أزمة الكهرباء «تصعق» الإسلام السياسي في العراق

المظاهرات أوضحت عجز الأحزاب الدينية في إدارة الدولة

أزمة الكهرباء «تصعق» الإسلام السياسي في العراق
TT

أزمة الكهرباء «تصعق» الإسلام السياسي في العراق

أزمة الكهرباء «تصعق» الإسلام السياسي في العراق

للمرة الأولى منذ 12 عاما وهو عمر حكم الإسلام السياسي في العراق بنسختيه الشيعية والسنية يواجه أزمة يبدو عنوانها الأكبر خدميا وملخصها النقص الفادح في الكهرباء رغم إنفاق عشرات مليارات الدولارات لكنها تتلخص بعدم وجود رؤية لبناء دولة بدت منذ البداية هجينة نصفها إسلامي «شيعي - سني» ونصفها الآخر «مدني ديمقراطي كردي - علماني».
أزمة هذه الدولة بدأت مع الدستور الذي يعترف الجميع إنه كتب على عجل (عام 2005) والذي جرى فيه تلفيق مواد فيها الكثير من أوجه التناقض بين بناء دولة بتشريعات قانونية لا تتناقض مع ثوابت الشريعة الإسلامية مرة ولا تتناقض مع الديمقراطية مرة أخرى. وفي غياب الشريك السني سواء في تسلم السلطة بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 أو خلال كتابة الدستور فإن التحالف الشيعي - الكردي الذي تأسس قبل إسقاط نظام صدام حسين من قوى متناقضة في التوجهات والأفكار والسياسات وهي الأحزاب الكردية العلمانية والأحزاب الشيعية الإسلامية ولا يجمعها سوى هدف واحد هو إسقاط النظام السابق.
وحيث إن نظام صدام حسين لم يسقط على أيدي هذه الأحزاب والقوى بل عبر الاحتلال الأميركي المباشر فإن شهر العسل بين القوى التي كان يجمعها ذلك الهدف المشترك انتهى منذ سنوات لكن لا أحد يريد إعلان نهايته لأنه عنوان آخر من عناوين التشبث الشكلي بسلطة لم تكن تواجه غضب الناس من حيث نقد جوهر شعاراتها وأهدافها وهو ما مثل إحراجا حتى لأعلى المؤسسات الدينية في البلاد بمن في ذلك المرجعية الشيعية العليا هذه المرة. فأزمة الكهرباء التي بدت أول الأمر قضية إجرائية تتعلق بمجرد فساد حكومي يمكن معالجته باستجواب وزير أو حتى إقالته تحولت اليوم مع استمرار المظاهرات إلى مواجهة قابلة للتفاعل والاحتدام أكثر بين مختلف أطراف السلطة وبين المتظاهرين مع محاولات الكثيرين من القيادات السياسية المتهمة هي ذاتها بالفساد ركوب موجة المظاهرات من أجل حرف مسارها.
وفي الوقت الذي تبدي فيه جهات كثيرة، سياسية ودينية، مخاوفها من إمكانية تسييس المظاهرات إلا أن هذه المظاهرات وإن بدت موجهة على المستوى الإجرائي ضد الحكومة فإنها «صعقت» في الدرجة الأولى الإسلام السياسي في العراق، وفي هذا السياق اعترف حزب الدعوة الذي يقود الحكومة منذ عشر سنوات (حكومة إبراهيم الجعفري 2005 - 2006 وحكومتا المالكي 2006 - 2014 وحكومة حيدر العبادي 2014 وحتى اليوم) بأن هناك جهات علمانية تحاول إسقاط الإسلاميين.
القيادي البارز في حزب الدعوة وعضو البرلمان العراقي علي العلاق الذي يعد من أبرز المؤيدين داخل الحلقة الضيقة للدعوة لرئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي قال في تصريحات تلفازية له إن «الحكومة مكونة من اليساري والعلماني والإسلامي وغير ذلك من الاتجاهات»، مضيفا أن «بعض الجهات العلمانية تحاول إسقاط الإسلاميين وتجربتهم الإصلاحية وتحميلهم كل الفشل الذي جرى في المراحل السابقة». وتابع قائلا إن «المتظاهرين طالبوا بحقوقهم المشروعة ورئيس الوزراء لم ينظر إليهم بريبة وإنما امتدحهم وقام بعدد من الخطوات الإصلاحية»، مشيرا إلى أن «هناك بعض الجهات بدأت بركوب موجة المظاهرات لإضعاف الحكومة».
