ممدوح المهيني: حرب أوكرانيا تشهد على وجودنا في قلب الحدث

المدير العام لـ{العربية} قال لـ «الشرق الأوسط» إن شبكات التواصل الاجتماعي أثرت على المشهد الإعلامي

استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ممدوح المهيني: حرب أوكرانيا تشهد على وجودنا في قلب الحدث

استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)

تتأهب قناة «العربية» لإكمال عامها العشرين خلال شهر مارس (آذار) المقبل، وهي التي استطاعت «تكوين نموذج مستدام من خلال روح الفريق المتجددة»، وفقاً لما يشير إليه ممدوح المهيني مدير عام القناة. ووفق حديث المهيني لـ«الشرق الأوسط» فإن هذه الروح ساهمت في قدرة القناة على قيادة المشهد الإعلامي الإخباري السياسي خلال العقدين الماضيين، مشيراً إلى أن تلك الخاصية جعلت القناة قادرة على التحوّل والتطوّر ومواكبة تطلّعات كل من صنّاع القرار والمشاهد العربي.
كذلك، تطرّق مدير «العربية» في الحوار إلى تأثير منصَّات التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي، وتغطية القناة لزلزال سوريا وتركيا، بالإضافة إلى الانتقال الكامل إلى العاصمة السعودية الرياض، وملفات أخرى. وفيما يلي نص الحوار:
> كيف تنظر إلى «العربية» الآن، خصوصاً مع قرب إكمالها عامها العشرين؟
- خلال الشهر المقبل تكمل «العربية» عامها العشرين، وخلال العقدين المنصرمين، وحتى هذا اليوم، نراها تقود المشهد الإعلامي الإخباري السياسي. تملك «العربية» منذ انطلاقتها الأسس المتينة، وفريقاً على قدر كبير من الاحترافية والالتزام والإخلاص. وأنا سعيد بالعمل معهم كل يوم. لقد خلق هذا الفريق روحاً متجددة داخل «شبكة العربية»، وهذا يجعلها قادرة على التحوّل والتطوّر والمواكبة وحجز مكانة كبيرة لها لدى المشاهد العربي. إن أهم صانعي القرار يختارون قناتي «العربية» و«الحدث» (اللتين تضمهما الشبكة) لكي يوصلوا كلمتهم لأنهم يعتبرونهما المحطتين الأهم. ولقد التقينا في وقت سابق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وظهر أخيراً على شاشتنا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كما تحدث معنا رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، وستبث مقابلة قريباً مع الزعيم الماليزي مهاتير محمد، والقائمة تطول.

