دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

على هامش فوز الكاتب التونسي شكري المبخوت بها عن روايته «الطلياني»

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
TT

دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»

مع أن أدب الرواية جاء متأخرا في تونس (خلال ستينات القرن الماضي)، وبداياتها الخجولة، فإن تطوره بدا سريعا بظهور كتاب من أمثال البشير خريف في روايتيه «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها»، ومحمد العروسي المطوي في «حليمة» و«التوت المر»، ثم بالطبع سطع كاتبها الكبير الذي تخطى الحدود التونسية ليصل إلى العالمية، محمود المسعدي في رائعته «حدث أبو هريرة قال» وكذلك «السد»، و«مولد النسيان» وقد ساهمت دار الجنوب للنشر في نسختها «العيون المعاصرة» التي قام بتأسيسها الأستاذ الكبير محمد المصمودي، والناقد والأديب الكبير توفيق بكار، الذي تخرج على يديه عشرات الأدباء التونسيين الذين أبدعوا أيضا ولا يسعنا ذكرهم جميعا في هذا المقام، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أديب من العيار الثقيل أتحف الأدب التونسي، حسين الواد، برائعتيه «سعادته السيد الوزير» و«روائح المدينة» التي كانت تستحق، باعتقادي، جائزة أدبية مرموقة.
مع المشوار الأدبي سطع شهاب عابر في سماء الأدب التونسي فاجأ المتتبعين لأخبار الأدب والأدباء ببروزه مع أول تجربة روائية له بحصوله على جائزة البوكر. هو شكري المبخوت في روايته «الطلياني» التي منذ صدورها أثارت ضجة إعلامية وأدبية، وآراء متضاربة حول أحقيتها بهذه الجائزة:
«اختيار رواية (الطلياني) للكاتب التونسي شكري المبخوت صدمت كثيرا من المتابعين؛ فالرواية ليست الأجمل ولا الأكثر حبكة بين الروايات المرشحة» (كتب أحمد إبراهيم الشريف).
وتساءلت آلاء السوسي بدورها: كيف لمثل هذه الرواية أن تفوز بجائزة البوكر، موجهة السؤال إلى الشاعر مريد البرغوثي رئيس لجنة التحكيم «كمهتمَّةٍ بالأدب، وكقارئة للرواية، أوجه لسيادتكم هذا السؤال: لماذا فازت (الطلياني) بجائزة البوكر؟».
هذا السؤال بات مطروحا ليس ضد رواية بعينها، أو كاتب ما، بل إنصافا للإبداع. لأن عملا مبدعا لا يموت ويدخل في هوية الشعوب، وذاكرتها الثقافية، فالإبداع الحقيقي يطرد الإبداع المزيف، كالعملة الجيدة التي تطرد العملة الرديئة.
لنقف معا على أهم مفاصل هذه الرواية.
تبدأ الرواية بمأتم في مقبرة الزلاج حيث يوارى الحاج محمود، والد عبد الناصر بطل الرواية، الثرى، وأخيه صلاح الدين الباحث والخبير المالي الدولي العامل في المهجر في سويسرا. كأن الكاتب منذ الانطلاقة الأولى يضع رسما للمجتمع التونسي باندثار الجيل القديم جيل الاستقلال الذي عاش الفترة البورقيبية، وبروز جيل جديد، يعيش كل التناقضات التي تعيشها المجتمعات العربية. فعبد الناصر الملقب بـ«الطلياني» لوسامته (نتساءل هنا هل «الطليان» أكثر وسامة من العرب؟) الذي يمثل جيل الضياع في فترة المد الشيوعي، والحرب الباردة، وكناشط شيوعي فهو رافض للقيم السائدة في مجتمعه. وصلاح الدين المثقف المهاجر الذي لم يجد فرصته في بلده، ثم زينة التي تمثل المرأة التونسية المتحررة والمتعلمة عشيقة وزوجة بطل الرواية التي ينتهي بها المقام أيضا كمهاجرة في فرنسا، ومتزوجة من رجل فرنسي بعمر أبيها. في هذا المأتم نفاجأ بسلوك الطلياني الذي يشتم الشيخ علالة، الذي يصلي على جثمان أبيه، ويبرحه ضربا دون أن نعرف الأسباب حتى نهاية الرواية، عندما يسر لصديق له بأن هذا الشيخ قد اغتصبه صغيرا. ونتعرف على شخصية الطلياني أيضا من خلال هيئته، وملابسه، وشربه الخمر، وعيشته البوهيمية، وإهماله في المنزل، وعدم احترام أمه التي عانت من قذارته.
