قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

مثقفو مصر: القراءة طقس مقدس صيفًا وشتاء.. والشعر والمسرح للمتعة

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة
TT

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

ما بين عامي 1933 و1934 كتب الأديب والمفكر الكبير طه حسين سلسلة مقالات تحت عنوان «لغو الصيف وجد الشتاء» وجاء فيه «كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجد أثناء الشتاء، وما الذي كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف، وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين، غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغفلة ولا تذكر الموسيقى والغناء».
لكن يبدو أن الأدباء والمثقفين المصريين لا ترتبط القراءة ومعدلاتها عندهم بالشتاء والصيف، ولا تمثل القراءة لهم سبيلا للمتعة فقط، وإنما «زاد وزواد» يعينهم على الكتابة وأعبائها ويجعلهم في قلب المشهد الثقافي ومنتجه المتواتر. وبعضهم رفض الحديث عن قراءاته الحالية باعتبارها تنوه بمضمون أعمالهم الروائية المقبلة، ولكن هذه حصيلة الصيف لدى المثقفين المصريين:
يرى الأديب عبده جبير، صاحب «رجل العواطف يمشي على الحافة»، أن القراءة لا ترتبط بفصل معين وإنما ترتبط بحالات من السعي والبحث الدائم عن المعرفة قائلا: «بالنسبة لي دائما ما تكون مرتبطة بعملي واستعدادي لكتابة رواية جديدة أو غيرها». ويكشف لنا عن قراءاته: «حاليا أقرأ كل ما هو متعلق بالغزو العثماني لمصر، ومعركة (دابق) التي دارت رحاها بين العثمانيين والمماليك قرب حلب في 8 أغسطس (آب) 1516، حيث سيدور عملي الروائي المقبل حول تلك الفترة الزمنية المثيرة».
ويضيف: «على مكتبي الآن الجزء الخامس من كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لابن إياس، ويحتوي هذا الكتاب على ما كتبه ابن إياس من سنة 922 إلى سنة 928هـ (1516 - 1522)، وهي فترة حاسمة من التاريخ، تتضمن أخبار الفتح العثماني لسوريا ومصر، وما تبع ذلك من تعديل وتغيير في شؤون الإدارة والقضاء والسكة والموازين والمقاييس والعادات والتقاليد والزي والملابس وغير ذلك. هذا فضلا عن قراءتي لعدد من الكتب المحققة حول تلك الحقبة التاريخية للتعرف على تفاصيل ما قام به العثمانيون في مصر، فقد وجدت أنهم جردوا مصر من أمهر العمال والحرفيين، حتى اختفت 50 حرفة من مصر. كما أقرأ كتاب (سندباد مصري) لحسين فوزي، و(تاريخ الدولة العثمانية) ترجمة حسين السباعي وهو يضم 30 دراسة معمقة في مجلدين، وكتاب (واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني - نهاية المماليك بين التاريخ والحكي الشعبي) لأحمد بن زنبل الرمال، وتقديم ودراسة قاسم عبده قاسم، وكتاب آخر مترجم عن الإيطالية بعنوان (قصور السلاطين)».
أما الشاعر أسامة عفيفي، رئيس تحرير مجلة «المجلة» الثقافية العريقة، فيقول: «أحب الشتاء وأكره الصيف ولقد اعتدت أن أنتج أكثر في فصل الشتاء ودائما ما أردد أن الشتاء هو أبو الإبداع، ورغم أنني قارئ محترف وكاتب هاوٍ كما كان يقول أستاذنا كامل زهيري، فإنني أقرأ صيف شتاء، ولكن أقرأ أكثر في الصيف. وعلى عكس خلق الله الذين يحبون قراءة الموضوعات الخفيفة في الصيف، فأنا دائما ما أحجز الكتب الثقيلة التي تتناول الأفكار الكبرى والفلسفية لفصل الصيف ربما لأنني أقل إنتاجا في قيظه السخيف، وأعتقد أن الأمر يعود للطفولة، فلقد كان أهلنا لا يسمحون لنا بالقراءة أثناء الدراسة، أي في الشتاء، فكنا نقرأ بنهم في الإجازة الصيفية، وننفق أغلب مصروفنا علي شراء الكتب، ولكن بغض النظر عن الأسباب الحقيقية فأنا فعلا أقرأ في الصيف وأكتب في الشتاء».
