حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

أوروبا تنجح في تخطي اضطراب إمدادات الغاز... و«أوبك» ترسي عوامل استقرار النفط

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط
TT

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

أعادت الحرب الروسية الأوكرانية، هيكلة أسواق الطاقة العالمية، وأجبرت الدول التي تعتمد على مصدر وحيد لتوليد طاقتها، سواء من دولة محددة أو مصدر طاقة محدد، إلى تنويع مصادرها من دول كانت خارج حساباتها الاقتصادية والسياسية وحتى بعدها الجغرافي، مع الحرص على تنويع مصادر الطاقة نفسها أيضاً.
وفي الوقت الذي وجد فيه العالم نفسه فجأة أمام مسار إجباري، نهايته غير معروفة حتى الآن، برز قطاع الطاقة كمحدد أساسي في العلاقة بين الدول، حتى تولى ملف الطاقة لدى الدول كافة، الرؤساء أنفسهم، وبدت القبلة هنا شرقاً.
استحوذت دول الشرق الأوسط هنا على النسبة الأكبر من المناقشات والمباحثات والتعاقدات والعقود ومذكرات التفاهم، مع الغرب، وتحديداً الدول الأوروبية، في قطاع الطاقة، وذلك عكس ما كان يروج له الغرب تماماً، من وجوب التحول نحو الطاقة المتجددة والضغط على الدول المنتجة للوقود الأحفوري، حتى تقلل من إنتاجها ومن ثم انبعاثاتها الكربونية.
لم تحدد الدول الغربية، بسبب الحرب الأوكرانية، قبلتها ناحية الشرق، إلا بعد أن استخدمت معظم مصادر الطاقة لديها، حتى إنها عادت إلى عصور الفحم من جديد، الوقود الأكثر تلويثاً للمناخ؛ ومع مؤشرات إطالة زمن الحرب، بدا الشرق الأوسط هنا حلاً متوازناً، يحافظ على مصادر طاقة، أقل تلويثاً، ويحرص على أن يستمر الغرب في النور، من إضاءة وتدفئة تحافظ على سريان الدم في عروق مواطنيه.

