خطر انهيار الاتفاق النووي يثير مخاوف المستثمرين الأجانب

تفاؤل إيراني مفرط مقابل مخاوف غربية من سوق غير مضمونة

إيرانيان تمران أمام محل لملابس «بولو» شمال إيران الاثنين الماضي (رويترز)
إيرانيان تمران أمام محل لملابس «بولو» شمال إيران الاثنين الماضي (رويترز)
TT

خطر انهيار الاتفاق النووي يثير مخاوف المستثمرين الأجانب

إيرانيان تمران أمام محل لملابس «بولو» شمال إيران الاثنين الماضي (رويترز)
إيرانيان تمران أمام محل لملابس «بولو» شمال إيران الاثنين الماضي (رويترز)

يصطدم التفاؤل المفرط الذي يتعامل به الإيرانيون حيال ما هو قادم، بمخاوف الشركات الغربية حيال الدخول الجاد إلى السوق الإيرانية خوفا من انهيار الاتفاق وهو ما يقتل فكرة «جنة عدن» التي ستصبح عليها إيران بعد رفع العقوبات والتي يتحدث عنها باستمرار النظام الإيراني.
اليوم بعد أن وقعت إيران اتفاقا تاريخيا مع القوى الدولية، يتحدث رجال السلطة بكثير من الثقة حيال الاستثمارات الأجنبية المتوقع جلبها في بلد أنهكته العقوبات على مدار السنين.
ويصدر الساسة في طهران إلى الشعب، البالغ تعداده نحو 78 مليون نسمة، أحلاما وردية على صعيد الاقتصاد البالغ حجمه نحو 400 مليار دولار وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي.
وفي مؤتمر للأعمال بالعاصمة النمساوية فيينا يتحدث وزير الصناعة والتجاري الإيراني، محمد رضا نعمت زادة، بنبرة يملأها الكثير من التفاؤل حول دخول الشركات الأجنبية إلى السوق الإيرانية مؤكدا على اهتمام بلاده بالاستثمارات الأجنبية المباشرة ذات المدى الطويل.
وحتى على المستوى الشعبي، فإن الاحتفالات التي انطلقت في شوارع العاصمة طهران بعد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مع القوى الدولية واستمرت حتى صباح اليوم التالي تظهر أيضا قدرا كبيرا من التفاؤل ولكنها قد تجد ما يبررها لشعب تضرر كثيرا من العقوبات الغربية المفروضة على بلادهم.
وفي مسح أجرته «الشرق الأوسط» لعدد من الشركات العالمية التي قد تدخل إلى السوق الإيرانية بعد رفع العقوبات، كانت نبرة القلق حيال انهيار الاتفاق هي المسيطرة لدى الغالبية العظمى وما قد ينتج عنه من خسائر فادحة لتلك الشركات جراء عودة العقوبات إلى ما كانت عليه.
يقول متحدث باسم شركة «إيه.في.إل شريك» النمساوية، التي تنشط في مجال صناعات النقل وأبرمت إيران اتفاقية تعاون معها، لـ«الشرق الأوسط»: «نراقب الوضع عن كثب إيران سوق واعدة للجميع ولكننا ملتزمون في نفس الوقت بقرارات المجتمع الدولي حيال العقوبات». يتابع مايكل كيسلا ردا على سؤال حول ما إذا انهار الاتفاق بعد دخولهم إلى السوق: «هناك بالتأكيد تخوف من هذا الأمر ربما سنبحث عن الضمانات اللازمة قبل ضخ استثمارات للشركة في السوق الإيرانية».
ويقول باول سيليفيان، أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج تاون الأميركية ومختص بشؤون الشرق الأدنى، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك رغبة جامحة من إيران في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة يقابلها تخوف من الشركات الغربية في الدخول بكامل ثقلها».
يتابع: «الأمر محفوف بالمخاطر حينما يتعلق بهذا النوع من الاستثمار.. استثمار مباشر يعني دورة طويلة لرأس المال بخلاف الاستثمار غير المباشر الذي قد يتم عبر قنوات أخرى كسوق المال على سبيل المثال».
وبالنسبة لشركة ألمانية عملاقة أخرى متخصصة في صناعة الغاز وهي شركة «ليندا»، التي حضرت إلى فيينا للجلوس مع الإيرانيين، فإن الأمر لم يتخط بعد نقطة المشاورات التمهيدية بشأن استثمارات محتملة.
يقول أورليش بورفيلك، المتحدث الرسمي باسم الشركة لـ«الشرق الأوسط»: «جلسنا معهم في مفاوضات تمهيدية لبحث الفرص الاستثمارية في قطاع الغاز الإيراني، كانت المحادثات مثمرة ولكن في نهاية الأمر هي مفاوضات تمهيدية ليس أكثر». وتابع: «دخولنا إلى السوق الإيرانية مرتبط بشكل أو بآخر بالتزامها بتعهداتها مع المجتمع الدولي.. نتابع عن كثب وسيكون هناك تريث لبعض الوقت إذا ما أردنا الدخول إلى السوق والاستثمار بقوة هناك».