ويقول الأديب منبر عتيبة، مؤسس مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، إنه يختلف مع طه حسين في رؤيته للغو الصيف، لأنه يعتبر القراءة واجبًا للإعداد لندوات المختبر، ومتابعة الأدب العربي والعالمي، هذا فضلا عن انكبابه على «قراءة الكتب التراثية خاصة التي تتعلق بعملي وكتاباتي، وأحيانا أهرب من الواجب فأذهب لكتب التصوف الإسلامي التي تعطي راحة نفسية وتضيف ثراء لغويا. وأخيرًا قرأت مجموعة قصصية لرحاب إبراهيم بعنوان (تحية للحياة)، واستمتعت مجموعة قصصية للروائي البحريني عبد القادر عقيل (اثنا عشر ذئبا على مائدتي) ، ورواية (القناص) للروائي العماني زهران القاسمي، وأقرأ لابنتي (حواديت الأخوين جريم) ترجمة منى الخميسي، وهي قصص من التراث الشعبي الألماني مر عليها نحو قرنين من الزمان. واستغرق الأخوان جريم في تجميع هذه الحواديت في ألمانيا أكثر من نصف قرن بين 1806 و1857. أما فيما يتعلق بروايتي الجديدة، فأعكف حاليا على قراءة كتاب د. أحمد الشاذلي (تاريخ الإسلام في الهند)، وهو كتاب من 3 أجزاء، و(مذاهب التفسير الإسلامي) الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب للمستشرق المجري الأصل، إيغناس غولدتسيهر (1850 - 1921) ونقله إلى العربية د. عبد الحليم النجار. عاش غولدتسيهر ما بين مصر وسوريا حيث تعلم العربية على يد شيوخ سوريا ومنهم الشيخ طاهر الجزائري، ثم زار فلسطين، وفي القاهرة كان أول أوروبي يدرس في الأزهر وتعلم من شيوخه وكان تلميذًا للشيخ جمال الدين الأفغاني. يقدم غولدتسيهر في الظاهر تاريخًا حيًّا لتفسير القرآن، ويضم الكتاب ستة فصول يقدم كل فصل مرحلة من مراحل التفسير».
الناقد الأدبي إيهاب الملاح، رئيس تحرير سلسلة تراث الهيئة العامة للكتاب، يرى أنه لا فارق كبيرا بين الصيف وغيره من الفصول، ويقول: «أقرأ فيها جميعا بالدرجة نفسها والمعدل ذاته، قد يعود هذا إلى التعود والغرس منذ الصبا، وربما أيضًا بحكم المهنة والتخصص حاليا، فأنا أمارس الكتابة والنقد الأدبي والتحرير الصحافي، ولا يكاد يمر يوم دون أن يصل إليّ كتاب جديد أو رواية أو مجموعة قصصية، هذا غير ما أقتنيه أسبوعيًا، وهو كثير».
ويكشف لنا عن قراءاته الحالية: «حاليا أمامي ثلاث روايات جديدة (أن تحبك جيهان) لمكاوي سعيد عن الدار المصرية اللبنانية، (أنامل معبد الحرير) لإبراهيم فرغلي عن منشورات ضفاف والاختلاف بالجزائر، (الرحلة) لفكري الخولي، و(المكتوب على الجبين.. هوامش على السيرة الذاتية) لجلال أمين عن دار الكرمة للنشر. ومثلها من الكتب غير الأدبية (لكنها تتصل أيضًا بالأدب بصورة أو أخرى)، مثل: (عن الأدب) ل. ج. هيليس ميلر، و(ديليسبس الذي لا نعرفه) لدكتور أحمد يوسف عن المركز القومي للترجمة».