ممدوح المهيني

> تغير المشهد الإعلامي كثيراً خلال الأعوام الأخيرة مع دخول شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) لاعباً رئيسياً في المشهد، هل أثّر هذا على «شبكة العربية»؟
- هذا صحيح. وأعتقد أنه من الخطأ تجاهل دور شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) وتأثيرها الكبير على الساحة الإعلامية، وهي اليوم تلعب دوراً مهماً في حياتنا، وفي الإعلام تحديداً. إلا أن «شبكات التواصل الاجتماعي» (السوشيال ميديا) مزيج واسع من الأخبار والمعلومات الصحيحة والمزيّفة، وباتت مسرحاً واسعاً لظاهرة ما يسمى التضليل المتعمّد وغير المتعمّد. وبالتالي، فإن ما نؤكد عليه باستمرار في قناة «العربية» هو التركيز على المحتوى الصحافي وتقديمه للمشاهدين بأفضل صورة ممكنة. على سبيل المثال، عندما وقعت أزمة أوكرانيا كان لدى «العربية» العديد من المراسلين الذين كانوا ينقلون المعلومات للمشاهدين ويذهبون إلى جبهات القتال لنقل الصورة والمعلومة الدقيقة على الهواء مباشرة. كنّا موجودين عندما عبرت الدبابات الروسية الحدود، وأحد مراسلينا نقل مشاهد مروّعة لصور الجثث والأعضاء المبتورة عندما وصل إلى هناك بعد دقائق من نهاية معركة بين الروس والأوكرانيين، واضطررنا إلى وقف المشاهد ومنعها من العرض. أيضاً، خلال فترة «كوفيد - 19» عندما كان العالم مغلقاً ذهب مراسلو «العربية» و«الحدث» إلى بؤر الجائحة التي يهرب منها الناس، وذلك لتغطية التطورات والدخول إلى المستشفيات المكتظة بالمرضى. بالإضافة إلى ذلك، إبّان مظاهرات إيران، كانت «العربية» هي المتابعة للتطوّرات والاعتقالات، في وقت امتنعت عن ذلك محطات أخرى. لقد تابعنا قصة «طالبان» منذ البداية، وكنا هناك قبل سقوط كابل وبعدها والتقينا المسؤولين في «طالبان»، ثم غطينا أزمة منع النساء من الدراسة والعمل... وهي أزمة كبيرة لم يوجد هناك مَن تابعها عن قرب. وهناك منحنا جماعة «طالبان» فرصة للدفاع عن أنفسهم، وطرحنا عليهم أسئلة مباشرة قوية ونقلنا لهم معاناة المرأة الأفغانية. وأخيراً قدمنا تغطية شاملة لكارثة الزلزال في تركيا وسوريا وعملنا على مدار الساعة لنقل المعاناة الإنسانية التي مرّ ويمرّ بها الناس هناك. إن ما ذكرته أمثلة قليلة للتأكيد على أننا حريصون على تقديم المحتوى الإخباري قبل أي شيء آخر، وبأكبر قدر من المهنية. وجواباً على سؤالك... أقول إننا لم نتأثّر سلبياً بالتغيّرات التي أحدثتها منصّات «السوشيال ميديا»، بل استفدنا منها. أنا أرى المؤثرين وصانعي المحتوى لاعبين مهمين ويُكملون المشهد الإعلامي، ولكن المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل «العربية» بسبب تركيزها على دورها الصحافي ومكانتها القوية هي من تلعب الدور الأكبر والأهم.
> قلت قبل قليل إنكم استفدتم من شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)... هل يمكن أن تشرح أكثر؟
- نعم... بقدر اهتمامنا بالشاشة فقد عزّزنا قدراتنا في شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا). قبل 3 سنوات كان متابعو «شبكة العربية» 98 مليون متابع، أما اليوم فقد قفز هذا الرقم إلى 180 مليوناً. نحن اليوم نقدّم المحتوى السياسي بأشكال جديدة على كل المنصات بلا استثناء لكي نصل إلى كل الفئات. والتجربة أثبتت أن الجمهور لديه اهتمام بالقضايا السياسية والمواد الرصينة على عكس الاعتقاد الشائع بأنه يهتم بالمحتوى غير الجاد. توسعُنا لا يتوقّف لأننا نعتقد أن مساحة التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) مهمّة والتنافس موجود، واستطعنا بالفعل أن نصل لدول عديدة، قد لا تجد على الشاشة مساحة كافية لتغطية شؤونها. وأيضاً، توسعُنا شمل منصات التواصل الاجتماعي التي تركّز على فئات الشباب، حيث نتواصل معها بأسلوب خاص من دون تغيير سياستنا أو خطنا التحريري. الهدف هو تهيئة الجيل الجديد للانضمام إلى الجمهور الأساسي للقناة في المستقبل.
> إلى أي مدى تعتبر التكنولوجيا عنصراً مهماً في عالم الأخبار... وخاصة في قناة «العربية»؟
- إلى جانب اهتمامنا بالمحتوى السياسي والتميّز بالتغطيات، لدينا أيضاً اهتمام باستعمال التكنولوجيا وتقنية الواقع المعزّز. ولا يزال المشاهدون يتذكرون تغطية الانتخابات الأميركية الأخيرة وكَم من التحضيرات أخذت وكَم كانت القيمة الإخبارية التي لم تتوفر لدى أي محطة إخبارية أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، استمر استعمال الواقع المعزّز لعرض القصص، التي نريد إيصالها للمشاهدين بأساليب شيّقة. الاهتمام بالتكنولوجيا لا يتوقّف لدينا... إذ استفدنا من تقنية الذكاء الاصطناعي، حيث يوجد الآن تطبيق «العربية» على جهاز «أمازون أليكسا» و«أبل كار بلاي».
