دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

على هامش فوز الكاتب التونسي شكري المبخوت بها عن روايته «الطلياني»

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
TT

دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»

مع أن أدب الرواية جاء متأخرا في تونس (خلال ستينات القرن الماضي)، وبداياتها الخجولة، فإن تطوره بدا سريعا بظهور كتاب من أمثال البشير خريف في روايتيه «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها»، ومحمد العروسي المطوي في «حليمة» و«التوت المر»، ثم بالطبع سطع كاتبها الكبير الذي تخطى الحدود التونسية ليصل إلى العالمية، محمود المسعدي في رائعته «حدث أبو هريرة قال» وكذلك «السد»، و«مولد النسيان» وقد ساهمت دار الجنوب للنشر في نسختها «العيون المعاصرة» التي قام بتأسيسها الأستاذ الكبير محمد المصمودي، والناقد والأديب الكبير توفيق بكار، الذي تخرج على يديه عشرات الأدباء التونسيين الذين أبدعوا أيضا ولا يسعنا ذكرهم جميعا في هذا المقام، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أديب من العيار الثقيل أتحف الأدب التونسي، حسين الواد، برائعتيه «سعادته السيد الوزير» و«روائح المدينة» التي كانت تستحق، باعتقادي، جائزة أدبية مرموقة.
مع المشوار الأدبي سطع شهاب عابر في سماء الأدب التونسي فاجأ المتتبعين لأخبار الأدب والأدباء ببروزه مع أول تجربة روائية له بحصوله على جائزة البوكر. هو شكري المبخوت في روايته «الطلياني» التي منذ صدورها أثارت ضجة إعلامية وأدبية، وآراء متضاربة حول أحقيتها بهذه الجائزة:
«اختيار رواية (الطلياني) للكاتب التونسي شكري المبخوت صدمت كثيرا من المتابعين؛ فالرواية ليست الأجمل ولا الأكثر حبكة بين الروايات المرشحة» (كتب أحمد إبراهيم الشريف).
وتساءلت آلاء السوسي بدورها: كيف لمثل هذه الرواية أن تفوز بجائزة البوكر، موجهة السؤال إلى الشاعر مريد البرغوثي رئيس لجنة التحكيم «كمهتمَّةٍ بالأدب، وكقارئة للرواية، أوجه لسيادتكم هذا السؤال: لماذا فازت (الطلياني) بجائزة البوكر؟».
هذا السؤال بات مطروحا ليس ضد رواية بعينها، أو كاتب ما، بل إنصافا للإبداع. لأن عملا مبدعا لا يموت ويدخل في هوية الشعوب، وذاكرتها الثقافية، فالإبداع الحقيقي يطرد الإبداع المزيف، كالعملة الجيدة التي تطرد العملة الرديئة.
لنقف معا على أهم مفاصل هذه الرواية.
تبدأ الرواية بمأتم في مقبرة الزلاج حيث يوارى الحاج محمود، والد عبد الناصر بطل الرواية، الثرى، وأخيه صلاح الدين الباحث والخبير المالي الدولي العامل في المهجر في سويسرا. كأن الكاتب منذ الانطلاقة الأولى يضع رسما للمجتمع التونسي باندثار الجيل القديم جيل الاستقلال الذي عاش الفترة البورقيبية، وبروز جيل جديد، يعيش كل التناقضات التي تعيشها المجتمعات العربية. فعبد الناصر الملقب بـ«الطلياني» لوسامته (نتساءل هنا هل «الطليان» أكثر وسامة من العرب؟) الذي يمثل جيل الضياع في فترة المد الشيوعي، والحرب الباردة، وكناشط شيوعي فهو رافض للقيم السائدة في مجتمعه. وصلاح الدين المثقف المهاجر الذي لم يجد فرصته في بلده، ثم زينة التي تمثل المرأة التونسية المتحررة والمتعلمة عشيقة وزوجة بطل الرواية التي ينتهي بها المقام أيضا كمهاجرة في فرنسا، ومتزوجة من رجل فرنسي بعمر أبيها. في هذا المأتم نفاجأ بسلوك الطلياني الذي يشتم الشيخ علالة، الذي يصلي على جثمان أبيه، ويبرحه ضربا دون أن نعرف الأسباب حتى نهاية الرواية، عندما يسر لصديق له بأن هذا الشيخ قد اغتصبه صغيرا. ونتعرف على شخصية الطلياني أيضا من خلال هيئته، وملابسه، وشربه الخمر، وعيشته البوهيمية، وإهماله في المنزل، وعدم احترام أمه التي عانت من قذارته.