يضيف بورفيلك: «في نهاية المطاف نحن جزء من المجتمع الدولي وأي استثمارات سيتم ضخها في إيران ستكون لها ضمانات».
وتتحدث طهران عن استثمارات مستهدفة بقطاع الغاز تقدر بنحو 185 مليار دولار تأمل التعاقد عليها بحلول 2020.
وبالنسبة لشركات أخرى أجنبية في الداخل الإيراني، فإن رفع العقوبات سيسمح لها بتوسيع أنشطتها الاستثمارية بالبلاد ولكن المخاوف من انهيار الاتفاق تجعل وتيرة توسعها على المحك في انتظار ما ستؤول إليه الأمور بعد عدة أشهر على الأقل.
تقول شارلوت باسترنك، المتحدثة الرسمية باسم «دانون» العالمية التي تنشط في مجال صناعة منتجات الألبان: «السوق الإيرانية هي سوق واعدة بالنسبة لشركتنا نأمل أن يسهم رفع العقوبات في أداء أفضل لنا على المدى المتوسط».
وردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول نية التوسع في السوق الإيرانية، تقول باسترنك: «نحن موجودون هناك بالفعل ونرغب في التأكيد في تنمية أعمالنا ولكن علينا أن نتريث قليلا لنرى كيف ستسير الأمور خلال الأشهر القليلة المقبلة».
والاتفاق النهائي الذي تم توقيعه في فيينا مع إيران ينص على رفع تدريجي للعقوبات على المدى القصير ولكن مع إمكانية إعادة فرضها في حال انتهكت طهران التزاماتها في الحد من قدرات برنامجها النووي.
وتستهدف إيران في خطتها الخمسية بدءا من العام المقبل جلب استثمارات تقدر بنحو 361 مليار دولار، وهو ما يطرح تساؤلا آخر حول قدرة الاقتصاد الإيراني على استيعاب ذلك الحجم الهائل من الاستثمارات.
فالقوانين الإيرانية تحتاج لكثير من الإصلاحات الحساسة والتي قد تواجه بصعوبات داخلية إذا ما بدت رغبة طهران في مساعدة الشركات الأجنبية على حساب الشركات المحلية التي عانت في أوقات العقوبات.
من جانبه قال فريد هاونغ، محلل الاقتصادات الناشئة لدى دويتشه بنك لـ«الشرق الأوسط» «قبل أن تتحدث إيران عن رغبتها في جذب الاستثمارات الأجنبية عليها أولا أن تسن التشريعات اللازمة لجلب رؤوس الأموال الأجنبية وتهيئة بيئة مناسبة للاستثمار». وأضاف: «سيصطدم هذا بالشركات المحلية التي تتخوف من ضياع حصتها السوقية بعد دخول الشركات الأجنبية كمنافس لديها».
ويقول تقرير حديث صادر عن «ديوليت» للأبحاث، إن تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى إيران بالقدر الذي تتحدث عنه الحكومة يحتاج إلى سنوات طويلة من الإصلاح فيما يتعلق بالتشريعات الاقتصادية وقوانين العمل.
وإلى سوق المال الإيرانية، حيث تبدو الصورة مغايرة نوعا ما بالنسبة للمستثمرين الأجانب وإن كان هناك أيضا بعض التخوف بشأن إمكانية التخارج حال فشل الاتفاق.
جون برينس، مدير أحد الصناديق الاستثمارية لدى إحدى شركات السمسرة العالمية والتي تنشط في إيران، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الفرصة مواتية الآن للاستفادة من هذه السوق الواعدة، أعتقد أن الفترة المقبلة ستشهد إقبالا هائلا من المستثمرين الأجانب على سوق الأسهم». ولا يمثل الاستثمار الأجنبي في بورصة طهران، البالغ رأسمالها السوقي نحو 100 مليار دولار، أكثر من 1 في المائة وفقا لبيانات منشورة على الموقع الرسمي لسوق المال الإيرانية.
يتابع برينس: «يبقى الأمر مرهونا بمدى التزام إيران بالاتفاق النووي خلال الشهور القليلة المقبلة على الأقل، هناك الكثير ينتظرون ما ستسير إليه الأمور».
من جانبه، قال فالتر بوش، الخبير بالشؤون الإيرانية في معهد الدراسات السياسية والأمنية في برلين، لـ«الشرق الأوسط» بأن «الإرادة السياسية متواجدة بقوة فيما يتعلق بالالتزام بنصوص الاتفاق النووي، ولكن المبالغات التي يتصدرها رجال الساسة بشأن حدوث ازدهار اقتصادي في فترة وجيزة قد يكون بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير».
يتابع: «ماذا إذا لم تنجح الحكومة في الوفاء بما تتحدث عنه ليل نهار، قد ينقلب الشارع الإيراني على تلك الاتفاقية وستجد الأصوات المؤيدة لطرح طهران النووي مكانا قويا وهو ما قد يعيد الأمور مرة أخرى إلى المربع رقم صفر، ولكن تلك المرة ستكون العواقب وخيمة على الجميع».



ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

برزت في الفترة الأخيرة رؤيتان متنافستان حول كيفية تعامل حلفاء الولايات المتحدة وشركائها مع النظام العالمي المتغير. ففي الدورة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن شرخ في السياسة العالمية، ودعا القوى المتوسطة إلى العمل معاً لإيجاد بدائل للاعتماد على الولايات المتحدة. ووصف كارني الصين بأنها ثقل موازن فعال للنفوذ الأميركي.

في المقابل، تصر رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، على أن الصين، وليست الولايات المتحدة، هي التهديد الأكثر خطورة الذي تواجهه الدول. وقد منحها الفوز الساحق في الانتخابات المبكرة التي جرت في فبراير (شباط) الماضي تفويضاً لرسم استراتيجية لليابان، وربما لحلفاء آخرين للولايات المتحدة، تقوم على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة رغم عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في كلمة أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو... 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وحظي خطاب كارني بتصفيق حار وإشادة من المعلقين والقادة في جميع أنحاء أوروبا، وحتى في أستراليا، وحقق مكاسب كبيرة داخل كندا. قد تكون رؤية رئيس الوزراء جذابة لحلفاء الولايات المتحدة الذين سئموا غطرسة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها لا تشكل استراتيجية شاملة قابلة للتطبيق أو مستدامة بالنسبة للقوى المتوسطة الأخرى في العالم، بحسب تحليل مايكل جيه. غرين، الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الأميركية في جامعة سيدني، المنشور في مجلة «فورين أفيرز».

فدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، المهددة بنفوذ بكين، تدرك جيداً أنه لا بديل حقيقياً عن القوة الأميركية. ومن المرجح وصول الدول الأوروبية إلى استنتاج مماثل رغم الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.

يقول غرين إنه إذا أرادت الدول المتوسطة أن يكون لها مكان على مائدة صنع القرار الدولي، بدلاً من أن تكون «وليمة» للقوى الكبرى كما يريد كارني، ففرص نجاح نهج تاكايتشي أكبر، في عالم لا تزال فيه الاضطرابات التي تسببها بكين أكثر زعزعة للاستقرار الدولي من الاضطرابات التي يسببها ترمب.

في الوقت نفسه فإن نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة في اليابان ترجح بقاء تاكايتشي، عازفة الطبول في فرقة موسيقى الهيفي ميتال وراكبة الدراجات النارية، في منصب رئيسة الوزراء لفترة طويلة، على خلاف التصورات الشائعة قبل شهور. لذا فإن رؤيتها للسياسة الخارجية ترسي المسار الأكثر واقعية للدول المسؤولة في مواجهة نظام عالمي مهتز.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان... 29 يونيو 2019 (رويترز)

استراتيجية تاكايتشي

وتنطلق استراتيجية تاكايتشي من رؤية رئيس الوزراء الياباني الراحل، شينزو آبي، التي تبلورت خلال السنوات الفاصلة بين فترتيه كرئيس للحكومة، حين أدى التوغل الصيني في الجزر والمياه التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي إلى إذلال اليابان. لاحقاً، بعد عودته إلى منصبه، أجرت حكومة آبي سلسلة من المناورات الحربية استعداداً لإطلاق أول استراتيجية أمنية وطنية معلنة للبلاد. وكشفت هذه المناورات أن اليابان، بمفردها، ستعجز عن التصدي للجيش الصيني في أي مواجهة عسكرية كبرى ببحر الصين الشرقي. والأسوأ من ذلك، خلص فريق آبي إلى أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة متزايدة في التصدي لطموحات الصين الإقليمية من دون مزيد من الدعم من اليابان وحلفائها الآخرين.