ولم يفت العلاق العزف على وتر نظرية المؤامرة حيث يقول إن هناك «إرادة دولية وإقليمية بإبقاء العراق على وضعه وعدم تطوير واقع الخدمات فيه». لكن عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ووزير العلوم والكتنولوجيا السابق رائد فهمي يقول في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «من الأهمية هنا التفريق بين طبيعة المظاهرات الجماهيرية وما تهدف إليه وبين الإجراءات الحكومية التي حصلت حتى الآن والتي نرى أنها بعكس الحكومة السابقة تمثل استجابة معقولة على الأقل على صعيد تأكيد أهميتها والتفاعل معها والإقرار بكونها صحيحة والإقرار كذلك بالفشل مع محاولات تبدو جدية حتى الآن باتخاذ إجراءات لتحسين الأوضاع».
ويضيف فهمي إن «الخشية من تسييس المظاهرات كلام عام حيث إننا أيضا نحذر من ذلك لا سيما في حال أراد البعض ركوب موجة المظاهرات فالقصة هي ليست الآن قصة صراع إرادات بين إسلاميين وعلمانيين بل هي البدء بإجراءات لإصلاح الأوضاع وهذا أمر لا صلة له بنوع الحكم أو شكله بل يتصل بخطط واستراتيجيات وهي غير موجودة للأسف».
على الصعيد ذاته يقول عضو البرلمان العراقي عن التحالف المدني الديمقراطي فائق الشيخ علي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «المظاهرات مدنية ديمقراطية سلمية من دون أي نقاش وبالتالي فإن أي محاولة لركوب موجتها لا سيما من أصحاب الائتلافات الطائفية التي أضرت بالبلد وأوصلته إلى ما هو عليه الآن إنما تريد أن تصادر هذه المظاهرات وهو ما يتوجب على أبناء الشعب العراقي ولا أخصص جهة مدنية أو غير مدنية التصدي بذكاء إلى هذا المشروع الخطير»، مشيرا إلى أن «الحكومة حينما تقول أستجيب أو تشيد بالمظاهرات فهذا من حقها سواء استجابت فعلا أم لم تستجب ولكن الأحزاب والقوى الدينية الطائفية تريد إيقاف عجلة الجماهير خصوصا أن الشعارات والهتافات تعبر عن مضمون واحد وهو فشل هذه الجهات في بناء دولة وأن الإرهاب الذي دخل إلى العراق إنما كان نتيجة لهذا الفشل».
واستبعد الشيخ علي أن تستجيب الحكومة للمتظاهرين قائلا إن «الحكومة لن تستجيب للمظاهرات لأنها في الواقع لا تملك رؤية على هذا الصعيد ولذلك الحل هو استمرار المظاهرات حتى ترضخ الحكومة وهناك فرق بين الاستجابة والرضوخ». من جانب آخر فإن القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي فادي الشمري قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هنالك مجموعة من الإصلاحات تحتاج إلى قرارات جديدة وهذه القرارات تحتاج إلى وجود الجميع والجلوس على طاولة الحوار ويجب أن تكون الرئاسات الثلاث حاضرة وجاهزة في اتخاذ هكذا قرارات إصلاحية علما بأن القضية المفصلية والمرحلية حاليا هي المظاهرات وموضوع الكهرباء»، مؤكدا تأييد كتلة المواطن التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي «لكل الإجراءات والقرارات التي تصب في صالح الموطن العراقي وهذا يتطلب في الواقع مراجعة حقيقية لكل الملف الخدمي وغيره من الملفات الأساسية وتحديد مطالب المتظاهرين ووضع خريطة طريق لتنفيذ المطالب المشروعة منها مع التصدي لكل من يحاول استغلال هذه المظاهرات من أجل تحقيق مكاسب خاصة على حساب حاجيات المواطن العراقي الأساسية».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.