أنطاكيا... المدينة الجميلة «لم تعد موجودة»

الزلزال اقتلع الأبنية من جذورها

جانب من الدمار الذي لحق بأنطاكيا ... وفي الإطار صورة عروسين وكتب بين حطام أحد المنازل في المدينة (الشرق الأوسط)
جانب من الدمار الذي لحق بأنطاكيا ... وفي الإطار صورة عروسين وكتب بين حطام أحد المنازل في المدينة (الشرق الأوسط)
TT

أنطاكيا... المدينة الجميلة «لم تعد موجودة»

جانب من الدمار الذي لحق بأنطاكيا ... وفي الإطار صورة عروسين وكتب بين حطام أحد المنازل في المدينة (الشرق الأوسط)
جانب من الدمار الذي لحق بأنطاكيا ... وفي الإطار صورة عروسين وكتب بين حطام أحد المنازل في المدينة (الشرق الأوسط)

«أنطاكيا مدينة جميلة... انتهت، لم تعد موجودة»، هكذا قالت سيدة تركية كانت تبكي قرب منزلها المتضرر جراء الزلزال الذي ضرب المدينة مطلع الأسبوع، وكانت أنطاكيا بين أكبر ضحاياه من بين المناطق العشر التي دمرها الزلزال.
لم تعد أنطاكيا، التي سُكنت باستمرار منذ عام 300 قبل الميلاد، قابلة للحياة الآن. هرب من هرب من سكانها إلى أقارب لهم، أو إلى مخيمات مؤقتة، فيما بقي فيها قلة من السكان الذين ينتظرون خيارات أخرى قد تقدمها لهم السلطات التركية التي يشكو بعض السكان من أنها تباطأت في الاستجابة للزلزل، وهو ما يبرره مسؤول محلي في المدينة بأن اللامركزية في تركيا ساهمت في هذا الارتباك. يقول: «في اليوم الأول كلنا ضربنا الزلزال، وكلنا تضررنا منه بالموت والإصابة والتشريد، وربما احتجنا إلى بعض الوقت لاستيعاب حجم الكارثة. فالمدينة قُلبت عن بكرة أبيها، ولزمنا بعض الوقت للاستجابة المنظمة بعد التواصل مع الحكومة المركزية التي كانت تتعامل مع واحدة من أكبر كوارث القرن». ويضيف للتأكيد على موقفه، أن مسؤولاً كبيراً أبلغه في صباح اليوم التالي للزلزال بأن «العمل المنظم غير ممكن في هذه اللحظة، لكن على كل شخص أن يقوم بما يستطيع أن يفعله، لتدبير أموره، ومن ثم المحيطين به».
الاستجابة البطيئة تحولت في اليوم الثالث لاستجابة كبيرة، حيث وضعت السلطات التركية ثقلاً كبيراً في عمليات الإنقاذ، ودفعت بآلاف المتطوعين والجنود إلى المدينة التي تحولت خلية نحل لا تهدأ.
الدخول إلى المدينة من بابها الشمالي بات عملية صعبة للغاية مع امتداد طوابير الشاحنات وسيارات الإسعاف وسيارات تحمل متطوعين من أتراك وفرق أجنبية عديدة يشارك رجالها في العملية. ووضع الدمار الذي لحق بالبنية التحتية ثقلاً كبيراً على عملية التموين اللوجيسيتة لتغطية احتياجات من بقي من السكان ومن يعمل في رفع الأنقاض.
الدمار في كل مكان عند مدخل المدينة الشمالي، حيث تكثر المصانع، ومعظمها يعتمد مبدأ الهنغارات التي التوى حديدها بشكل غريب، فيما لا تزال النيران مشتعلة في بعضها، حيث ينبعث دخان «لا يبعث على القلق»، كما يقول أحد رجال الإنقاذ، معتبراً أن الهم الأكبر لدى فرق الإنقاذ كان المواد القابلة للاشتعال المخزنة في هذه المصانع، كما قوارير الغاز والأكسجين.
ومع الدخول إلى قلب المدينة، يتبين حجم الكارثة الكبير الذي ضرب وسط أنطاكيا من شمالها إلى جنوبها بمحاذاة نهر العاصي، حيث كان التأثير الأكبر للزلزال، فيما كانت الأضرار أخف على الطرف الغربي، لكن في جميع الأحوال لا يبدو أن ثمة منزلاً واحداً قابل للسكن بأمان في كامل المدينة، كما يقول عضو في فريق إنقاذ صيني كان يعمل فيها.
كانت المباني في داخل هذا «الخط الناري» تتخذ أشكالاً مختلفة، بعضها انهار بالكامل طبقة فوق طبقة، وبعضها مال «يستريح» على مبنى مجاور، ومعظم الأبنية التي بقيت واقفة اختفى منها الطابقان الأرضي والأول. أما الأغرب فكانت أبنية اقتلعت من مكانها ورميت جانباً على منازل مجاورة، وأعمدة أساس كانت مغروسة في الأرض فصارت مرتفعة عالياً.