هذا الخنزير (حسب وصف الأم) ليس قذرا فقط، بل هو كسول، وسكير، ولا يذاكر دروسه ويعتمد على زميله الطاهر الذي يجهز له الكراسات ليتقدم للامتحانات وينجح دائما بتفوق بقدرة قادر. ويفاجئنا الكاتب، بأن الطلياني وبنفس قدرة القادر يصبح أحد الطلاب اللامعين في كلية الحقوق، وأحد أبرز طلابها كزعيم ثوري ضد النظام البورقيبي، فهو طالب مبرز، وخطيب مفوّه، وثوري عنيد لا يتوانى عن الدخول في معركة حامية الوطيس مع رجال الأمن، وعبد الناصر بحماسته وخطاباته الرائعة يصور في الاجتماعات العامة الأمر على أن البلاد تعيش حالة من مخاض ثوري، وأن النظام كزعيمه في خريفهما، وستأتي «أمطار الدم لتطهر البلاد من الجراثيم التي عششت فيها وسيعوض العمال المفقرون والفلاحون المعدمون دولة العمالة ونظام الكومبرادور والإقطاع ليقيموا ديكتاتورية البروليتاريا».
ولكن رجل المبادئ والثورة، والمناضل الطبقي والزعيم الطلابي هذا لا يتوانى عن العيش عيشة بورجوازية على حساب صديقه، رئيف، ابن العائلة الغنية الذي يشاطره المسكن. ونكتشف أيضا أن هذا الشاب الثوري سرعان ما يصبح صديقا لضابط الأمن سي عثمان، الذي يساعده في الحصول على عمل في صحيفة باللغة الفرنسية ناطقة باسم الحكومة، على أن يعمل فيها كمدقق لغوي، ولدرجة إتقانه للغة الفرنسية بات أفضل المدققين في الصحيفة، ولبراعته كان يصحح حتى أخطاء رئيس التحرير ومدير الصحيفة سي عبد الحميد، وهذا الأخير، وبوقت وجيز جدا، راح يناقش هذا المدقق الذي دخل لتوه للصحيفة بأمور الدولة، بل ويسر له بأنه ليس «بورقيبيا» بل فرضت عليه، ويعطيه أسرار قصر قرطاجة والصراعات الدائرة فيه.
وعن أسرار الوزراء والمسؤولين ومن يقف وراء مَن.. ومن يخرج مع زوجة مَن، ومن يبيع أسرار مَن.
وهذا الصحافي الكبير ومدير مؤسسة صحافية كبيرة يقول للمحامي المتخرج حديثا: «أنا على ثقة من أنك ستصبح صحافيا كبيرا، لم تدرس في معهد الصحافة، ولست بحاجة إلى ذلك كبار الصحافيين لم يدخلوا تلك المؤسسات البائسة».
هنا نتساءل هل هي دعوة من الكاتب - وهو عميد كلية مرموقة في تونس - لإغلاق معاهد الصحافة «البائسة»، ولم يكتف سي عبد الحميد بذلك بل أوكله بوقت قياسي بتحرير الملحق الثقافي في الصحيفة.
لم تتوقف هذه التناقضات عند هذا الحد، بل تعدته إلى الأمور الجنسية التي يضيق بها القارئ ذرعا - مشاهد متكررة تكاد تسيطر على الرواية بأكملها وتلامس حد الإباحية - فالطلياني، البارع الجمال، صار عشيقا لزوجة الشيخ علالة التي كانت عشيقة صلاح الدين أخي الطلياني سابقا، ثم يتعرف على زينة التي اغتصبت بدورها من قبل أخيها أو أبيها حسب اعتقادها وهي نائمة، وعاش معها حالة عشق «ثوري»، ثم تزوجها لمدة سنتين وطلقها. ولم يتوان خصومها السياسيون بتكنيتها بعاهرة الثورة البروليتارية، ورغم هذا الحب «الثوري» الجارف لزينة، فإنه يخونها مع صديقتها نجلاء، حتى في اليوم الذي أجهضت فيه، التي