هذا الخنزير (حسب وصف الأم) ليس قذرا فقط، بل هو كسول، وسكير، ولا يذاكر دروسه ويعتمد على زميله الطاهر الذي يجهز له الكراسات ليتقدم للامتحانات وينجح دائما بتفوق بقدرة قادر. ويفاجئنا الكاتب، بأن الطلياني وبنفس قدرة القادر يصبح أحد الطلاب اللامعين في كلية الحقوق، وأحد أبرز طلابها كزعيم ثوري ضد النظام البورقيبي، فهو طالب مبرز، وخطيب مفوّه، وثوري عنيد لا يتوانى عن الدخول في معركة حامية الوطيس مع رجال الأمن، وعبد الناصر بحماسته وخطاباته الرائعة يصور في الاجتماعات العامة الأمر على أن البلاد تعيش حالة من مخاض ثوري، وأن النظام كزعيمه في خريفهما، وستأتي «أمطار الدم لتطهر البلاد من الجراثيم التي عششت فيها وسيعوض العمال المفقرون والفلاحون المعدمون دولة العمالة ونظام الكومبرادور والإقطاع ليقيموا ديكتاتورية البروليتاريا».
ولكن رجل المبادئ والثورة، والمناضل الطبقي والزعيم الطلابي هذا لا يتوانى عن العيش عيشة بورجوازية على حساب صديقه، رئيف، ابن العائلة الغنية الذي يشاطره المسكن. ونكتشف أيضا أن هذا الشاب الثوري سرعان ما يصبح صديقا لضابط الأمن سي عثمان، الذي يساعده في الحصول على عمل في صحيفة باللغة الفرنسية ناطقة باسم الحكومة، على أن يعمل فيها كمدقق لغوي، ولدرجة إتقانه للغة الفرنسية بات أفضل المدققين في الصحيفة، ولبراعته كان يصحح حتى أخطاء رئيس التحرير ومدير الصحيفة سي عبد الحميد، وهذا الأخير، وبوقت وجيز جدا، راح يناقش هذا المدقق الذي دخل لتوه للصحيفة بأمور الدولة، بل ويسر له بأنه ليس «بورقيبيا» بل فرضت عليه، ويعطيه أسرار قصر قرطاجة والصراعات الدائرة فيه.
وعن أسرار الوزراء والمسؤولين ومن يقف وراء مَن.. ومن يخرج مع زوجة مَن، ومن يبيع أسرار مَن.
وهذا الصحافي الكبير ومدير مؤسسة صحافية كبيرة يقول للمحامي المتخرج حديثا: «أنا على ثقة من أنك ستصبح صحافيا كبيرا، لم تدرس في معهد الصحافة، ولست بحاجة إلى ذلك كبار الصحافيين لم يدخلوا تلك المؤسسات البائسة».
هنا نتساءل هل هي دعوة من الكاتب - وهو عميد كلية مرموقة في تونس - لإغلاق معاهد الصحافة «البائسة»، ولم يكتف سي عبد الحميد بذلك بل أوكله بوقت قياسي بتحرير الملحق الثقافي في الصحيفة.
لم تتوقف هذه التناقضات عند هذا الحد، بل تعدته إلى الأمور الجنسية التي يضيق بها القارئ ذرعا - مشاهد متكررة تكاد تسيطر على الرواية بأكملها وتلامس حد الإباحية - فالطلياني، البارع الجمال، صار عشيقا لزوجة الشيخ علالة التي كانت عشيقة صلاح الدين أخي الطلياني سابقا، ثم يتعرف على زينة التي اغتصبت بدورها من قبل أخيها أو أبيها حسب اعتقادها وهي نائمة، وعاش معها حالة عشق «ثوري»، ثم تزوجها لمدة سنتين وطلقها. ولم يتوان خصومها السياسيون بتكنيتها بعاهرة الثورة البروليتارية، ورغم هذا الحب «الثوري» الجارف لزينة، فإنه يخونها مع صديقتها نجلاء، حتى في اليوم الذي أجهضت فيه، التي