الرؤية الأوروبية «الثلاثية» للصين والمخاوف من قيام جبهة روسية ـ صينية

(تحليل إخباري)

ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)
ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)
TT

الرؤية الأوروبية «الثلاثية» للصين والمخاوف من قيام جبهة روسية ـ صينية

ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)
ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)

معروف عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شغفه بالسياسة الخارجية، ورغبته بأن يلعب فيها دوراً رئيسياً، وجاءت الزيارة الرسمية التي سيقوم بها إلى الصين ترافقه فيها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لتعيده إلى واجهة الأضواء العالمية، نظراً إلى أهميتها بالنسبة للحرب الروسية على أوكرانيا، ودور بكين فيها، والمبادرة السلمية التي أطلقتها والتي بقيت حتى اليوم دون أي ترجمة فعلية. وبحلوله في بكين، سيكون ماكرون ثالث مسؤول غربي كبير يزور الصين منذ اندلاع وباء «كوفيد-19» قبل ثلاثة أعوام. وسبقه إليها المستشار الألماني الذي زراها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ورئيس الوزراء الإسباني هذا الأسبوع. ومن نتائج مشاركة فون دير لاين فيها أنها ستخرجها إلى حد ما من إطار العلاقات الثنائية الفرنسية - الصينية ليتسع إطارها وتصبح في إطار العلاقات الأوروبية - الصينية.
تقول مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية إن الصين «أصبحت مادة إلزامية» في الاجتماعات الأوروبية، وذلك من زاويتين: الأولى، الدور النشط الذي تلعبه على الصعيد الدبلوماسي وفي المنظمات الإقليمية والدولية كمنظمة «شنغهاي للتعاون» أو «مؤتمر بواو» الاقتصادي الذي ينهي أعماله اليوم في جزيرة هانيان جنوب الصين، ومنظمات أخرى عديدة. وللتوضيح، فإن منظمة «شنغهاي» تضم 42 في المائة من سكان العالم وتتمتع بـ25 في المائة من الناتج المحلي العالمي الإجمالي، الأمر الذي يبين أهميتها خصوصاً أنها تضم دولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن «روسيا والصين»، و4 دول نووية «الصين وروسيا والهند وباكستان».
وآخر تجليات دور بكين نجاحُها في التقريب بين السعودية وإيران. والثانية، أداء الصين فيما يخص الحرب في أوكرانيا وموقفها «الغامض» من الغزو الروسي لبعض أراضيها، وخطة السلام التي طرحتها، وذلك على ضوء زيارة الدولة التي قام بها الرئيس شي جينبينغ إلى موسكو الأسبوع الماضي. وقال تان كيفي، المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية: «الجيش الصيني على استعداد لتعميق التواصل الاستراتيجي والتنسيق مع نظيره الروسي»، فيما سيقوم الجيشان بتدريبات عسكرية واسعة في الأيام القليلة المقبلة.
كانت الصين موضوعاً رئيسياً في القمة الأوروبية الأخيرة يومي 23 و24 مارس (آذار). ولا شك أن زيارة شي إلى موسكو، والدعم الذي عبر عنه للرئيس الروسي، والاتفاقيات التي توصل إليها الطرفان، والتخوف من قيام تحالف أوثق روسي - صيني بمواجهة الغرب وتبعاته، جعل منها ملفاً يفرض نفسه بقوة على الدبلوماسية الأميركية والأوروبية. وبحسب المصادر الأوروبية، فإن الأوروبيين ينظرون في الحاجة لعقد قمة مخصصة كلياً للملف الصيني في شهر مايو (أيار) المقبل. ومشكلة الأوروبيين أن مقاربتهم للصين ليست موحدة وهم منقسمون بين من يتبنى الموقف الأميركي المتشدد، ومن لا يريد الانقطاع عن الصين. وأعلن رئيس لاتفيا، آرثور كارينز بمناسبة القمة الأوروبية، أن قمة بوتين - شي «سبب لكي تفتح أوروبا أعينها؛ إذ إن كثيرين كانوا يتوقعون أن تلعب الصين ورقة الوساطة. إلا أنها لم تفعل، بل إنها وقفت بشكل واضح إلى جانب روسيا؛ ما يمثل تحدياً وصعوبة كبيرين بالنسبة لأوروبا». وذهب رئيس وزراء بلجيكا ألكسندر دي كرو في الاتجاه عينه بقوله: «لقد رأينا أن الصين قادرة على التأثير على روسيا، وكنا نأمل أن تستخدم تأثيرها للتشديد على احترام سلامة وسيادة أوكرانيا على أراضيها».
أضحى واضحاً اليوم أن الاتحاد الأوروبي يربط تعاطيه بالصين بموقفها من الحرب الأوكرانية. وقد عبرت فون دير لاين بوضوح عن ذلك أمس بقولها: «علينا أن نكون صريحين: الطريقة التي ستستمر فيها الصين بالتصرف حيال حرب بوتين ستشكل عاملاً حاسماً في مستقبل علاقاتنا معها». وأضافت المسؤولة الأوروبية: «على الصين واجب القيام بدور بنّاء في تعزيز سلام عادل. لكن هذا السلام لا يمكن أن يكون عادلاً إلا إذا كان قائماً على احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها». وخلاصة قول فون دير لاين أن «أي خطة سلام تكرس الضم الروسي هي ببساطة غير قابلة للتطبيق»، مشيرة بذلك إلى الخطة التي طرحتها بكين في شهر فبراير (شباط) الماضي، والتي واجهها الأوروبيون بفتور واضح. ودأب مسؤولون أميركيون وأوروبيون على انتقادها؛ لأنها لم تنص على إدانة لاحتلال روسيا لأراض أوكرانية وضمها، كما لم تتضمن دعوة لخروجها من كافة الأراضي الأوكرانية المحتلة. كذلك عارض الغربيون، بمستويات متفاوتة، الدعوة الصينية لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، معتبرين أن ذلك يصب في مصلحة روسيا التي ستستخدمه لتعزيز مواقعها أو لتبريد الجبهات مع الإبقاء على النزاع قائماً.
تقول المصادر المشار إليها إن قلق الغرب عنوانه قيام تحالف عميق بين بكين وموسكو. من هنا، فإن إحدى المهام التي ستكون على عاتق ماكرون - فون دير لاين دفع بكين للامتناع عن الانخراط في تحالف من هذا النوع. وأعلن الرئيس ماكرون من بروكسل، الأسبوع الماضي، أنه يتعين «دفع الصين إلى الانخراط لجانبنا من أجل ممارسة ضغوط على روسيا» في الملف الأوكراني. وقد سبق له أن أعرب عن هذا الموقف. لكن ما يتخوف منه الأوروبيون رغم قربهم من واشنطن في الملف الأوكراني، من أن السياسة الأميركية القائمة على المواجهة الرأسية والشاملة مع الصين لا تسهل الحوار مع بكين، ولا تساعد الأوروبيين في مساعيهم لمنع مزيد من الانخراط الصيني – الروسي، حيث إن الطرفين الأخيرين يريان في الولايات المتحدة الخصم المشترك الواجب مواجهته متحدين. وترى الولايات المتحدة في الصين المنافس المنهجي الشامل والرئيسي لها والخطر الذي يهدد النظام العالمي والسعي لإحداث تغييرات جيو-سياسية في آسيا والمحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي... ومناطق أخرى من العالم. ولا يريد بعض الأوروبيين، وعلى رأسهم ألمانيا وفرنسا، السير وراء هذه الرؤية الأميركية، وأن يجعل من الصين عدواً رغم الخلافات بين الطرفين. ويريد الأوروبيون طرح كافة هذه المسائل في إطار القمة الأوروبية - الصينية التي تنتظرها دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن بكين لم تعرض حتى اليوم موعداً محدداً. ومن المنتظر أن تكون أحد الموضوعات التي ستطرح بمناسبة الزيارة الثنائية للصين.
ثمة نقاط تلاقٍ عديدة بين الرؤيتين الأوروبية والأميركية للصين. ففي الرؤية الأوروبية، ينظر إلى الصين من ثلاث زوايا: الأولى، اعتبارها شريكاً تجارياً رئيسياً وجهة فاعلة يتعين التعامل معها في الموضوعات الشاملة مثل ملف البيئة وتتماته. والثانية، اعتبارها منافساً اقتصادياً وتكنولوجياً. والثالثة اعتبارها خصماً منهجياً بسبب تبنيها قيماً تناقض القيم الأوروبية «كالديمقراطية على الطريقة الغربية والليبرالية...». وأثنى أولاف شولتس، الأسبوع الماضي، على هذه القراءة، داعياً الأوروبيين للمحافظة عليها، ومؤكداً أنها «ثلاثية فاعلة ويتيعن علينا أن نبقى أوفياء لها».
عديدة هي الملفات الأخرى التي ستطرح خلال زيارة ماكرون - فون دير لاين، وليس أقلها الملفات الاستثمارية والتجارية والاقتصادية والبيئية، فضلاً عن ملفات حقوق الإنسان ووضع أقلية الإيغور، وبالتالي سيكون لقاء بكين ممهداً للقمة الأوروبية - الصينية المرتقبة التي يريد الأوروبيون التئامها قريباً لحاجتهم للتعاون الصيني.


