الصين تندد بالتحالف الغربي بشأن الغواصات النووية... وتحذر من «سباق تسلح»

انتقادات من «الدولية للطاقة الذرية»... ولافروف يتحدث عن «العالم الأنغلوساكسوني الباحث عن مواجهات لسنوات»

القادة الثلاثة في القاعدة البحرية في سان دييغو (أ.ف.ب)
القادة الثلاثة في القاعدة البحرية في سان دييغو (أ.ف.ب)
TT

الصين تندد بالتحالف الغربي بشأن الغواصات النووية... وتحذر من «سباق تسلح»

القادة الثلاثة في القاعدة البحرية في سان دييغو (أ.ف.ب)
القادة الثلاثة في القاعدة البحرية في سان دييغو (أ.ف.ب)

نددت الصين، الثلاثاء، ببرنامج التعاون الضخم بشأن الغواصات النووية الذي أطلقته الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، محذرة من سلوك هذه الدول «طريقاً خاطئاً وخطراً».
ورغبة منها في مواجهة نفوذ الصين في المحيط الهادئ، أطلقت واشنطن ولندن وكانبيرا، الاثنين، تحالفها المعروف باسم «أوكوس» (AUKUS) والذي كان قد أعلن عنه قبل 18 شهراً، مع سحب عقد الغواصات من فرنسا، ما أثار غضب باريس العارم آنذاك، معلنة عن شراكة «لصنع جيل جديد من الغواصات النووية»، بعد شراء كانبيرا المرتقب لعدد من الغواصات. وبدورها دانت روسيا هذا الاتفاق معتبرة أنه سيؤدي إلى «مواجهة تستمر لسنوات» في آسيا.
وقال الناطق باسم الخارجية الصينية وانغ وينبين، في تصريح للصحافيين، الثلاثاء: «يظهر البيان المشترك الأخير الصادر عن الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، أن هذه الدول الثلاث تسلك بشكل متزايد طريقاً خاطئاً وخطراً، خدمة لمصالحها الجيوسياسية، في ازدراء كامل لمخاوف المجتمع الدولي». وسبق أن دعت بكين الدول الثلاث، قبل إعلان الاثنين، إلى «التخلي عن ذهنية الحرب الباردة والألاعيب التي لا تؤدي إلى نتيجة».
من جهته، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن «العالم الأنغلوساكسوني يبني تكتلات مثل (أوكوس)، ويطور البنى التحتية لحلف شمال الأطلسي في آسيا، ويراهن بجدية على مواجهة تستمر لسنوات طويلة».
كذلك، حذرت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» الثلاثاء، من «مخاطر انتشار نووي مع برنامج الغواصات العاملة بالدفع النووي» الذي أطلقته الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا.
وقال المدير العام للوكالة رافاييل غروسي، في بيان: «على المدى الطويل، يجب أن تتأكد الوكالة من عدم بروز أي خطر انتشار من هذا المشروع»، مضيفاً أن «الالتزامات القانونية للطرفين وقضايا عدم الانتشار ترتدي أهمية قصوى».
وكان الرئيس الأميركي جو بايدن قد قال الاثنين: «نضع أنفسنا في أفضل موقع لمواجهة التحديات الحاضرة والمستقبلية معاً»، معلناً عن تعاون «غير مسبوق» إلى جانب رئيسَي وزراء أستراليا وبريطانيا: أنتوني ألبانيزي، وريشي سوناك، في قاعدة سان دييغو البحرية في ولاية كاليفورنيا. واعتبر أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تحظى بـ«أصدقاء أفضل» من هذين البلدين.
وأحجم كل من القادة الذين اجتمعوا في سان دييغو عن ذكر الصين صراحة؛ لكن بايدن أشار ضمنياً إلى بكين قائلاً إن تحالف «أوكوس» سيضمن أن تكون «منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة». وهي صيغة في الدبلوماسية الأميركية تشير إلى رغبة في التصدي لنفوذ الصين في المنطقة.
ووصف ألبانيزي شراء بلاده غواصات أميركية تعمل بالدفع النووي، وانخراطها في مشروع لبناء جيل جديد من الغواصات، بأنه «أكبر استثمار»، في القدرات الدفاعية لأستراليا في تاريخها.