> كيف اختلفت تغطية كارثة زلزال تركيا وسوريا عن سابقاتها؟
- الكارثة كبيرة وهائلة على كل المستويات. التوقّعات أن يصل عدد القتلى إلى رقم يتجاوز الخمسين ألفاً، وهذا رقم كبير، بالإضافة إلى المُصابين والمشرّدين. لقد قمنا بتغطية أخبار الزلازل والهزّات فور وقوعها. ورغم صعوبة الوصول إلى هناك بسبب الدمار الهائل في الطرق والبنى التحتية استطاع مراسلونا الوصول إلى المناطق المتضررة ونقلوا إلى المشاهدين عن قرب ما يجري. وهنا دعني أقول إنها تجربة صعبة مررنا بها في غرفة الأخبار ولدى المراسلين بسبب المشاهد المؤلمة. ليس من السهل أن تغطّي كارثة أدت إلى مقتل آلاف الأبرياء، بينهم أطفال دفنوا تحت الأنقاض في أقل من دقيقتين.
> كيف تنظر إلى المنافسة والأداء بين القنوات الإخبارية العربية؟
- عندما نتكلم عن أداء التلفزيون، لا تزال «شبكة العربية» ممثلة بقناتي «العربية» و«الحدث» في الطليعة في معظم الدول العربية. على سبيل المثال، قناة «الحدث» تأتي في المرتبة الأولى ضمن القنوات الإخبارية الإقليمية في العراق وليبيا واليمن. أما إذا تكلمنا عن منصات التواصل الاجتماعي، فإن تطلعات وأهداف الشبكة هي المنافسة على المراتب القيادية على مستوى شبكات الأخبار العالمية. المنافسة دائماً محفّز مهم على الإبداع... وبالنسبة لـ«شبكة العربية» فنحن نملك الكثير من نقاط القوة، منها خبرة الزملاء والزميلات في غرفة الأخبار، بالإضافة إلى مراسلينا في الميدان في مناطق الصراعات والحروب، وأيضاً الوجوه التي تظهر على «العربية» والعمل الاحترافي الذي يقدّمه الجميع في الشبكة.
> في ظل توسع القناة وانتقال مقرها إلى العاصمة السعودية الرياض، كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟
- الرياض من بين العواصم الأهم في العالم، وهذا بلا شك سينعكس على نمو «شبكة العربية»، وقد بدأنا تقديم نشرات وبرامج من مقرّنا هناك... ونحن الآن في طور الانتقال الكامل الذي سيكتمل في المقر الجديد.
> في رأيك، ما أبرز ملامح الخط التحريري عند قناة «العربية»؟
- لدى «العربية» خبرة طويلة في الإعلام، لكن لدينا أيضاً إيمان بقدرتنا على مواكبة الخبر. والدليل أن هناك جيلاً وُلد بعد انطلاقة «العربية» وبدأ يتابعها. لقد استضافت قناة «العربية» أهم الوجوه في العالم، وغطّت أهم النزاعات، والأزمات والكوارث الطبيعية. ولدينا إيمان مطلق بتقديم الحِرَفية الإعلامية وبقدرتنا على التطوّر. ثم إنه، رغم تغيّر المشهد الإعلامي، فإن «العربية» لا تزال تمثّل المصدر الموثوق لمتابعة الخبر. أيضاً، رغم ما واجهناه من مخاطر كمثل تدمير مكتب العراق، وتخريب مكتب السودان من دون معرفة مَن يقف خلفه، وتعرّض زميلنا في تركيا للاعتقال، وتعرّض زملائنا في لبنان للضرب من قبل عناصر «حزب الله»، وتعرض زميلنا في اليمن محمود العتمي لعملية تفجير سيارة، مما أدى إلى مقتل زوجته وطفله... قدّمنا وما زلنا مادة صحافية قيمة، وهذا دليل على التزامنا الكامل بتقديم العمل الصحافي بأفضل طريقة ممكنة... ونحن فخورون بهذا.
> خارج نطاق الأخبار الآنية، ما هي خطط «العربية» فيما يتعلق بالأفلام الوثائقية التي تُعَدّ منتَجاً مطلوباً لدى المشاهد العربي؟
- أؤكد أننا ملتزمون بتقديم المادة الصحافية المتوازنة، وكذلك نشر فكر الاعتدال في العالم العربي، الذي عاش فترات طويلة ضحية للخطابات المتطرفة والمأزومة. ومن ضمن خطط «العربية» في هذا الإطار، تقديم وثائقيات من إنتاجنا الخاص عن أهم المفكّرين المسلمين والعرب مثل فرج فودة ونجيب محفوظ، وأخيراً نصر حامد أبو زيد. كل هذا بهدف دعم الرؤى الفكرية المعتدلة والإنسانية لأننا نرى في ذلك مصلحة كبيرة للشباب العربي... بعكس مَن يروج لخطاب الكراهية والعنف.
> بعيداً عن مسؤولياتك في «العربية»... على مستوى شخصي أنت أيضاً كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط»... كيف تجمع بين الدورين؟
- الكتابة بالنسبة لي متعة كبيرة وتمرين عقلي وتحتاج ساعات طويلة من القراءة... والكتابة في صحيفة عريقة مثل «الشرق الأوسط» تجربة مختلفة وجميلة. وأنا أشكر القائمين على هذه الصحيفة على منحي الفرصة للكتابة فيها. والعمل الصحافي في التلفزيون أو الصحيفة هو تقريباً نفسه مع اختلاف الأشكال والأنماط، ولكن في العمق يحرّكه البحث عن الانفراد والحصول على المعلومات الحصرية والمقابلات الخاصة... وقبل كل ذلك الشغف بالمهنة، وهذا هو أهم شيء في عملنا الصعب والممتع في آن معاً.


