لماذا صمدت بلدة إرزين أمام الزلزال في هاتاي؟

رئيس البلدية أرجع السبب إلى صرامة تطبيق قوانين البناء... وخبراء تحدثوا عن عوامل أخرى

بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)
بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)
TT

لماذا صمدت بلدة إرزين أمام الزلزال في هاتاي؟

بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)
بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)

أثار التباين بين المناطق؛ تدمير بعضها بشكل كامل أو شبه كامل، وبقاء البعض صامداً، في مواجهة زلزالي 6 فبراير (شباط) الحالي المدمرين في تركيا، العديد من التساؤلات حول الأسباب وراء انهيار بعض المواقع وصمود بعضها في المنطقة الواحدة، وصولاً إلى صمود بعض المباني دون غيرها ووقوفها سليمة بين حطام واسع.
أبرز تلك الحالات التي لفتت انتباهاً واسعاً كانت في ولاية هاتاي، إحدى الولايات العشر المتضررة من الزلزال في جنوب تركيا، حيث صمدت بلدة إرزين وأصبحت ملاذاً للمتضررين من الدمار الهائل في أنطاكيا وإسكندرون، وكذلك صمد حي إيكنجي الذي توجد به مبان شاهقة وسط الدمار الذي لحق بأنطاكيا، التي لم يكد ينجو فيها مبنى واحد من الدمار أو التصدع الشديد، ولم تتضرر مباني الحي باستثناء بعض التصدعات الخفيفة في أسقف بعضها.
لم ينجُ بيت أو مسجد أو مستشفى أو مبنى حكومي بشكل كامل من الزلزال المدمر في أنطاكيا، وفقد الآلاف حياتهم تحت الأنقاض، وتم إنقاذ البعض على مدى 12 يوماً، وتشكل صدع عملاق بعمق 30 متراً وعرض نحو 200 متر قسم حقلاً للزيتون مساحته 53 فداناً كما قسم إحدى القرى إلى قريتين.
وفي إسكندرون اتخذت السلطات إجراءات، بعد ارتفاع منسوب البحر عقب زلزالي 6 فبراير اللذين بلغت قوتهما 7.8 و7.6 ووقع مركزهما في كهرمان ماراش بجنوب البلاد. وتجاوز منسوب المياه المرافق الواقعة على الساحل لتمتد إلى شوارع وأحياء البلدة، ما دفع السلطات إلى إخلاء المجمعات السكنية والبنوك ومراكز الأعمال.
وحدها أصبحت بلدة إرزين حديث العامة ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في تركيا، وفجأة ظهر رئيس بلديتها، أوككيش إلماس أوغلو، كأنه بطل كشفت عنه الكارثة، بفضل الإجراءات الصارمة التي أعلن أنه طبقها في البلدة، وفرضه الالتزام بقواعد البناء بلا أي استثناءات، ولذلك لم تحدث حالة وفاة أو إصابة واحدة نتيجة الزلزال في البلدة.
وتسابقت وسائل الإعلام للوصول إلى رئيس البلدية، المحامي الشاب إلماس أوغلو، في محاولة لمعرفة أسباب الصمود، وفي مداخلة مع قناة «فوكس»، قال إنه لم يسمح بأي بناء غير قانوني في المدينة، لدرجة أنه أصدر قرار إزالة لبناء مخالف مملوك لأحد أقاربه ما جعله يواجه مشكلات مع عائلته، مضيفاً أن عدم تهاونه في شروط البناء جعل كثيراً من المواطنين يقاطعونه ويرفضون مصافحته في الشارع أو الحديث معه.
ولفت إلى أن هناك بعض المزايا الخاصة في البلدة، منها المناطق السكنية الجيولوجية. فالبلدة مليئة بالمنازل من طابق واحد، إضافة إلى عدم التساهل تجاه البناء غير القانوني، وعدم تراجعه، ولجوئه إلى النيابة العامة لتنفيذ قرارات هدم المنازل المخالفة.
ويعود تاريخ بلدة أرزين إلى مئات السنين، وكانت أول عملية بناء فيها عند سفح جبال أمانوس المحيط بالمنطقة، وتوسعت مع مرور الوقت، حيث تم تشييد مبان جديدة بعيداً عن الجبال. واليوم يبلغ عدد سكان البلدة نحو 42 ألف نسمة، وهي تبعد 55 كيلومتراً عن إسكندرون، و150 كيلومتراً عن كهرمان ماراش (مركز الزلزالين المدمرين). ولم يشعر سكانها بالزلزال بقوة، وغادروا المنازل على الفور.