تحولت في نهاية الأمر إلى عاهرة ترتاد الفيلا الخاصة «بالحلاقة» التي تسوق إليها وإلى فتيات أخريات الرجال من أعيان البلد ومسؤوليه هذه «الحلاقة»، التي ستصبح السيدة الأولى في البلاد. وقبلها مع صديقة زوجة أخيه أنجليكا التي رأت فيه «جمالا يخلب الألباب»، ثم مع نساء كثيرات لا حصر لهن كن يتهافتن عليه في منزل أخيه صلاح الدين في حي النصر الذي حوله إلى ما يشبه الماخور «كان حسنه ولسانه الذي يغزل الحرير كافيين ليصل إلى أي غادة منهن كثيرا ما كانت الواحدة منهن حتى أمام صويحباتها تبادر ولا تتمالك نفسها أمام يوسف تلك المطاعم والمقاهي والحانات» (هل هذه هي صورة المرأة التونسية؟) ثم ينتهي إلى ريم س. الفتاة الجميلة التي ساقها إلى «الماخور» وهم بها وهمت به، رغم أنه في تلك اللحظة أبلغته أخته هاتفيا بوفاة أبيه، فلم يتأثر بهذا الخبر المفجع.
لكن إذا عدنا إلى زينة الفتاة الجادة المتخرجة من كلية الفلسفة المفتونة بالفيلسوفة اليهودية الألمانية حنا أرندت (صاحبة كتاب «أصول الشمولية»، وكانت قد عملت على دعم اليهود لبناء دولة إسرائيل، التي ذكرت في أكثر من مكان من الرواية، لم نفهم لماذا ورد ذكرها من بين كل فلاسفة العالم) نكتشف أيضا أنها خانت زوجها مع إريك ش. (وهنا يضع الكاتب الحرف الأول من اسم العشيق الجديد والزوج فيما بعد لزينة كشخصية حقيقية، كما فعل مع ريم س. إذ كان بإمكانه الاكتفاء بالاسم الأول).
لقد أجهد الكاتب نفسه في وضع شخصيات غير ضرورية، ولا تخدم البناء السردي كشخصية عماد الدين الصحافي الشاب المتدرب على يد الطلياني، ثم أسهب في مقاطع طويلة كان يمكن الاستغناء عنها دون أن تتأثر الرواية في شيء. ومقاطع أخرى كأنها وجدت طريقها إلى الرواية صدفة دون تخطيط مسبق. لكن المؤسف له أن هناك بعض المقاطع يستشف منها بأنها تصفية حساب مع كاتب ومفكر تونسي كبير من أمثال هشام جعيط، إذ يقول على لسان أبي السعود الرقيب «لو كان مسؤولا في تلك المجلة غير المسؤولة لمنع هشام جعيط من نشر ذلك المقال التافه الذي يشكك فيه في شرعية من أنقذ البلاد بتحذلق الجامعيين، وغباء المفكرين.. لو تفرغ للتاريخ والكوفة والجزيرة العربية لكان خيرا له ولنا. هكذا تكلم أبو السعود ولم يفهم الناس أنه على حق، ولكن لا نبي في قومه».
حتى إن الكاتب يعتبر أن «الكثير من الثقافة والفن في هذه البلاد يسبب بلاء كثيرا يبدأ بمعاقرة الخمور ليصل إلى الجنون، مرورا باليأس والإحباط والسأم وضروب من العدمية غير المبدعة».
ونتساءل كيف إذن لهذا الكاتب أن يصل إلى مرحلة الإبداع في هذه البلاد ولم يصل إلى مرحلة الجنون؟
كما قام الكاتب باقتباسات شعرية لا ضرورة لها بل جاءت ممجوجة فهو يصف عبد الناصر بمثل: «أما الفارس فكانت الخيل والليل والبيداء تعرفه»، أو «عاد ذات يوم إلى البيت كأنه عصفور بلله القطر».
ثم يستخدم كلمات بالتونسية العامية من الصعب فهمها في غير موطنها «ميبون»، «كبول»، «طحان»، «أدباش»، «سفساري»، «دنقري» أو كلمات فرنسية بأبجدية عربية «جوغينع»، «ترمس»، «فاتورة».
إننا نتساءل كما تساءل آخرون هل الإبداع العربي بات يُباع ويشترى؟ أليس من حق المبدعين والكتاب العرب بكل هيئاتهم أن يطالبوا بإعادة النظر في تقييم هذه الأعمال ولجان التحكيم؟



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.