مقالات ذات صلة

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا نشطاء ومعارضون سياسيون يشاركون في مظاهرة بالعاصمة تونس (رويترز)

القضاء التونسي يحكم بسجن صحافية 4 سنوات غيابياً

كشفت الصحافية التونسية ‌خولة بوكريم، وهي منتقدة شديدة للرئيس قيس سعيد، أن محكمة في تونس قضت بسجنها 4 سنوات غيابياً.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد


مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي
TT

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

جدد إعلان شركة «ميتا» عن تحديث جديد لخدمة الذكاء الاصطناعي المخاوف بشأن «خصوصية بيانات المستخدمين». ودعا خبراء إلى «ضرورة استخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية».

شركة «ميتا» أعلنت الأسبوع الماضي عن تحديث جديد يستهدف «جعل توصيات ظهور المحتوى للمستخدم في منصاتها، وردود الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطاً بنشاطات المستخدم واهتماماته عبر دمج البيانات التي تجمعها من شركائها الإعلانيين ضمن خوارزمياتها».

وأوضحت الشركة في بيان نشرته على موقعها، أنها «تعمل على تحديث الطريقة التي تستخدم بها المعلومات التي تشاركها بالفعل شركات أخرى». وتابعت أنها «تستخدم هذه البيانات حالياً، التي تتعلق بالألعاب التي يلعبها المستخدم أو المشتريات التي يشتريها، لربط الإعلانات التي يراها المستخدم باهتماماته، لكنها ستعمل في المستقبل على استخدام هذه المعلومات لتطوير المحتوى الذي يظهر للمستخدم على الصفحة الرئيسية وردود الذكاء الاصطناعي».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، هذا التحديث «جزءاً من استراتيجية (ميتا) لتعزيز تخصيص منصاتها وتحسين أداء أنظمة الإعلان والذكاء الاصطناعي». وأوضحت أنه «من خلال ربط الأنشطة على مواقع وتطبيقات خارجية بالسلوكيات الملاحظة على «فيسبوك» و«إنستغرام» مثلاً تحصل الشركة على صورة أشمل بكثير لاهتمامات كل مستخدم وعاداته ومسح كامل له، وتتيح هذه البيانات الوفيرة تقديم توصيات محتوى وإعلانات وأدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

إلا أن دومة أشارت أيضاً إلى أن «هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية... لأن عديداً من المستخدمين لا يدركون أن زياراتهم مواقع معينة، أو عمليات البحث التي يجرونها -بل حتى بعض عمليات الشراء- يمكن إرسالها إلى (ميتا) عبر أدوات التتبع مثل (ميتا بيكسل)، وهو عبارة عن متتبع لكل خطوات الإنسان».

