيش النظام يعاني من سوء الحالة المعنوية ومن الملل».
الضباط الذين يقودون المقاتلين على الأرض، مثل الكثير من السياسيين، يدركون أن المتغيرات الدولية ربما لن تكون في صالحهم على المدى البعيد. ويشير أحد قادة المعارضة في هذا الصدد إلى أن الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الكبرى، سيستفيد منه نظام الأسد.. «لذلك يوجد إدراك من الجميع أنه لا بد أن نسارع الخطى لتوحيد الصف وتشكيل كيان موحد للحصول على الدعم من أصدقاء الشعب السوري سواء من العرب أو من دول العالم». ويضيف: «يمكن القول إنه أصبحت لدينا رؤية مشتركة قادرة على التمهيد لاستئناف العملية السياسية سواء برعاية الأمم المتحدة أو غيرها».
كانت أيام العيد قد مضت دون أن يتمكن الدكتور حسام الدين من تهنئة أسرته ولو بالهاتف. الأموال شحيحة. وبالنسبة له لا يمكن الوثوق بوجود حل قريب.. «سمعنا عن هذا مرات ومرات. والنتيجة مزيد من القتلى والمشردين». وبعد لحظات من الصمت يرفع عكازه ناحية مقر الائتلاف، ويقول: «هذا المبنى يتآكل.. عدد موظفيه في تناقص. هل هذا وضع يعكس بارقة أمل؟ لا أعتقد، لكن ليس أمامي إلا الرجاء».
أيا كان الأمر فقد تحولت الفيلا، في عيون زوارها من اللاجئين والمعارضين السوريين، إلى مكان شبه مهجور، بعد أن كانت محاطة بالأضواء المبهرة وتعج بالنشاط قبل عام من الآن. على سبيل المثال اضطر الائتلاف، الذي تأسس في خريف 2012 من مجموعات معارضة، ويحظى باعتراف عربي ودولي كممثل للشعب السوري، إلى تسريح المئات من موظفي مكاتبه حول العالم.
يوضح أحد مسؤولي مقر القاهرة: «منذ أكثر من ثلاثة أشهر أصبحت توجد صعوبات مالية يمكن أن تؤدي إلى غلقه أو استبداله بمكان أصغر. بدأ النشاط في الفيلا قبل عامين بنحو 40 موظفا، وانخفض إلى 15 موظفا. ثم أصبح العدد الآن لا يزيد على 7 موظفين فقط. جرى تسليم الطابق الثالث لمالك الفيلا. وقد يستعين الائتلاف بشقة صغيرة». ويضيف: «يمكن أن تعود الروح للمكان إذا جرت تغييرات ذات شأن بعد اتفاق بروكسل. نأمل في أن يكون لدينا صوت واحد وموحد للمعارضة».
ويقول المالح إن مقر الائتلاف في القاهرة ومقرات الائتلاف حول العالم تعاني بالفعل من ضائقة مالية ومن تقليص لعدد الموظفين، وغير ذلك، مشيرا إلى وجود جهتين تقدمان الدعم للائتلاف.. «الجهة الأولى: الحكومات الصديقة للشعب السوري. والجهة الثانية: ممولون سوريون من رجال الأعمال»، لكنه يضيف أنه «من حيث المبدأ لا أستطيع أن أقارن أصدقاء بشار الأسد بأصدقاء الشعب السوري.. أصدقاء الأسد يضخون المال والسلاح بلا حساب. في حين أن أصدقاء الشعب السوري يفتحون الصنبور بالقطارة».
يبدو هنا أنه توجد مشكلة. فقد كان الدعم يوجه للائتلاف، وهذا يقوم بدوره بتوجيه الدعم إلى المقاتلين في الداخل، باعتبار أنه «جهة سياسية ومظلة للثورة السورية»، كما يقول المالح. والمتغير الذي حدث هو أن عدة جهات مانحة بدأت في توجيه الدعم بشكل مباشر إلى المقاتلين في الداخل. يوضح: «ما حدث أن دولا وجهات متعددة اتصلت مباشرة بالقوى المقاتلة على الأرض، وكل قوة أخذت حصة من هذه الدول أو الجهات. التواصل بين الدول والمقاتلين على الأرض كان خطأ كبيرا».
وعما إذا كانت الخلافات لها سبب مباشر أو غير مباشر في نقص التمويل المقدم للمعارضة، يقول: «ليس سببا مباشرا. بالعكس تماما. لو أصدقاء الشعب السوري وجهوا الدعم لجهة واحدة فسيجتمع الآخرون تحت ظل هذه الجهة».
وتأتي مثل هذه المواقف في سياق يتعلق بحالة من الارتباك والضنك، وهو أمر يلاحظه أيضًا العديد من اللاجئين والمعارضين السوريين الذين يترددون على الفيلا رقم 306 بين وقت وآخر، مثل الدكتور حسام الدين، الذي يقول، تحت أضواء المقر الخافتة وهو ينهض مستندا على عكازه: «حتى مسألة إعداد كوب شاي للضيف تؤشر إلى وجود أمر غير طبيعي. فقر، وخوف، لكن ما زال لدينا أمل في المستقبل».



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.