قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

مثقفو مصر: القراءة طقس مقدس صيفًا وشتاء.. والشعر والمسرح للمتعة

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة
TT

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

ما بين عامي 1933 و1934 كتب الأديب والمفكر الكبير طه حسين سلسلة مقالات تحت عنوان «لغو الصيف وجد الشتاء» وجاء فيه «كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجد أثناء الشتاء، وما الذي كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف، وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين، غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغفلة ولا تذكر الموسيقى والغناء».
لكن يبدو أن الأدباء والمثقفين المصريين لا ترتبط القراءة ومعدلاتها عندهم بالشتاء والصيف، ولا تمثل القراءة لهم سبيلا للمتعة فقط، وإنما «زاد وزواد» يعينهم على الكتابة وأعبائها ويجعلهم في قلب المشهد الثقافي ومنتجه المتواتر. وبعضهم رفض الحديث عن قراءاته الحالية باعتبارها تنوه بمضمون أعمالهم الروائية المقبلة، ولكن هذه حصيلة الصيف لدى المثقفين المصريين:
يرى الأديب عبده جبير، صاحب «رجل العواطف يمشي على الحافة»، أن القراءة لا ترتبط بفصل معين وإنما ترتبط بحالات من السعي والبحث الدائم عن المعرفة قائلا: «بالنسبة لي دائما ما تكون مرتبطة بعملي واستعدادي لكتابة رواية جديدة أو غيرها». ويكشف لنا عن قراءاته: «حاليا أقرأ كل ما هو متعلق بالغزو العثماني لمصر، ومعركة (دابق) التي دارت رحاها بين العثمانيين والمماليك قرب حلب في 8 أغسطس (آب) 1516، حيث سيدور عملي الروائي المقبل حول تلك الفترة الزمنية المثيرة».
ويضيف: «على مكتبي الآن الجزء الخامس من كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لابن إياس، ويحتوي هذا الكتاب على ما كتبه ابن إياس من سنة 922 إلى سنة 928هـ (1516 - 1522)، وهي فترة حاسمة من التاريخ، تتضمن أخبار الفتح العثماني لسوريا ومصر، وما تبع ذلك من تعديل وتغيير في شؤون الإدارة والقضاء والسكة والموازين والمقاييس والعادات والتقاليد والزي والملابس وغير ذلك. هذا فضلا عن قراءتي لعدد من الكتب المحققة حول تلك الحقبة التاريخية للتعرف على تفاصيل ما قام به العثمانيون في مصر، فقد وجدت أنهم جردوا مصر من أمهر العمال والحرفيين، حتى اختفت 50 حرفة من مصر. كما أقرأ كتاب (سندباد مصري) لحسين فوزي، و(تاريخ الدولة العثمانية) ترجمة حسين السباعي وهو يضم 30 دراسة معمقة في مجلدين، وكتاب (واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني - نهاية المماليك بين التاريخ والحكي الشعبي) لأحمد بن زنبل الرمال، وتقديم ودراسة قاسم عبده قاسم، وكتاب آخر مترجم عن الإيطالية بعنوان (قصور السلاطين)».
أما الشاعر أسامة عفيفي، رئيس تحرير مجلة «المجلة» الثقافية العريقة، فيقول: «أحب الشتاء وأكره الصيف ولقد اعتدت أن أنتج أكثر في فصل الشتاء ودائما ما أردد أن الشتاء هو أبو الإبداع، ورغم أنني قارئ محترف وكاتب هاوٍ كما كان يقول أستاذنا كامل زهيري، فإنني أقرأ صيف شتاء، ولكن أقرأ أكثر في الصيف. وعلى عكس خلق الله الذين يحبون قراءة الموضوعات الخفيفة في الصيف، فأنا دائما ما أحجز الكتب الثقيلة التي تتناول الأفكار الكبرى والفلسفية لفصل الصيف ربما لأنني أقل إنتاجا في قيظه السخيف، وأعتقد أن الأمر يعود للطفولة، فلقد كان أهلنا لا يسمحون لنا بالقراءة أثناء الدراسة، أي في الشتاء، فكنا نقرأ بنهم في الإجازة الصيفية، وننفق أغلب مصروفنا علي شراء الكتب، ولكن بغض النظر عن الأسباب الحقيقية فأنا فعلا أقرأ في الصيف وأكتب في الشتاء».