وأستراليا التي انضمّت قبل 18 شهراً إلى تحالف «أوكوس» (AUKUS) مع واشنطن ولندن، لن تتلقى أسلحة نووية؛ لكنها ستحوز غواصات تعمل بالدفع النووي، ما سيحدث تحوّلاً في دورها في مشروع بقيادة الولايات المتحدة، للمحافظة على ميزان القوى القائم منذ عقود في منطقة الهادئ.
من جهته، أشاد سوناك أيضاً بالجهود لزيادة موازنة الدفاع في بريطانيا التي تنخرط في «الاتفاق الدفاعي المتعدد الأطراف الأكبر منذ أجيال».
وأوضح البيت الأبيض أن برنامج الغواصة الهجومية الذي يطمح إلى إعادة تشكيل الوجود العسكري الغربي في المحيط الهادئ، سيكون على 3 مراحل؛ إلا أن بايدن شدد على أن البرنامج يقام على أساس مبدأ «مهم»، مفاده أن «هذه الغواصات ستكون بالدفع النووي؛ لكنها لن تحمل أسلحة نووية» لاحترام مبدأ عدم انتشار الأسلحة النووية.
وقال مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، جايك سوليفان، في مؤتمر صحافي، إن مشروع الغواصات يجسّد تعهد واشنطن على المدى الطويل حماية «السلم والاستقرار» في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وأشار إلى أن الشراكة مع أستراليا التي تتضمن تشارك تكنولوجيا نووية سرية لم يسبق أن تم تشاركها إلا مع بريطانيا، هي «التزام سيمتد عقوداً وربما قرناً من الزمن». وأوضح أن هذه الغواصات ستحمل تسمية «إس إس إن-أوكوس»، وستعمل بالدفع النووي، وستكون مجهّزة بأسلحة تقليدية. وأعلن أنها ستُبنى استناداً إلى تصميم بريطاني، وبتكنولوجيا أميركية، وستتطلّب «استثمارات كبرى» في البلدان الثلاثة.
وسبق لأستراليا أن كانت في طريقها لتستبدل بأسطولها الحالي المتهالك من الغواصات العاملة بالديزل، مجموعة غواصات فرنسية تقليدية، في إطار صفقة بقيمة 66 مليار دولار؛ لكن إعلان كانبيرا المفاجئ أنها ستتخلى عن الاتفاق وتدخل في «أوكوس»، أثار سجالاً حاداً جداً لم يدم طويلاً بين البلدان الثلاثة من جهة، وحليفتها فرنسا من جهة أخرى.
ومقارنة بالغواصات من فئة «كولينز» التي ستتخلى عنها أستراليا، فإن تلك الغواصات من طراز «فيرجينيا» أطول بمرّتين، ويمكنها حمل 132 شخصاً من أفراد الطاقم بدلاً من 48.
لكن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً. وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى طالباً عدم كشف هويته، إن البحرية البريطانية ستتلقى السفن من طراز «إس إس إن-أوكوس» في أواخر ثلاثينات القرن الحادي والعشرين، بينما سيتعين على أستراليا أن تنتظر حتى أواخر أربعينات القرن الحالي. في الأثناء سيتدرّب البحارة والمهندسون وأفراد الطواقم الأستراليون مع نظرائهم الأميركيين والبريطانيين لاكتساب الخبرات.
وحذّرت الصين من أن «أوكوس» قد يؤدي إلى «إشعال سباق تسلّح»، واتّهمت الدول الثلاث بالتسبب «في انتكاسة بجهود منع الانتشار النووي».
وتنظر الصين باستياء خصوصاً للتقارب الذي بدأ في السنوات الماضية في المنطقة، بين سلطات تايوان والولايات المتحدة التي توفر للجزيرة منذ عقود دعماً عسكرياً في مواجهة بكين. وتعتبر السلطة الشيوعية الجزيرة «مقاطعة تابعة للصين» لم تتمكن من إلحاقها ببقية الأراضي منذ انتهاء الحرب الأهلية الصينية (1949).
والأسبوع الماضي، اتّهم الرئيس الصيني شي جينبينغ الولايات المتحدة بقيادة الجهود الغربية باتّجاه «الاحتواء والتطويق والكبت الكامل للصين».
لكن واشنطن تشير إلى أن بكين تثير مخاوف بلدان في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، عبر تهديداتها بغزو تايوان التي تتمتع بحكم ديمقراطي، إضافة إلى تشديدها على التهديد الذي تمثله كوريا الشمالية المسلحة نووياً.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».