حتى ذلك الحين، كانت استراتيجية اليابان تقوم على ترك الشؤون الجيوسياسية للولايات المتحدة، لكي تتمكن طوكيو من التركيز على النمو الاقتصادي وتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء حول العالم. واعتبرت جميع الحكومات اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية أن بند التعايش السلمي في الدستور الياباني، الذي يتنازل عن حق البلاد في شن الحرب لحل النزاعات الدولية، مبرر مثالي للبقاء بعيدة عن حروب الولايات المتحدة وصراعاتها المسلحة، منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن العشرين وحتى حربها الحالية مع إيران.

لكن آبي اعتبر هذا البند عبئاً على بلاده في مواجهة صعود الصين العسكري والاقتصادي، حيث لم يعد بإمكان القادة اليابانيين التنصل من المسؤولية، بينما تقود الولايات المتحدة زمام الأمور؛ فالأرخبيل الياباني، في نهاية المطاف، سيصبح في مقدمة مسارح أي صراع مستقبلي. وبدلاً من تجنب التورط في الحروب الأميركية، باتت اليابان بحاجة إلى دعم جهود الردع التي تقودها واشنطن في آسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)

ولم يتوقع الكثيرون أن تكون تاكايتشي هي حاملة لواء هذه الرؤية الجيوسياسية، رغم أنها كانت حليفة مخلصة لآبي، لأنها لم تكن من بين السياسيين الذين رشحهم في البداية للقيادة المستقبلية.

عندما تولت منصب رئيسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد استقالة شيجيرو إيشيبا، الأكثر اعتدالاً، واجهت تاكايتشي صعوبات مبكرة، بعد تصريحها في مجلس النواب الياباني في نوفمبر (تشرين الثاني) عن أن أي هجوم صيني على تايوان أو فرض حصار عليها سيشكل تهديداً لبقاء اليابان. وأثار هذا التصريح غضب بكين، التي فرضت مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية شديدة على اليابان. وكما كان متوقعاً، انشق حزب «كوميتو»، الشريك السلمي لـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي»، وانضم إلى المعارضة على أمل إزاحة تاكايتشي من السلطة وتشكيل ائتلاف حكومي جديد مع أحزاب أخرى من اليسار السياسي. صمدت تاكايتشي في موقفها، وأعجب الشعب بعزيمتها. وعندما دعت إلى انتخابات مبكرة في فبراير كافأ الناخبون اليابانيون حزب تاكايتشي، «الحزب الليبرالي الديمقراطي»، بأغلبية ساحقة في البرلمان.

ومن المنتظر إعلان تاكايتشي استراتيجيتها الخاصة للأمن القومي في وقت لاحق من هذا العام. ومن المرجح وصول الإنفاق الدفاعي لليابان إلى هدف عام 2027 البالغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي 58 مليار دولار، قبل الموعد المحدد. ستستخدم اليابان ضوابط التصدير وزيادة الاستثمار في سلاسل إمداد المعادن الحيوية والبحث والتطوير لتعزيز تفوقها التكنولوجي على الصين. كما ستواصل تعزيز التعاون الدفاعي وتوقيع اتفاقيات إنتاج عسكري مع شركاء رئيسيين، إذ تعمل اليابان بالفعل على تطوير طائرات مقاتلة جديدة مع بريطانيا وإيطاليا، وتصدير سفن حربية يابانية إلى أستراليا.