إلى جانب ضفة النهر، تغيرت معالم الطريق. أماكن ارتفعت وأخرى انخفضت، وتشققات الأرض توحي ببعض أسرار ما جرى في تلك الليلة، ومعاناة أهل المدينة الذين شهدوا فجراً قاسياً. تدمرت في المدينة الكثير من المعالم الأثرية والكنائس القديمة التي تشتهر بها، لكن كنيسة القديس بطرس التاريخية التي تسكن كهفاً في قلب الجبل المجاور نجت من الدمار، مع بعض التشققات التي لا تهدد أسس البناء، كما يقول مسؤولون محليون أتراك، خصوصاً أن المدينة القديمة التي تسكن طرف الجبل لم تشهد حجم الدمار نفسه الذي طال الجانب الآخر من النهر. ومن ضحايا الزلزال أيضاً «جامع المعراج» الذي يعد من المعالم الحديثة في المدينة. كما طال الدمار كنيسة الروم الأرثوذكس الكبرى، كما كنيس اليهود القديم الذي تضرر ولم يسقط، لكن الحاخام الوحيد فيه وزوجته قضيا تحت أنقاض منزلهما.
«اهتزت الأرض بنا كما لم نعتد أبداً... بدأت الأشياء المعلقة تتساقط علينا»، يقول الشاب السوري مهند. ركض إلى غرفة أولاده حملهم وخرج مع زوجته بعد الهزة الأولى. جاره التركي علق في منزله، فالباب لم يفتح. يقول مهند إنه أوصل عائلته إلى الخارج، ثم عاد مع بعض جيرانه لمحاولة إنقاذ العائلة. ولما لم يفتح الباب، كان القرار بنجدتهم من نافذتي المطبخين المتجاورين. مر الابن الأكبر متعلقاً بشرشف رماه إليه جاره، لكن الأب لم يستطع التمسك جيداً بسبب الخوف والاهتزازات المستمرة. سقط الأب من الطابق الثالث. أنقذت بقية العائلة، وأصيب الأب بكسور بالغة، لكنه نجا.
أيمن يمتلك محلاً للحلاقة داخل أنطاكيا، ويسكن في منزل من دورين، يعيش هو في الطابق الأول، وجاره السوري في الطابق الأرضي. مع بدء الزلزال، حاول إيقاظ جاره الثاني في الشقة المقابلة، ولما لم يلق استجابة، قرر القفز من النافذة مع اشتداد الزلزال. قفز ليجد نفسه على الأرض مباشرة، فمنزله سقط بالكامل واختفى الطابق الأرضي. جارهم السوري وزوجته بقيا تحت الأنقاض، وأطفالهما خرجوا أحياء مع بعض الإصابات.
في مقابل قصص التعاون الإنساني، كانت السرقات التي تعرضت لها المدينة موضع شكوى السكان الذين بقوا. تعترف امرأة بأنها وعائلتها أخذوا من المحال المجاورة طعاماً ومعلبات، لكن السرقات الفعلية تمت لاحقاً. تقول إنها شاهدت أشخاصاً يجمعون الهواتف وأجهزة الكومبيوتر... وحتى زجاجات «الشامبو» من المحال المتضررة التي فتح الزلزال أبوابها وجدرانها وتركها عرضة لعمليات السرقة.
ورغم حجم الكارثة، تحاول السلطات المحلية التركية تقدير ما إذا كان ثمة إهمال أو غش وراء سقوط بعض المباني أسرع من غيرها، كحال مجمع «رونيساس رزيدنس» في المدينة، الذي قبضت السلطات على متعهد البناء قبيل مغادرته مطار إسطنبول.
يقول إبراهيم، وهو أحد مقاولي البناء المعروفين في أنطاكيا، إن المدينة بأكملها تحتاج إلى هدم مبانيها وإعادة بنائها وفق أسس حديثة. وهذا الموضوع يكاد يكون الشغل الشاغل للسكان الناجين بعد ذهاب موجة الصدمة الأولى.


مقالات ذات صلة

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
آسيا تعد اليابان من البلاد ذات النشاط الزلزالي الأعلى في العالم (أرشيفية - رويترز)

زلزال بقوة 6.2 درجات يضرب قبالة سواحل غرب اليابان

ضرب زلزال بقوة 6.2 درجات ساحل غرب اليابان، اليوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأرصاد الجوية، دون إصدار أي تحذير من تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».