وسياسة دول الشرق الأوسط هذه، ربما قد تضر بعلاقتها بروسيا، المستمرة في الحرب، والمستمرة أيضاً في ضخ الغاز عبر أوكرانيا للقارة الأوروبية، التي تعارض بشدة تدخلها في أوكرانيا، بل ووقعت عليها عقوبات هي الأشد منذ عقود على أي دولة، ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، الاقتصاد الأكبر في العالم.
غير أن روسيا عضو في مجموعة «أوبك بلس»، التي تضم أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، بقيادة السعودية، (13 دولة) وحلفاءها (10 دول)، وهو ما يتوجب عليه قرارات تحافظ على أسواق الطاقة العالمية، حتى لو كانت موسكو، عضواً في «أوبك بلس».
واضطراب أسواق الطاقة يخدم روسيا ويضر باقي المنتجين، وهو ما لم تسمح به السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لذلك وازنت بقراراتها بين العرض والطلب، حتى الآن، مع استقرار الأسعار دون 100 دولار، وهو ما يخدم الاقتصاد العالمي.
بناء على كل هذه المعطيات، تستطيع الدول الأوروبية، أن تقول: «نجحنا في اختبار أزمة الطاقة، بعد مرور عام كامل على الحرب الروسية - الأوكرانية، التي ضربت الاقتصاد العالمي في مقتل، باستهدافها الطاقة والغذاء».
- العالم يتجه شرقاً
بعد عقود من اعتماد القارة الأوروبية على روسيا في توفير أكثر من 40 في المائة من استهلاك الطاقة، بدأت الدول الأعضاء تنتفض، كل حسب درجة تأثره بأكبر أزمة طاقة عالمية منذ عقود.
ألمانيا: توجهت ألمانيا، المتضرر الأكبر من تغيرات أسواق الطاقة، التي كانت تعتمد على روسيا بنحو 50 في المائة في توفير طاقتها، إلى قطر، واتفقت بموجب صفقتين جديدتين نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، بتزويدها ما يصل إلى مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال يومياً عبر ناقلات بحرية، بداية من عام 2026 ولمدة 15 عاماً.
يتعين على ألمانيا استبدال 45 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، كان يتم ضخها من روسيا إلى ألمانيا سنوياً عبر خط أنابيب نورد ستريم 1. الذي تضرر بسبب تفجيرات، ما زال منفذها مجهولاً.
ويهدف أكبر اقتصاد في أوروبا، الذي يعتمد على الغاز الطبيعي بشكل أساسي لتشغيل القطاع الصناعي، إلى استبدال جميع واردات الطاقة الروسية بحلول منتصف عام 2024. ذلك وسط تقديرات بخسائر تكبدها الاقتصاد الألماني تتخطى 100 مليار يورو (106.4 مليار دولار)، أو نحو 2.5 في المائة من الناتج الاقتصادي للبلاد، وفق رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (دي آي دبليو) مارسيل فراتسشر.
إيطاليا: وقعت إيطاليا والجزائر، يناير (كانون الثاني) 2023. اتفاقية لبناء خط أنابيب غاز جديد، لرفع إمدادات روما من الغاز الجزائري من 20 إلى 35 مليار متر مكعب. في الوقت الذي تعتزم فيه إيطاليا رفع واردات الغاز إلى مستوى 50 - 70 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2025، من أجل القيام بدور مركز للطاقة في قارة أوروبا.
ترتبط الجزائر مع القارة الأوروبية بثلاثة خطوط للغاز، الأول: «ترانسميد»، وهو خط قديم يمر عبر تونس إلى صقلية، والثاني: خط «جالسي»، الذي أوقف تنفيذه منذ 10 سنوات، ثم عاد الحديث بشأنه من جديد، ويمر إلى إيطاليا عبر جزيرة سردينيا. بالإضافة إلى الخط الثالث: «ميدغاز»، الذي يصل إلى إسبانيا والبرتغال، مروراً بالمغرب. لذلك تعد إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والبرتغال أهم عملاء الجزائر.
كما وقعت إيطاليا، يناير 2023، اتفاقاً لإنتاج الغاز من الحقول الليبية بقيمة 8 مليارات دولار لمدة 25 عاماً، يضمن تعزيز إمدادات الطاقة إلى أوروبا، على أن يبدأ الإنتاج عام 2026 ويستهدف الوصول إلى 750 مليون قدم مكعبة يومياً.
الاتحاد الأوروبي: في يونيو (حزيران) 2022، وقَّعت مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، اتفاقية ثلاثية، تقوم بمقتضاها القاهرة وتل أبيب بتصدير وإعادة تصدير الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، تحت مظلة منتدى غاز شرق المتوسط. ورغم عدم الإعلان رسمياً عن مدة وقيمة الصفقة، غير أنها قد تمتد 3 سنوات، مع تمدد تلقائي لمدة عامين.
صدرت مصر 8 ملايين طن من الغاز خلال عام 2022، مقارنة بنحو 7 ملايين طن في العام المقارن، وذلك من 50.6 مليون طن إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي خلال العام الماضي. وسط مساعٍ لزيادة حجم الصادرات الغازية بالتزامن مع إجراءات ترشيد الطاقة في البلاد.
- أميركا تتصدر
في مارس 2022، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مُصدِر للغاز الطبيعي المسال في العالم، للمرة الأولى على الإطلاق، وذلك بفضل زيادة شحناتها إلى أوروبا المتعطشة للطاقة.
تعد أستراليا وقطر والولايات المتحدة وروسيا والجزائر والسعودية، من كبار مصدري الغاز في العالم.
فاق الإنتاج الأميركي، إنتاج قطر وأستراليا من الغاز، في ديسمبر (كانون الأول) 2021، بعدما قفزت الصادرات من منشآت سابين باس وفريبورت، وفقاً لبيانات تتبع السفن نشرتها «بلومبرغ».
تحولت أميركا من مستورد للغاز الطبيعي المسال إلى أكبر مصدر في أقل من عقد، بفضل إنتاج الغاز الطبيعي الصخري، فضلاً عن ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في مرافق التسييل.
ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي في عام 2022، في صورة غاز مُسال 8 في المائة لتبلغ 10.6 مليار قدم مكعب يومياً، أي أقل بقليل من 10.7 مليار قدم مكعب يومياً تصدرها أستراليا. بينما ظلت الولايات المتحدة متقدمة على قطر، التي احتلت المرتبة الثالثة بتصديرها 10.5 مليار قدم مكعب يومياً، وفقاً لبيانات «رفينيتيف».
- الصين تدخل على الخط
في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو الشرق الأوسط لتأمين إمدادات الطاقة، وتحديداً الغاز، دخلت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لتضمن نصيباً يضمن لها الحفاظ على مركزها الاقتصادي، حتى شكلت الشركات التي يقع مقرها بالصين نحو 15 في المائة تقريباً من كافة العقود التي تبدأ في عمليات تسليم إمدادات الغاز الطبيعي المسال حتى 2027. وفق تحليل بيانات «بلومبرغ إن إي إف».
يقدر حجم عمليات إعادة بيع الصين بـ5.5 مليون طن غاز طبيعي مسال خلال العام الماضي، وفق تقرير البحث الشهري لشركة «إي إن إن إنيرجي» لشهر يناير الماضي. يعادل ذلك نحو 6 في المائة من إجمالي حجم سوق العقود الفورية.
أبرمت الصين عقوداً مع برامج تصدير أميركية أكثر من أي دولة أخرى منذ 2021، وفق بيانات «بلومبرغ إن إي إف»، ووقعت الصين اتفاقية تاريخية، نوفمبر 2022، بقيمة 60 مليار دولار لشراء الغاز الطبيعي المسال من قطر، بموجبها يتم إرسال 4 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً اعتباراً من عام 2026. لمدة 27 عاماً.
- أوروبا تنجح حتى الآن
انخفضت حصة إمدادات الغاز الطبيعي الروسي من نحو 50 في المائة من إجمالي الإمدادات في أوروبا إلى أقل من 10 في المائة، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي. وفي حال استمرار الإمدادات الروسية عند مستوياتها الحالية، على الاتحاد الأوروبي استيراد 20 مليار متر مكعب من الغاز الروسي فقط، خلال العام الحالي، مقابل 155 مليار متر مكعب، قبل نشوب الحرب الروسية ضد أوكرانيا.
وفَّر الاتحاد الأوروبي 12 مليار يورو (8.‏12 مليار دولار) من الغاز منذ بداية الأزمة الروسية، بفضل زيادة توليد طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وفق بيانات مركز أبحاث الطاقة (إمبر) الصادرة 22 فبراير (شباط) 2023.
وخفضت دول الاتحاد الأوروبي استهلاك الغاز بنسبة 3.‏19 في المائة منذ الصيف الماضي، لتتجاوز هدف الاستهلاك، الذي وضعته الكتلة الأوروبية. وفق وكالة الإحصاء الأوروبية «يوروستات» الثلاثاء الماضي.
كانت الدول الأوروبية قد تعهدت بخفض الطلب على الغاز بنسبة 15 في المائة خلال الأشهر ما بين أغسطس (آب) 2022، ومارس (آذار) 2023، مقارنة بالفترة نفسها خلال الخمسة أعوام السابقة. وذلك بعدما خفضت روسيا صادرات الغاز للكتلة الأوروبية في أعقاب غزو أوكرانيا.
وأظهر تقييم للأشهر من أغسطس 2022، حتى يناير 2023، أن 22 دولة من بين 27 دولة خفضت الطلب بنسبة 15 في المائة أو أكثر.
ووفقاً لـ«يوروستات»، سجلت فنلندا وليتوانيا والسويد أكبر خفض بنسبة سالب 3.‏57 في المائة، وسالب 9.‏47 في المائة وسالب 2.‏40 في المائة على التوالي.
وخفضت دول أخرى استهلاك الغاز، ولكن بنسبة أقل من المستهدف، وهي سلوفينيا (سالب 2.‏14 في المائة) وإسبانيا (سالب 7.‏13 في المائة) وآيرلندا (سالب 3.‏0 في المائة). وسجلت دولتان فقط بالاتحاد الأوروبي زيادة في الطلب، وهما سلوفاكيا بزيادة بنسبة 6.‏4 في المائة ومالطا بنحو 9.‏11 في المائة. ومع هذا التخفيض في الطلب الأوروبي على الغاز، تراجعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى نحو 50 يورو لكل ميغاواط في الساعة، نزولاً من زهاء 350 يورو سجلتها خلال ذروة الأزمة، أو ما يعادل 100 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. كما تراجعت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة لأقل من دولارين لكل مليون وحدة حرارية لأول مرة منذ 2020. إلى 1.9 دولار لكل مليون وحدة حرارية تسليم مارس 2023.
ولا يتعارض كل هذا، مع التسعيرة الجبرية (سقف للأسعار) التي وضعتها أوروبا على الغاز الروسي. غير أن المخاوف تتزايد مع كل فصل من فصول العام، سواء موسم الشتاء الذي يتطلب التدفئة أو موسم الصيف الذي يتطلب التبريد.
- فرص الشرق الأوسط تزداد
تقول إيمان هيل، رئيسة الاتحاد الدولي لمنتجي النفط والغاز، إن الصراع الروسي الأوكراني سلَّط الضوء على أهمية أمن الطاقة للعالم أجمع، ولفت الانتباه إلى أزمة كبيرة جنباً إلى جنب مع عمليات إزالة الكربون وتحول الطاقة: «نحن جميعاً معنيون بصناعة النفط والغاز لدفع عملية إزالة الكربون وتحول الطاقة، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك على حساب أمن الطاقة».
أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى أوروبا، فقد أوضحت الحرب الروسية أنه لا يمكنك الاعتماد بشكل مفرط على الإمداد من بلد واحد، أو منطقة واحدة، مثل أوروبا، التي اعتمدت بشكل مفرط على روسيا في إمدادات الطاقة».
ترى هيل أن هناك فرصة كبيرة لدول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لسد الفجوة في الطلب على الطاقة، وسط سياسة تنويع الإمدادات بعيداً عن الغاز والنفط الروسي، التي تتبعها الدول الأوروبية، وبعض الدول الأخرى، خوفاً من العقوبات. وقالت: «ستكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة مهيمنة من حيث الإنتاج لعقود قادمة». نظراً لأن المنطقة تتمتع بإمكانيات كبيرة سواء في الطاقة التقليدية أو الطاقة المتجددة.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».