وتهدف تاكايتشي إلى استعادة توازن القوى الإيجابي في المنطقة، من خلال علاقة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة. وهي تعمل مع واشنطن على إنشاء مقر قيادة مشترك جديد في اليابان، وتسريع التخطيط الثنائي لمواجهة أي غزو صيني محتمل لتايوان، وزيادة الاستثمارات اليابانية في المعادن الحيوية وتطوير الطاقة في الولايات المتحدة. كما تعمل اليابان على توسيع إنتاج الصواريخ المشترك، وصيانة السفن والطائرات البحرية الأميركية في اليابان، والتعاون مع الولايات المتحدة في مجال تعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ومن المرجح أن تحذو تاكايتشي حذو آبي في المحافل الدولية، مثل قمة مجموعة السبع، وتدفع نحو التضامن بين الديمقراطيات الرائدة، بدلاً من «تقليل المخاطر» بالسعي إلى مزيد من النأي عن الولايات المتحدة كما اقترح كارني في خطابه بدافوس.

لكن، بالرغم من الدعم الكبير لليابان من جانب الرأي العام وأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة، فإن تجارب التاريخ تقول إن الرؤساء الأميركيين يمكن أن تكون لهم مواقف مخيبة للآمال بالنسبة لطوكيو.

في الوقت نفسه يمكن أن تسهم حالة عدم اليقين في وضع استراتيجية جادة.

وتمتلك تاكايتشي حالياً الاستراتيجية الأكثر جدية، وهي استراتيجية تقوم على تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة بدلاً من التكهن بعالم ما بعد الهيمنة الأميركية. فالشراكة مع واشنطن لا تعني الرضوخ لاحتياجاتها، بل استخدام النفوذ بفعالية لضمان أن يخدم التحالف مصالح اليابان.

عندما تولت تاكايتشي وزارة الأمن الاقتصادي من عام 2022 إلى عام 2024، كانت استراتيجية اليابان تتمحور حول اكتساب مكانة لا غنى عنها بفضل تقنياتها واستثماراتها وقدراتها العسكرية. وبصفتها رئيسة للوزراء اليوم، تدرك تاكايتشي أهمية اليابان في جهود الولايات المتحدة لردع التوغل العسكري الصيني والحصول على المعادن الحيوية، كما يدرك ذلك مستشارون كبار للرئيس ترمب.

معنى ذلك أن استراتيجية ترتكز على التعاون مع الولايات المتحدة ستتيح لليابان فرصاً أكبر للاستفادة من قوة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي تواجهها في غرب المحيط الهادئ، حتى في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الوضع في واشنطن.


باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

TT

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)
موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

قال متحدث باسم حكومة حركة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 400 شخص لقوا حتفهم، وأصيب 250 آخرون في ضربة جوية شنتها باكستان على مستشفى لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابل، في تصعيد حاد للصراع بين البلدين الجارين. ورفضت باكستان هذا الاتهام، ووصفته بأنه كاذب، ومضلل، وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية، وبنية تحتية تدعم الإرهابيين» مساء أمس.

وقال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارر: «تشير الانفجارات الثانوية التي شوهدت بعد الغارات بوضوح إلى وجود مستودعات ذخيرة كبيرة».

وجاءت الغارة الجوية بعد ساعات من إعلان الصين أنها لا تزال مستعدة لمواصلة الجهود الرامية إلى تخفيف التوتر بين البلدين الواقعين جنوب آسيا، وحثت كلا الطرفين على تجنب توسيع نطاق الحرب، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

عناصر أمن من «طالبان» يتفقدون موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

والصراع الذي اندلع الشهر الماضي هو الأسوأ على الإطلاق بين الجارتين اللتين تشتركان في حدود بطول 2600 كيلومتر. وكان الصراع قد خمد وسط محاولات من دول صديقة، منها الصين، للتوسط، وإنهاء القتال قبل أن يشتعل مجدداً، وهذه المرة قبل أيام قليلة من عيد الفطر.

ويأتي هذا التصعيد وسط حالة من عدم الاستقرار الأوسع نطاقاً في المنطقة، إذ أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران ورد طهران الشرق الأوسط في أزمة.

وفي الموقع، بدا مبنى مكون من طابق واحد وقد تفحم بالكامل وظهرت عليه آثار النيران. وفي مناطق أخرى، تحولت مبانٍ عدة إلى أكوام من الخشب والمعدن، بينما لم يبقَ سوى عدد قليل من الأسرة المرتبة سليمة بعض الشيء، وكانت البطانيات والمتعلقات الشخصية وأغطية الأسرة متناثرة.

وقال شهود إنهم سمعوا انفجار ثلاث قنابل في الوقت الذي كان فيه الناس في المستشفى يؤدون صلاة العشاء، وأصابت اثنتان منها غرفاً، ومناطق للمرضى.