تحولت في نهاية الأمر إلى عاهرة ترتاد الفيلا الخاصة «بالحلاقة» التي تسوق إليها وإلى فتيات أخريات الرجال من أعيان البلد ومسؤوليه هذه «الحلاقة»، التي ستصبح السيدة الأولى في البلاد. وقبلها مع صديقة زوجة أخيه أنجليكا التي رأت فيه «جمالا يخلب الألباب»، ثم مع نساء كثيرات لا حصر لهن كن يتهافتن عليه في منزل أخيه صلاح الدين في حي النصر الذي حوله إلى ما يشبه الماخور «كان حسنه ولسانه الذي يغزل الحرير كافيين ليصل إلى أي غادة منهن كثيرا ما كانت الواحدة منهن حتى أمام صويحباتها تبادر ولا تتمالك نفسها أمام يوسف تلك المطاعم والمقاهي والحانات» (هل هذه هي صورة المرأة التونسية؟) ثم ينتهي إلى ريم س. الفتاة الجميلة التي ساقها إلى «الماخور» وهم بها وهمت به، رغم أنه في تلك اللحظة أبلغته أخته هاتفيا بوفاة أبيه، فلم يتأثر بهذا الخبر المفجع.
لكن إذا عدنا إلى زينة الفتاة الجادة المتخرجة من كلية الفلسفة المفتونة بالفيلسوفة اليهودية الألمانية حنا أرندت (صاحبة كتاب «أصول الشمولية»، وكانت قد عملت على دعم اليهود لبناء دولة إسرائيل، التي ذكرت في أكثر من مكان من الرواية، لم نفهم لماذا ورد ذكرها من بين كل فلاسفة العالم) نكتشف أيضا أنها خانت زوجها مع إريك ش. (وهنا يضع الكاتب الحرف الأول من اسم العشيق الجديد والزوج فيما بعد لزينة كشخصية حقيقية، كما فعل مع ريم س. إذ كان بإمكانه الاكتفاء بالاسم الأول).
لقد أجهد الكاتب نفسه في وضع شخصيات غير ضرورية، ولا تخدم البناء السردي كشخصية عماد الدين الصحافي الشاب المتدرب على يد الطلياني، ثم أسهب في مقاطع طويلة كان يمكن الاستغناء عنها دون أن تتأثر الرواية في شيء. ومقاطع أخرى كأنها وجدت طريقها إلى الرواية صدفة دون تخطيط مسبق. لكن المؤسف له أن هناك بعض المقاطع يستشف منها بأنها تصفية حساب مع كاتب ومفكر تونسي كبير من أمثال هشام جعيط، إذ يقول على لسان أبي السعود الرقيب «لو كان مسؤولا في تلك المجلة غير المسؤولة لمنع هشام جعيط من نشر ذلك المقال التافه الذي يشكك فيه في شرعية من أنقذ البلاد بتحذلق الجامعيين، وغباء المفكرين.. لو تفرغ للتاريخ والكوفة والجزيرة العربية لكان خيرا له ولنا. هكذا تكلم أبو السعود ولم يفهم الناس أنه على حق، ولكن لا نبي في قومه».
حتى إن الكاتب يعتبر أن «الكثير من الثقافة والفن في هذه البلاد يسبب بلاء كثيرا يبدأ بمعاقرة الخمور ليصل إلى الجنون، مرورا باليأس والإحباط والسأم وضروب من العدمية غير المبدعة».
ونتساءل كيف إذن لهذا الكاتب أن يصل إلى مرحلة الإبداع في هذه البلاد ولم يصل إلى مرحلة الجنون؟
كما قام الكاتب باقتباسات شعرية لا ضرورة لها بل جاءت ممجوجة فهو يصف عبد الناصر بمثل: «أما الفارس فكانت الخيل والليل والبيداء تعرفه»، أو «عاد ذات يوم إلى البيت كأنه عصفور بلله القطر».
ثم يستخدم كلمات بالتونسية العامية من الصعب فهمها في غير موطنها «ميبون»، «كبول»، «طحان»، «أدباش»، «سفساري»، «دنقري» أو كلمات فرنسية بأبجدية عربية «جوغينع»، «ترمس»، «فاتورة».
إننا نتساءل كما تساءل آخرون هل الإبداع العربي بات يُباع ويشترى؟ أليس من حق المبدعين والكتاب العرب بكل هيئاتهم أن يطالبوا بإعادة النظر في تقييم هذه الأعمال ولجان التحكيم؟



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.