ويقول الأديب منبر عتيبة، مؤسس مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، إنه يختلف مع طه حسين في رؤيته للغو الصيف، لأنه يعتبر القراءة واجبًا للإعداد لندوات المختبر، ومتابعة الأدب العربي والعالمي، هذا فضلا عن انكبابه على «قراءة الكتب التراثية خاصة التي تتعلق بعملي وكتاباتي، وأحيانا أهرب من الواجب فأذهب لكتب التصوف الإسلامي التي تعطي راحة نفسية وتضيف ثراء لغويا. وأخيرًا قرأت مجموعة قصصية لرحاب إبراهيم بعنوان (تحية للحياة)، واستمتعت مجموعة قصصية للروائي البحريني عبد القادر عقيل (اثنا عشر ذئبا على مائدتي) ، ورواية (القناص) للروائي العماني زهران القاسمي، وأقرأ لابنتي (حواديت الأخوين جريم) ترجمة منى الخميسي، وهي قصص من التراث الشعبي الألماني مر عليها نحو قرنين من الزمان. واستغرق الأخوان جريم في تجميع هذه الحواديت في ألمانيا أكثر من نصف قرن بين 1806 و1857. أما فيما يتعلق بروايتي الجديدة، فأعكف حاليا على قراءة كتاب د. أحمد الشاذلي (تاريخ الإسلام في الهند)، وهو كتاب من 3 أجزاء، و(مذاهب التفسير الإسلامي) الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب للمستشرق المجري الأصل، إيغناس غولدتسيهر (1850 - 1921) ونقله إلى العربية د. عبد الحليم النجار. عاش غولدتسيهر ما بين مصر وسوريا حيث تعلم العربية على يد شيوخ سوريا ومنهم الشيخ طاهر الجزائري، ثم زار فلسطين، وفي القاهرة كان أول أوروبي يدرس في الأزهر وتعلم من شيوخه وكان تلميذًا للشيخ جمال الدين الأفغاني. يقدم غولدتسيهر في الظاهر تاريخًا حيًّا لتفسير القرآن، ويضم الكتاب ستة فصول يقدم كل فصل مرحلة من مراحل التفسير».
الناقد الأدبي إيهاب الملاح، رئيس تحرير سلسلة تراث الهيئة العامة للكتاب، يرى أنه لا فارق كبيرا بين الصيف وغيره من الفصول، ويقول: «أقرأ فيها جميعا بالدرجة نفسها والمعدل ذاته، قد يعود هذا إلى التعود والغرس منذ الصبا، وربما أيضًا بحكم المهنة والتخصص حاليا، فأنا أمارس الكتابة والنقد الأدبي والتحرير الصحافي، ولا يكاد يمر يوم دون أن يصل إليّ كتاب جديد أو رواية أو مجموعة قصصية، هذا غير ما أقتنيه أسبوعيًا، وهو كثير».
ويكشف لنا عن قراءاته الحالية: «حاليا أمامي ثلاث روايات جديدة (أن تحبك جيهان) لمكاوي سعيد عن الدار المصرية اللبنانية، (أنامل معبد الحرير) لإبراهيم فرغلي عن منشورات ضفاف والاختلاف بالجزائر، (الرحلة) لفكري الخولي، و(المكتوب على الجبين.. هوامش على السيرة الذاتية) لجلال أمين عن دار الكرمة للنشر. ومثلها من الكتب غير الأدبية (لكنها تتصل أيضًا بالأدب بصورة أو أخرى)، مثل: (عن الأدب) ل. ج. هيليس ميلر، و(ديليسبس الذي لا نعرفه) لدكتور أحمد يوسف عن المركز القومي للترجمة».