وقال أحمد (50 عاماً)، الذي قال إنه كان يتلقى العلاج في المستشفى ولم يذكر سوى اسمه الأول: «اشتعلت النيران في المكان بأكمله. كان الأمر أشبه بيوم القيامة... احترق أصدقائي ولم نتمكن من إنقاذهم جميعاً».

جرحى جراء غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (رويترز)

وأظهرت لقطات من وسائل الإعلام المحلية التقطت خلال الليل ألسنة اللهب وهي تلتهم مبنى من طابق واحد، بينما كان الدخان الكثيف يتصاعد من قسم آخر من المجمع نفسه، وكان العمال ينقلون الجثث على نقالات.

وقال سائق سيارة الإسعاف الحاج فهيم لـ«رويترز»: «عندما وصلت (الليلة الماضية) رأيت أن كل شيء يحترق، والناس يحترقون... وفي الصباح الباكر اتصلوا بي مرة أخرى وطلبوا مني العودة، لأن هناك جثثاً لا تزال تحت الأنقاض».

وقال حمد الله فيترات، نائب المتحدث باسم «طالبان»، إن الغارة الجوية وقعت الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش أمس، واستهدفت مستشفى أوميد الحكومي، الذي قال إنه مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات بسعة ألفي سرير.

وأضاف: «تم تدمير أجزاء كبيرة من المستشفى، وهناك مخاوف من وقوع إصابات جسيمة... وللأسف، بلغ عدد القتلى حتى الآن 400 شخص، وإصابة ما يصل إلى 250 آخرين».

ولم تتمكن «رويترز» بعد من التحقق من عدد الضحايا. وزعم كلا الطرفين طوال فترة النزاع أنهما ألحقا أضراراً جسيمة بالطرف الآخر، لكن لم يكن من الممكن إجراء تحقيق مستقل.

ووصف المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني الإشارة الأفغانية إلى استهداف متعاطي المخدرات بأنها «أكاذيب مستمرة»، وقال إن «عمليات مكافحة الإرهاب» الباكستانية ستستمر طالما استلزم الأمر للقضاء على «الإرهابيين وبنيتهم التحتية».


أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)

قال ​نائب المتحدث باسم حكومة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء ‌إن ‌ما ​لا ‌يقل ⁠عن ​400 شخص لقوا ⁠حتفهم وأصيب 250 آخرون في غارة ⁠جوية شنتها ‌باكستان ‌على ​مستشفى لإعادة ‌تأهيل ‌مدمني المخدرات في العاصمة كابول.

ورفضت باكستان ‌هذا الاتهام ووصفته بأنه ⁠كاذب ومضلل، ⁠وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية وبنية تحتية تدعم الإرهابيين»، ​مساء ​أمس الاثنين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

يأتي ذلك في ظل النزاع بين باكستان وأفغانستان، إذ شنّت إسلام آباد عدة ضربات على كابول خلال الأسابيع الأخيرة.

وسُمعت عدة انفجارات مصدرها منطقتا شهرنو ووزير أكبر خان في وسط العاصمة الأفغانية. وشاهد صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» أماً مذعورة تغادر أحد المباني، وهي تنادي ابنها للعودة إلى المنزل بعد الانفجار العنيف.

واتهمت الحكومة الأفغانية باكستان بقصف كابل مستهدفة «مركزاً لعلاج الإدمان»، ما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين. وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد عبر منصة «إكس»: «انتهك النظام الباكستاني مجدداً المجال الجوي الأفغاني، مستهدفاً مركزاً لعلاج الإدمان في كابل، ما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين، معظمهم من مدمني المخدرات الذين يخضعون للعلاج».

وتخوض الدولتان نزاعاً منذ أشهر، سببه اتهام إسلام آباد جارتها بإيواء مقاتلين من حركة «طالبان باكستان» التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات دامية على الأراضي الباكستانية، وهو ما تنفيه السلطات الأفغانية.

وبعد تصعيد في أكتوبر (تشرين الأول) أسفر عن مقتل العشرات، هدأت حدة الاشتباكات لكنها لم تتوقف تماماً. إلا أنها تجددت بقوة في 26 فبراير (شباط) عقب غارات جوية باكستانية، وأعلنت إسلام آباد «حرباً مفتوحة» في 27 فبراير.