وحول طقوس القراءة عنده، يقول: «أنا ممن يقرأون أكثر من كتاب في وقت واحد، أقرأ فصلاً من كتاب وآخرَ من رواية وثالثًا من دراسةٍ متخصصة، ثم أعاود الرجوع إلى الكتاب أو الرواية وهكذا، أتنقل بينها كالنحلة جيئة وذهابًا لا يثقلني الرجوع ولا تفصلني المسافة.. تعودتُ على هذه الطريقة، ضغط الوقت وضيق المساحة لا يوفران لي رفاهية التفرغ الكامل لقراءة رواية أو كتاب في جلسة واحدة أو جلستين على الأكثر. أما كيف أقرأ؟ فالإجابة تحددت عندي ومنذ زمن بعيد، مُذ أن قرأت عبارة المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود التي يقول فيها: (أقرأ وكأن الذي معك ليس كتابا من صفحات مرقومة بحروف وكلمات، بل كأنك تتحدث مع مؤلف الكتاب، أقرأ وكأن الذي معك هو الرجل الحي يعرض عليك فكرته أو خبرته بصوت مسموع، ففي هذه الحالة ستجد نفسك مدفوعًا إلى مراجعته ومساءلته ومراجعته جزءًا جزءًا ومعنى معنى، وهكذا تكون القراءة الحية بفاعليتها الذهنية)».
وتذكر الروائية هالة البدري، صاحبة «امرأة.. ما» و«غواية الحكي»، أن قراءاتها دائما ما تخضع لبرنامج معين ومنظم، فهي لا تهوى القراءة العشوائية، ولا تتابع بدأب شديد أحدث الروايات والإصدارات، وإنما تدرج ما هو جدير بالقراءة ضمن برنامجها المحدد للقراءة، ويجب أن يشمل البرنامج الفن والأدب والمسرح والفلسفة ومراجعة الأعمال الكاملة لكبار الكتاب العالميين، وتخصص كل عام لقراءة العمال الكاملة لكاتب بعينه، خصوصا أنه أصبح لديها وقت للتفرغ للأعمال التي اقتنتها من قبل ولم تتمكن من قراءتها. وتضيف: دائما ما أحرص على التنوع في قراءاتي، ولكن حينما أعكف على كتابة رواية أبتعد عن قراءة الروايات، حتى لا تتداخل عوالمها مع عوالمي، وأذهب لقراءة الأعمال المسرحية والشعر». أما عما يشتمل عليه برنامجها للقراءة هذا الصيف فتقول: «بقعة دم على شجرة» لمنير عتيبة، و«سيرة فبراير» للروائي الليبي إدريس المسماري، و«أشباح المدينة المقتولة» للروائي الجزائري بشير مفتي، و«بيت النخيل» للروائي السوداني طارق الطيب، والمجموعة القصصية «شهوة الملائكة»، وديوان شعر «أنا والجنة تحت قدميك» للشاعرة العراقية أمل جبوري.
وتعترض الروائية عزة سلطان، صاحبة «تدريبات على القسوة»، على فكرة التصنيف ما بين قراءات الصيف والشتاء، خصوصا لدى الأدباء أو المهمومين بالمشهد الثقافي، قائلة: «نحن نتحدث عن شريحة عاملة، إجازاتها محدودة وغير مرتبط بفكرة الصيف، وبالتالي أنا ضد فكرة التصنيف الزمني أصلا. القراءة عندي لا تخضع لبرنامج قراءة، كثير من المثقفين يقرأون بشكل عشوائي، كتب تصل إليهم كإهداء أو يشترونها، كما تخضع فكرة القراءة للخبرات الشفاهية، حيث يتحدث أحد الأصدقاء أو الزملاء موثوقي الخبرة عن عنوان بعينه فيكون بمثابة توجيه للاهتمام بهذا العنوان».