كما أن عدد المباني الشاهقة في إرزين قليل، كما أن ارتفاع المباني الشاهقة لا يزيد على 6 أو 8 طوابق. في المقابل، يُعد عدد المنازل المكونة من طابق واحد مرتفعاً للغاية. ومعظم المباني في البلدة لا يزيد ارتفاعها على 4 طوابق.
ويقدر سكان البلدة الحساسية الشديدة التي تعامل بها رؤساء البلدية الحالي والسابقون مع معايير البناء. وتسلم رئيس البلدية الحالي إلماس أوغلو، منصبه قبل 4 سنوات فقط، لكن غالبية المباني في البلدة عمرها أكبر من ذلك بكثير، ومنها ما يعود إلى أكثر من 60 عاماً لكنها متينة. وقاوم رؤساء البلدية السابقون إنشاء مبانٍ بارتفاع يزيد على 4 طوابق. لكن هل يعود صمود إرزين في مواجهة زلزالين من أعتى الزلازل على مدى قرن من الزمان إلى الالتزام الصارم بقوانين البناء فقط، أم أن هناك أسباباً أخرى؟
يؤكد خبراء زلازل وأساتذة جيولوجيا ومهندسون أن ذلك ليس هو السبب الوحيد، فطبيعة التربة ووجود سلسلة جبال أمانوس حول البلدة حدت أيضاً من تأثير الزلزالين المدمرين. كما أن بُعد المنطقة التي تقع بها البلدة عن خط الصدع، كلها عوامل حاسمة في عدم تضررها وليس فقط قواعد البناء.
وذهب عالم الجيولوجيا خبير الزلازل التركي ناجي غرور، إلى أنه مع الوضع في الاعتبار مسألة تمسك البلدية بقواعد البناء، وهو أمر مهم، إلا أن السمات الجيولوجية تلعب الدور الأكبر. واعتبر غرور لـ«الشرق الأوسط»، أن ما قاله رئيس البلدية صحيح، على اعتبار أن أفضل إعداد لاستقبال الزلزال هو جعل المناطق مقاومة للزلازل، كما أن للهيكل الجيولوجي والموقع التكتوني والسمات الجيولوجية تأثيراً كبيراً أيضاً لأنها توفر حماية طبيعية من الزلزال.
ولفت خبير الزلازل أوكان تويسز، إلى عدم حدوث تحرك في خطوط الصدع قرب بلدة إرزين، مشيراً إلى أنه توجد خطوط صدع على مسافة 30 إلى 40 كيلومتراً منها، لكن توجد بينها كتلة جبلية كبيرة تسمى أمانوس، مضيفاً أنه على الأرجح لم تحدث هزات كبيرة في إرزين التي تُعد أرضاً ضعيفة، حيث تقع البلدة على الطمي الذي نقلته الأنهار من الأمانوس. وأضاف أن أرزين القديمة تقع باتجاه أطراف الجبال، والمنازل هناك متبعثرة وتتكون من طابق واحد، مشيراً إلى أن العديد من البلدات في هاتاي مثل أنطاكيا وكريكهان وإسكندورن وصمان داغ تعرضت لدمار كبير بسبب ظروف الأرض السيئة، لكن المنازل الواقعة على متحدرات أنطاكيا لم تتعرض لمثل هذا الضرر، وهو ما ينطبق أيضاً على إرزين.
ولفت خبير الزلازل عضو هيئة التدريس في جامعة إسكشهير، أوزكان جودت أوزداغ، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن مدناً مثل إسكندرون وأنطاكيا تعرضت للدمار وتحول جزء كبير منها إلى أنقاض لأنه تم بناؤها فوق طبقات الرمل والطمي والطين في مجرى نهر قديم، أو على أرض ساحلية ناعمة، وهذه الرواسب اللينة والمليئة بالمياه تجعل المدن والقرى معرضة بشكل أكثر لخطر التدمير بفعل الزلازل، فعندما يضرب أحدها هذه الأرض «تتحرك مثل الموجة». من جهته، أوضح مدير مركز تطبيقات وأبحاث الزلازل بجامعة أفيون كوجاتبه الدكتور تشاغلار أوزكايماك، أن بلدة إرزين بنيت أعلى من سطح البحر على أرض صلبة تتكون من صخور ورمال خشنة.


مقالات ذات صلة

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
آسيا تعد اليابان من البلاد ذات النشاط الزلزالي الأعلى في العالم (أرشيفية - رويترز)

زلزال بقوة 6.2 درجات يضرب قبالة سواحل غرب اليابان

ضرب زلزال بقوة 6.2 درجات ساحل غرب اليابان، اليوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأرصاد الجوية، دون إصدار أي تحذير من تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».