الرؤية الأوروبية «الثلاثية» للصين والمخاوف من قيام جبهة روسية ـ صينية

(تحليل إخباري)

ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)
ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)
TT

الرؤية الأوروبية «الثلاثية» للصين والمخاوف من قيام جبهة روسية ـ صينية

ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)
ماكرون يعود إلى الأضواء من الصين (إ.ب.أ)

معروف عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شغفه بالسياسة الخارجية، ورغبته بأن يلعب فيها دوراً رئيسياً، وجاءت الزيارة الرسمية التي سيقوم بها إلى الصين ترافقه فيها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لتعيده إلى واجهة الأضواء العالمية، نظراً إلى أهميتها بالنسبة للحرب الروسية على أوكرانيا، ودور بكين فيها، والمبادرة السلمية التي أطلقتها والتي بقيت حتى اليوم دون أي ترجمة فعلية. وبحلوله في بكين، سيكون ماكرون ثالث مسؤول غربي كبير يزور الصين منذ اندلاع وباء «كوفيد-19» قبل ثلاثة أعوام. وسبقه إليها المستشار الألماني الذي زراها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ورئيس الوزراء الإسباني هذا الأسبوع. ومن نتائج مشاركة فون دير لاين فيها أنها ستخرجها إلى حد ما من إطار العلاقات الثنائية الفرنسية - الصينية ليتسع إطارها وتصبح في إطار العلاقات الأوروبية - الصينية.
تقول مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية إن الصين «أصبحت مادة إلزامية» في الاجتماعات الأوروبية، وذلك من زاويتين: الأولى، الدور النشط الذي تلعبه على الصعيد الدبلوماسي وفي المنظمات الإقليمية والدولية كمنظمة «شنغهاي للتعاون» أو «مؤتمر بواو» الاقتصادي الذي ينهي أعماله اليوم في جزيرة هانيان جنوب الصين، ومنظمات أخرى عديدة. وللتوضيح، فإن منظمة «شنغهاي» تضم 42 في المائة من سكان العالم وتتمتع بـ25 في المائة من الناتج المحلي العالمي الإجمالي، الأمر الذي يبين أهميتها خصوصاً أنها تضم دولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن «روسيا والصين»، و4 دول نووية «الصين وروسيا والهند وباكستان».
وآخر تجليات دور بكين نجاحُها في التقريب بين السعودية وإيران. والثانية، أداء الصين فيما يخص الحرب في أوكرانيا وموقفها «الغامض» من الغزو الروسي لبعض أراضيها، وخطة السلام التي طرحتها، وذلك على ضوء زيارة الدولة التي قام بها الرئيس شي جينبينغ إلى موسكو الأسبوع الماضي. وقال تان كيفي، المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية: «الجيش الصيني على استعداد لتعميق التواصل الاستراتيجي والتنسيق مع نظيره الروسي»، فيما سيقوم الجيشان بتدريبات عسكرية واسعة في الأيام القليلة المقبلة.
كانت الصين موضوعاً رئيسياً في القمة الأوروبية الأخيرة يومي 23 و24 مارس (آذار). ولا شك أن زيارة شي إلى موسكو، والدعم الذي عبر عنه للرئيس الروسي، والاتفاقيات التي توصل إليها الطرفان، والتخوف من قيام تحالف أوثق روسي - صيني بمواجهة الغرب وتبعاته، جعل منها ملفاً يفرض نفسه بقوة على الدبلوماسية الأميركية والأوروبية. وبحسب المصادر الأوروبية، فإن الأوروبيين ينظرون في الحاجة لعقد قمة مخصصة كلياً للملف الصيني في شهر مايو (أيار) المقبل. ومشكلة الأوروبيين أن مقاربتهم للصين ليست موحدة وهم منقسمون بين من يتبنى الموقف الأميركي المتشدد، ومن لا يريد الانقطاع عن الصين. وأعلن رئيس لاتفيا، آرثور كارينز بمناسبة القمة الأوروبية، أن قمة بوتين - شي «سبب لكي تفتح أوروبا أعينها؛ إذ إن كثيرين كانوا يتوقعون أن تلعب الصين ورقة الوساطة. إلا أنها لم تفعل، بل إنها وقفت بشكل واضح إلى جانب روسيا؛ ما يمثل تحدياً وصعوبة كبيرين بالنسبة لأوروبا». وذهب رئيس وزراء بلجيكا ألكسندر دي كرو في الاتجاه عينه بقوله: «لقد رأينا أن الصين قادرة على التأثير على روسيا، وكنا نأمل أن تستخدم تأثيرها للتشديد على احترام سلامة وسيادة أوكرانيا على أراضيها».