مقالات ذات صلة

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

روسيا: إصابة 5 في هجمات لأوكرانيا على منطقتين حدوديتين رغم الهدنة

قال حاكما منطقتَين حدوديَّتين روسيَّتين إنَّ طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت أهدافاً في منطقتَي كورسك وبيلغورود؛ مما أسفر عن إصابة 5 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية الصواريخ الإيرانية تُعرض في متحف القوة الجوية الفضائية لـ«الحرس الثوري» في طهران بإيران - 15 نوفمبر 2024 (رويترز) p-circle

تقارير: الصين وروسيا قدمتا مساعدات ومعلومات إلى إيران

قال مسؤولون إن وكالات الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما تكون قد أرسلت خلال الأسابيع الأخيرة شحنة من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة.

أوروبا جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)

روسيا وأوكرانيا تفرجان عن أسرى حرب قُبيل هدنة عيد الفصح

تستعد روسيا وأوكرانيا لوقف مؤقت لإطلاق النار لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، اليوم (السبت)، سبقه تبادل لأسرى الحرب وضربات بالمسيّرات خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية وسط مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب) p-circle

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل، وكييف تتوقع ضغوطاً دبلوماسية وعسكرية مع نشر قوات روسية استراتيجية على الخطوط الأمامية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.