وتكشف لنا عن قراءاتها الحالية: «أقرأ أعمال المفكر هادي العلوي، فأنا بحاجة لفهم فكر الجماعات المتطرفة، لا بد أن لديهم دعائم فكرية وإن رأيناها مغلوطة، الحرب بالأساس فكر وثقافة، وكلما زادت الهوة بين المواطن العادي والثقافة كان أسهل في الاستقطاب نحو الجماعات المتطرفة، فإذا كان علينا دور تجاه مجتمعنا فعلينا أن نقرأ أكثر ونكون أكثر وعيًا وفهمًا قبل أن نكيل الاتهامات ونُكفر وننبذ».
وعن عادات القراءة لديها، تقول: «لا أقرأ كتابًا واحدًا في الوقت نفسه، فعادة أكثر من عمل في الوقت نفسه، فلا بد أن يجاورني عمل روائي أو شعري أو مسرحي وحاليًا أقرأ رواية (طيور) لإيميلي نصر الله، بالإضافة للقراءات المرتبطة بالعمل، فأحيانا أحتاج لإعادة قراءة كتاب في السينما، أو قراءة عنوان جديد، أما عن الكتابة الإبداعية فموضوع العمل هو الذي يحدد هل نحتاج للقراءة حول الموضوع، ولم أحدد موضوع الرواية المقبلة بعد حتى أحدد قراءاتي».
ولا تختلف عادات القراءة بين الفنانين التشكيليين المصريين عن عموم المثقفين، وإن كانت تتميز بالخوض في تاريخ الفنون وجمالياتها، يقول الفنان التشكيلي عصمت داوستاشي: «لا أتابع ما يصدر من روايات إلا ما يرشحه لي أبنائي ولكن أعيد قراءة كتب من مكتبتي سبق أن قرأتها في شبابي، يمكن أن يكون ذلك حنينا للماضي، ولكن بشكل عام أحب قراءة كل ما يتعلق بالحضارة المصرية القديمة مثل (معجم الحضارات المصرية القديمة)، فأنا حريص على الرجوع إليه دوما».
ويبوح قائلا: «أحب الروايات وقرأت معظم أعمال الأديب السكندري الرائع إبراهيم عبد المجيد، ولكن لا أجد حاليا ما يشدني بغير حقبة الستينات والسبعينات. ولكن يوميا أقرأ في الفن التشكيلي، وآخر ما قرأته كان كتاب السفير يسري القويضي (رسائل عصمت ناجي) وهو يؤرخ لحركة الفن التشكيلي في الخمسينات والستينات».
ويضيف: «حاليا أقرأ كتاب (أنا أتذكر) للمخرج الإيطالي فدريكو فيلليني يتضمن مذكراته، وفي أعقاب وفاة الفنان عمر الشريف، عدت لكتاب (أعمدة الحكمة السبعة) Seven Pillars of Wisdom الذي صدر في عام 1922 ووضع فيه لورنس العرب خلاصة تجربته السياسة في إدارة أنظمة دول الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية، وساهم في قيام الثورة العربية الكبرى. وهو كتاب فريد من نوعه حول تاريخ الجزيرة العربية، كتبه الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورنس، وأقرأ (لعبة ظلال) للروائية السكندرية منى عارف».
أما الفنان التشكيلي مصطفى عبد الوهاب، فهو لا يجد أن هناك فارقا بين قراءات الصيف والشتاء بالنسبة له، وهو حاليا يقرأ بنهم شديد كل أعمال الأديب اللبناني أمين معلوف، قائلا: «اكتشفت فكر أمين معلوف العميق منذ أن قرأت روايته (صخرة طانيوس)، ومن ثم قررت أن أجمع كل ما كتبه وحاليا أنا مستغرق معه تماما».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».