أضحى واضحاً اليوم أن الاتحاد الأوروبي يربط تعاطيه بالصين بموقفها من الحرب الأوكرانية. وقد عبرت فون دير لاين بوضوح عن ذلك أمس بقولها: «علينا أن نكون صريحين: الطريقة التي ستستمر فيها الصين بالتصرف حيال حرب بوتين ستشكل عاملاً حاسماً في مستقبل علاقاتنا معها». وأضافت المسؤولة الأوروبية: «على الصين واجب القيام بدور بنّاء في تعزيز سلام عادل. لكن هذا السلام لا يمكن أن يكون عادلاً إلا إذا كان قائماً على احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها». وخلاصة قول فون دير لاين أن «أي خطة سلام تكرس الضم الروسي هي ببساطة غير قابلة للتطبيق»، مشيرة بذلك إلى الخطة التي طرحتها بكين في شهر فبراير (شباط) الماضي، والتي واجهها الأوروبيون بفتور واضح. ودأب مسؤولون أميركيون وأوروبيون على انتقادها؛ لأنها لم تنص على إدانة لاحتلال روسيا لأراض أوكرانية وضمها، كما لم تتضمن دعوة لخروجها من كافة الأراضي الأوكرانية المحتلة. كذلك عارض الغربيون، بمستويات متفاوتة، الدعوة الصينية لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، معتبرين أن ذلك يصب في مصلحة روسيا التي ستستخدمه لتعزيز مواقعها أو لتبريد الجبهات مع الإبقاء على النزاع قائماً.
تقول المصادر المشار إليها إن قلق الغرب عنوانه قيام تحالف عميق بين بكين وموسكو. من هنا، فإن إحدى المهام التي ستكون على عاتق ماكرون - فون دير لاين دفع بكين للامتناع عن الانخراط في تحالف من هذا النوع. وأعلن الرئيس ماكرون من بروكسل، الأسبوع الماضي، أنه يتعين «دفع الصين إلى الانخراط لجانبنا من أجل ممارسة ضغوط على روسيا» في الملف الأوكراني. وقد سبق له أن أعرب عن هذا الموقف. لكن ما يتخوف منه الأوروبيون رغم قربهم من واشنطن في الملف الأوكراني، من أن السياسة الأميركية القائمة على المواجهة الرأسية والشاملة مع الصين لا تسهل الحوار مع بكين، ولا تساعد الأوروبيين في مساعيهم لمنع مزيد من الانخراط الصيني – الروسي، حيث إن الطرفين الأخيرين يريان في الولايات المتحدة الخصم المشترك الواجب مواجهته متحدين. وترى الولايات المتحدة في الصين المنافس المنهجي الشامل والرئيسي لها والخطر الذي يهدد النظام العالمي والسعي لإحداث تغييرات جيو-سياسية في آسيا والمحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي... ومناطق أخرى من العالم. ولا يريد بعض الأوروبيين، وعلى رأسهم ألمانيا وفرنسا، السير وراء هذه الرؤية الأميركية، وأن يجعل من الصين عدواً رغم الخلافات بين الطرفين. ويريد الأوروبيون طرح كافة هذه المسائل في إطار القمة الأوروبية - الصينية التي تنتظرها دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن بكين لم تعرض حتى اليوم موعداً محدداً. ومن المنتظر أن تكون أحد الموضوعات التي ستطرح بمناسبة الزيارة الثنائية للصين.
ثمة نقاط تلاقٍ عديدة بين الرؤيتين الأوروبية والأميركية للصين. ففي الرؤية الأوروبية، ينظر إلى الصين من ثلاث زوايا: الأولى، اعتبارها شريكاً تجارياً رئيسياً وجهة فاعلة يتعين التعامل معها في الموضوعات الشاملة مثل ملف البيئة وتتماته. والثانية، اعتبارها منافساً اقتصادياً وتكنولوجياً. والثالثة اعتبارها خصماً منهجياً بسبب تبنيها قيماً تناقض القيم الأوروبية «كالديمقراطية على الطريقة الغربية والليبرالية...». وأثنى أولاف شولتس، الأسبوع الماضي، على هذه القراءة، داعياً الأوروبيين للمحافظة عليها، ومؤكداً أنها «ثلاثية فاعلة ويتيعن علينا أن نبقى أوفياء لها».
عديدة هي الملفات الأخرى التي ستطرح خلال زيارة ماكرون - فون دير لاين، وليس أقلها الملفات الاستثمارية والتجارية والاقتصادية والبيئية، فضلاً عن ملفات حقوق الإنسان ووضع أقلية الإيغور، وبالتالي سيكون لقاء بكين ممهداً للقمة الأوروبية - الصينية المرتقبة التي يريد الأوروبيون التئامها قريباً لحاجتهم للتعاون الصيني.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: سنقترح قائمة بالتنازلات الروسية في إطار اتفاق سلام

قالت كايا كالاس، ​مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها ستقترح قائمة بالتنازلات التي ‌على أوروبا ‌مطالبة ⁠روسيا ​بتقديمها لإنهاء ‌الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».