وحول طقوس القراءة عنده، يقول: «أنا ممن يقرأون أكثر من كتاب في وقت واحد، أقرأ فصلاً من كتاب وآخرَ من رواية وثالثًا من دراسةٍ متخصصة، ثم أعاود الرجوع إلى الكتاب أو الرواية وهكذا، أتنقل بينها كالنحلة جيئة وذهابًا لا يثقلني الرجوع ولا تفصلني المسافة.. تعودتُ على هذه الطريقة، ضغط الوقت وضيق المساحة لا يوفران لي رفاهية التفرغ الكامل لقراءة رواية أو كتاب في جلسة واحدة أو جلستين على الأكثر. أما كيف أقرأ؟ فالإجابة تحددت عندي ومنذ زمن بعيد، مُذ أن قرأت عبارة المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود التي يقول فيها: (أقرأ وكأن الذي معك ليس كتابا من صفحات مرقومة بحروف وكلمات، بل كأنك تتحدث مع مؤلف الكتاب، أقرأ وكأن الذي معك هو الرجل الحي يعرض عليك فكرته أو خبرته بصوت مسموع، ففي هذه الحالة ستجد نفسك مدفوعًا إلى مراجعته ومساءلته ومراجعته جزءًا جزءًا ومعنى معنى، وهكذا تكون القراءة الحية بفاعليتها الذهنية)».
وتذكر الروائية هالة البدري، صاحبة «امرأة.. ما» و«غواية الحكي»، أن قراءاتها دائما ما تخضع لبرنامج معين ومنظم، فهي لا تهوى القراءة العشوائية، ولا تتابع بدأب شديد أحدث الروايات والإصدارات، وإنما تدرج ما هو جدير بالقراءة ضمن برنامجها المحدد للقراءة، ويجب أن يشمل البرنامج الفن والأدب والمسرح والفلسفة ومراجعة الأعمال الكاملة لكبار الكتاب العالميين، وتخصص كل عام لقراءة العمال الكاملة لكاتب بعينه، خصوصا أنه أصبح لديها وقت للتفرغ للأعمال التي اقتنتها من قبل ولم تتمكن من قراءتها. وتضيف: دائما ما أحرص على التنوع في قراءاتي، ولكن حينما أعكف على كتابة رواية أبتعد عن قراءة الروايات، حتى لا تتداخل عوالمها مع عوالمي، وأذهب لقراءة الأعمال المسرحية والشعر». أما عما يشتمل عليه برنامجها للقراءة هذا الصيف فتقول: «بقعة دم على شجرة» لمنير عتيبة، و«سيرة فبراير» للروائي الليبي إدريس المسماري، و«أشباح المدينة المقتولة» للروائي الجزائري بشير مفتي، و«بيت النخيل» للروائي السوداني طارق الطيب، والمجموعة القصصية «شهوة الملائكة»، وديوان شعر «أنا والجنة تحت قدميك» للشاعرة العراقية أمل جبوري.
وتعترض الروائية عزة سلطان، صاحبة «تدريبات على القسوة»، على فكرة التصنيف ما بين قراءات الصيف والشتاء، خصوصا لدى الأدباء أو المهمومين بالمشهد الثقافي، قائلة: «نحن نتحدث عن شريحة عاملة، إجازاتها محدودة وغير مرتبط بفكرة الصيف، وبالتالي أنا ضد فكرة التصنيف الزمني أصلا. القراءة عندي لا تخضع لبرنامج قراءة، كثير من المثقفين يقرأون بشكل عشوائي، كتب تصل إليهم كإهداء أو يشترونها، كما تخضع فكرة القراءة للخبرات الشفاهية، حيث يتحدث أحد الأصدقاء أو الزملاء موثوقي الخبرة عن عنوان بعينه فيكون بمثابة توجيه للاهتمام بهذا العنوان».
وتكشف لنا عن قراءاتها الحالية: «أقرأ أعمال المفكر هادي العلوي، فأنا بحاجة لفهم فكر الجماعات المتطرفة، لا بد أن لديهم دعائم فكرية وإن رأيناها مغلوطة، الحرب بالأساس فكر وثقافة، وكلما زادت الهوة بين المواطن العادي والثقافة كان أسهل في الاستقطاب نحو الجماعات المتطرفة، فإذا كان علينا دور تجاه مجتمعنا فعلينا أن نقرأ أكثر ونكون أكثر وعيًا وفهمًا قبل أن نكيل الاتهامات ونُكفر وننبذ».
وعن عادات القراءة لديها، تقول: «لا أقرأ كتابًا واحدًا في الوقت نفسه، فعادة أكثر من عمل في الوقت نفسه، فلا بد أن يجاورني عمل روائي أو شعري أو مسرحي وحاليًا أقرأ رواية (طيور) لإيميلي نصر الله، بالإضافة للقراءات المرتبطة بالعمل، فأحيانا أحتاج لإعادة قراءة كتاب في السينما، أو قراءة عنوان جديد، أما عن الكتابة الإبداعية فموضوع العمل هو الذي يحدد هل نحتاج للقراءة حول الموضوع، ولم أحدد موضوع الرواية المقبلة بعد حتى أحدد قراءاتي».
ولا تختلف عادات القراءة بين الفنانين التشكيليين المصريين عن عموم المثقفين، وإن كانت تتميز بالخوض في تاريخ الفنون وجمالياتها، يقول الفنان التشكيلي عصمت داوستاشي: «لا أتابع ما يصدر من روايات إلا ما يرشحه لي أبنائي ولكن أعيد قراءة كتب من مكتبتي سبق أن قرأتها في شبابي، يمكن أن يكون ذلك حنينا للماضي، ولكن بشكل عام أحب قراءة كل ما يتعلق بالحضارة المصرية القديمة مثل (معجم الحضارات المصرية القديمة)، فأنا حريص على الرجوع إليه دوما».
ويبوح قائلا: «أحب الروايات وقرأت معظم أعمال الأديب السكندري الرائع إبراهيم عبد المجيد، ولكن لا أجد حاليا ما يشدني بغير حقبة الستينات والسبعينات. ولكن يوميا أقرأ في الفن التشكيلي، وآخر ما قرأته كان كتاب السفير يسري القويضي (رسائل عصمت ناجي) وهو يؤرخ لحركة الفن التشكيلي في الخمسينات والستينات».
ويضيف: «حاليا أقرأ كتاب (أنا أتذكر) للمخرج الإيطالي فدريكو فيلليني يتضمن مذكراته، وفي أعقاب وفاة الفنان عمر الشريف، عدت لكتاب (أعمدة الحكمة السبعة) Seven Pillars of Wisdom الذي صدر في عام 1922 ووضع فيه لورنس العرب خلاصة تجربته السياسة في إدارة أنظمة دول الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية، وساهم في قيام الثورة العربية الكبرى. وهو كتاب فريد من نوعه حول تاريخ الجزيرة العربية، كتبه الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورنس، وأقرأ (لعبة ظلال) للروائية السكندرية منى عارف».
أما الفنان التشكيلي مصطفى عبد الوهاب، فهو لا يجد أن هناك فارقا بين قراءات الصيف والشتاء بالنسبة له، وهو حاليا يقرأ بنهم شديد كل أعمال الأديب اللبناني أمين معلوف، قائلا: «اكتشفت فكر أمين معلوف العميق منذ أن قرأت روايته (صخرة طانيوس)، ومن ثم قررت أن أجمع كل ما كتبه وحاليا أنا مستغرق معه تماما».



«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.


روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.