وأضافت أنه «رغم أن (ميتا) تدّعي أنها لا تجمع فئات جديدة من البيانات وتُتيح إعدادات للتحكم؛ فإن تجميع هذه المعلومات يسمح بإنشاء ملفات تعريف رقمية مفصلة للغاية، وتحديد بروفايل خاص بكل شخص مهما كان سنه أو جنسه».

وتابعت الباحثة الجزائرية القول: «في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب على المستخدمين تبني نهج استباقي لحماية بياناتهم تحديداً، يمكّنهم من مراجعة إعدادات خصوصية حساباتهم، والحد من الأنشطة المشاركة مع (ميتا)، وتعطيل خيار الأنشطة غير التابعة للشركة، ومراجعة أذونات التطبيقات، واستخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية». وأردفت أنه «من الضروري أيضاً قراءة إعدادات الموافقة بدلاً من قبول الخيارات المقترحة تلقائياً... إذ إن هذا التحديث يشكل تحدياً رئيسياً في العصر الحالي؛ يتمثل في إيجاد توازن بين مزايا التخصيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من جهة، واحترام الحق الأساسي في الخصوصية». وتابعت: «كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً ازدادت أهمية مسألة التحكم في البيانات الشخصية في النقاش العام».

وفق بيان «ميتا»، سيصار إلى جمع البيانات من شركائها في الإعلانات لـ«المساعدة على تخصيص المحتوى الإعلاني، بما في ذلك المعلومات التي تمرَّر عبر كود (ميتا بيكسل) الخاص بالمواقع الإلكترونية، والذي يشارك بيانات نشاط زوار المواقع». وذكرت «ميتا» أن «التحديث يستهدف عرض إعلانات أكثر ملاءمة استناداً إلى سلوك المستخدم خارج منصاتها».

الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، عدّ تحديث «ميتا» الجديد بمنزلة «خطوة استراتيجية تتجاوز الإعلانات التقليدية إلى بناء ما يمكن تسميته ملفاً سلوكياً شاملاً للمستخدم، وهو ما يتماشى مع سياسات الذكاء الاصطناعي».

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(ميتا) كانت تعتمد على ما يفعله المستخدم داخل منصاتها، أما الآن فهي تريد الاستفادة أيضاً من البيانات التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات وشركات أخرى متعاونة معها، مثل عمليات الشراء والزيارات الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة، من أجل تخصيص المحتوى وليس الإعلانات فقط، بهدف تحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مدة بقاء المستخدم داخل المنصات».

وأشار إلى أن «التحديث يأتي في إطار تعويض تراجع ملفات تعريف الارتباط بعد تشديد قوانين الخصوصية، وقيود (أبل) و(غوغل) على التتبع، مما جعل الشركات بحاجة إلى طرق جديدة لفهم المستخدمين».

وحسب فتحي فإن «البيانات أصبحت المحرك الرئيسي للذكاء الاصطناعي، والمستخدم يدفع ثمن الخدمات المجانية ببياناته الشخصية وسلوكه الرقمي، وهو ما يعرِّضه لانتهاك الخصوصية حسب حرية كل شخص وما يريد تصديره للعالم».

وشدد من ثم على «ضرورة مراجعة إعدادات النشاط خارج (ميتا)، ومراجعة الجهات التي تشارك بيانات النشاط، ومسح النشاط السابق، وتقليل التخصيص الإعلاني واستخدام متصفحات أكثر حماية للخصوصية، مثل حظر ملفات التتبع الخارجية وملفات تعريف الارتباط من الطرف الثالث، مع مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام، والتفكير قبل مشاركة البيانات مع أدوات الذكاء الاصطناعي».

وأكد فتحي أخيراً أن «أي معلومات يجري إدخالها في مساعدات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لتحسين النماذج أو تخصيص الخدمات مستقبلاً وفق السياسات المعمول بها، لذلك يجب تطبيق مبدأ الحد الأدنى من البيانات بحيث لا تُشارَك إلا المعلومات الضرورية فقط، لأن البيانات التي لا تُجمع أساساً لا يمكن إساءة استخدامها مستقبلاً».


«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات