هل الرأسمالية نهاية التاريخ؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

هل الرأسمالية نهاية التاريخ؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

الرأسمال الأميركي ورساميل الثماني الكبار تسيطر على 70 في المائة من أسواق العالم، وإن البلدان الفقيرة تخسر يوميًا مليار و300 مليون جنيه إسترليني في التجارة بسبب القوانين التي تطالب بإنهاء الدعم في هذه البلدان.
صدر مؤخرًا عن دار الفارابي كتاب بعنوان «الرأسمالية.. الوغد الوسيم.. في بعض مستجدات العصر» للباحث الكويتي وليد الرجيب. والرجيب هو روائي نشر عددًا من المجموعات القصصية والروايات، ومنها رواية «بدرية» التي نالت شهرة كبيرة في الساحة الأدبية العربية منذ عام 1989، كما سبق له أن نشر كتابين عن فن وعلم التنويم والعلاج بالطاقة الكونية.
ويقول في نهاية مقدمته لكتابه الجديد: «لا ندعي أننا قدمنا إجابات شافية كافية للمسائل المطروحة في هذا الكتاب، كما لا ندعي أننا استطعنا حصر جميع الأسئلة والموضوعات المستجدة والشائكة لما تمر به الماركسية والماركسيون في هذا العصر، فالأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتعمق والمناقشة بعقول مفتوحة».
الكتاب يحوي مقدمة وأربعة فصول، استغرقت 256 صفحة. تحدث الفصل الأول عن «علاقة الرأسمالية بالتطور التكنولوجي» وبيّن أن الرأسمالية لم تستهدف من التطور التكنولوجي تحقيق سعادة الإنسان، بل تحقيق الربح وزيادته. ولا تتورع عن كبحه إذا ما تعارض مع هذا الهدف، الذي هو تحقيق ربح أكبر من المتحقق حتى ظهور التطور التكنولوجي. فهي؛ أي الرأسمالية، تستخدم التكنولوجيا بادئ الأمر في مجال الاستخبارات دون أي اعتبار خلقي في التجارب العلمية، وفي الاستفادة من الاختراعات الجديدة. وضرب مثلاً بما قامت به الشركات الكبرى التي تنتج البترول ومشتقاته؛ إذ رفضت تعميم نموذج السيارة التي تعمل بالكهرباء والطاقة الشمسية، ورفعت قضايا أمام المحاكم ضد تصنيع السيارة الكهربائية وربحتها بالاستعانة بالحكومة الأميركية، وتم وأد الوليد الجديد في 24 أبريل (نيسان) 2003. وتحدث الكتاب عن استقطاب شركات المال في وول ستريت لخريجي الرياضيات المتفوقين أو خريجي العلوم للعمل لديها بأجور عالية بدلاً من خدمة المجتمع باختراعات علمية أو العمل في المختبرات العلمية بأجور أقل.
وكرّس المؤلف الفصل الثاني لـ«تأثير التطور التكنولوجي في بنية الطبقة العاملة» واستعان بورقة بحثية أعدت في الكويت تحت عنوان «التطور الرأسمالي التابع والمشوّه والطفيلي في الكويت. الطبقات الاجتماعية والصراع الطبقي» عام 2012، وهي ورقة غنية جدًا بمضمونها العلمي ومعالجتها لموضوع الصراع الطبقي في الكويت وبلدان الخليج، وتغير بنية الطبقة العاملة عبر التاريخ وعدم سقوط النظرية الماركسية واستمرار مبرر وجود الأحزاب التقدمية التي تعبر عن مصالح الطبقة العاملة وكل «شغيلة اليد والفكر»، ودورها الطليعي من أجل التغيير على الضد من ادعاءات منظري الرأسمالية الذين زعموا أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ وأن لا مكان للنظرية الماركسية بعد الآن.
أما الفصل الثالث، فقد سمّاه المؤلف «العولمة - الأممية الرأسمالية»، وناقش فيه ادعاءات البعض بأن الماركسية في تحليلها للرأسمالية وطبيعتها، قد توقفت عند مرحلة الإمبريالية في إشارة إلى كتاب لينين «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية»، في حين أن النظام الرأسمالي جدد نفسه وتطور إلى مرحلة «العولمة» التي لم يرد ذكرها في الأدبيات الماركسية، على حد زعمهم. علمًا بأن هناك سيلاً هائلاً من الأدبيات التي تتحدث عن موضوع العولمة. واستشهد المؤلف بمساهمات الاجتماعيين والفلاسفة والفنانين وعلماء البيئة وغيرهم الكثير الذين تناولوا العولمة من جميع جوانبها. وأورد المؤلف أسماء الكثير من الاقتصاديين واليساريين العرب من أمثال د.سمير أمين، واللبناني كمال حمدان، والدكتور فؤاد مرسي الذي ألف كتاب «الرأسمالية تجدد نفسها»، إلى جانب الكتاب الغربيين الذين بلغت مؤلفاتهم وأبحاثهم ودراساتهم الألوف. والرأسمالية، رغم أنها جددت نفسها، كما تنبأ ماركس، فإنها لم تغير قانونها أو جوهرها. وتطرق المؤلف إلى ما قام به ميخائيل غورباتشوف عندما دعا خمسمائة من قادة العالم إلى فندق فير مونت في كاليفورنيا في سبتمبر (أيلول) 1995 ليشكلوا هيئة جديدة يطلب منها تبيان الطريق إلى القرن الحادي والعشرين. هذه الطريق التي «ستفضي إلى حضارة جديدة». وكان من بين المدعوين جورج بوش الأب، ومارغرت تاتشر، وجورج شولتس، ورئيس مؤسسة سي إن إن، وغيرهم.
وفي الاجتماع المذكور جرى رسم السياسة الاقتصادية الجديدة التي أقرّت، بلا حياء ولا إنسانية، أن 20 في المائة من السكان العاملين ستكفي في القرن 21 للحفاظ على النشاط الاقتصادي الدولي. وأن لا حاجة لأيدي عاملة أكثر من هذا، فخُمس قوة العمل سيكفي لإنتاج جميع السلع، وليظل ثمانون في المائة عاطلين!
وبيّن المؤلف كيف أن العولمة الرأسمالية ومنظماتها معادية للديمقراطية. وتطرق إلى الحديث عن تطور الرأسمالية الاحتكارية إلى الرأسمالية المعولمة. وتحدث عن تمركز رأس المال وعن أزمة 2008 التي هي أشد خطورة واستدامة من كل الأزمات السابقة بما فيها أزمة 1929. وكيف أنه في «ظل التطور الهائل للقوى المنتجة العالمية الذي بات يكفي لتأمين حاجات البشرية كلها، ما زال أكثر من ثلث البشرية يعيش عند حافة الفقر، وما زال ملايين البشر يبحثون عن فرص عمل في ظل تعطيل طاقات هائلة».
وأشار المؤلف إلى أن العولمة الرأسمالية تحمل في جوفها كل سمات الرأسمالية وتناقضاتها وأزماتها، وبشكل أوسع وأعمق مما كانت عليه في السابق. وبيّن أن الرأسمال الأميركي ورساميل الثماني الكبار يسيطر على 70 في المائة من أسواق العالم، وأن البلدان الفقيرة تخسر يوميًا مليار و300 مليون جنيه إسترليني في التجارة بسبب القوانين التي تطالب بإنهاء الدعم في هذه البلدان. وكيف تحولت منظمة التجارة العالمية التي تضم 142 بلدًا إلى حكومة عالمية يديرها الأغنياء (واشنطن بالدرجة الأولى) وأن سياستها ترسم من قبل 21 بلدًا فقط. وذكر أن الرأسمالية دخلت مرحلة جديدة هي إمبريالية العولمة التي تستهدف ليس فقط الاستيلاء على الأراضي وإقامة المستعمرات بل السيطرة على كل اقتصاد العالم.
وأشار المؤلف أن هذه اللوحة السوداء ليست قدرًا لا يمكن رده؛ إذ يمكن التصدي له. وذكر ما أورده تقرير التنمية البشرية للعام 2013 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان نهضة «الجنوب.. تقدّم بشري في عالم متنوّع»، أن عددًا كبيرًا من البلدان النامية، مثل البرازيل والصين والهند، قد حقق تحولاً في التنمية البشرية، وأصبح لها اقتصادات قوية ونفوذ سياسي متزايد.
وفي هذا السياق، أورد المؤلف قدرة بعض دول الجنوب أو الأطراف على السير في طريق التنمية الذاتية واستغلال مواردها لمصلحة شعوبها دون أن تضطر إلى الارتهان للإمبريالية المعولمة أو الاستمرار في اقتصاد طفيلي متخلف وتابع للرأسمال العالمي. وأسهب في الحديث عمّا حققته فنزويلا بقيادة هوغو شافيز من منجزات كبيرة في انخفاض نسبة معدل الفقر وارتفاع مؤشر التنمية البشرية ارتفاعًا كبيرًا وانخفاض معدل البطالة. وكيف أن فنزويلا لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية.
ولم يقتصر المؤلف على ذكر فنزويلا ونجاحاتها، بل ذكر أيضًا الإكوادور بقيادة كورييا، ونهجها المخالف للنهج النيوليبرالي، وكذلك ما حققته شيلي من منجزات واستشهد بما كتبه سمير مرقص في مقال له بعنوان «شيلي وأخواتها: عدالة اجتماعية + تداول السلطة = (تقدم)». وأخوات شيلي، هي: البرازيل، والأرجنتين، وكوستاريكا، التي حققت منجزات يجدر الاقتداء بها إلى جانب ما حققته الإكوادور. وكيف أن السياسات المناقضة للنيوليبرالية تنجح بتحقيق الاستقرار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، ويمكن أن تنقذ الدولة بأقل الخسائر من أزمة الرأسمالية العالمية المستمرة منذ 2008.
والحديث يطول بما لا يتحمله هذا المقال، لو أردنا إيراد كل الأمثلة التي حققتها البلدان التي انتهجت نهجًا مناقضًا للنهج النيوليبرالي الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على كل الدول. وختم المؤلف هذا الفصل بالقول «إن شعوب العالم في هذه الفترة التاريخية تبدأ بكتابة تاريخ جديد لها يسعى إلى استبدال النموذج الرأسمالي المعولم اللاإنساني والغارق بأزماته. وإن هذه الشعوب تدرك أن الطريق إلى الاشتراكية طويل. وأشار إلى أهمية الاستفادة من تجربة الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية السابقة والتوقف عندها ودراستها وتحليلها ونقدها بجرأة وبعقلية متجردة من الجمود والنصية وعدم التفكير المبدع والخلاق لبناء اقتصادها وتقدم شعوبها.
أما الفصل الرابع، الذي جعل المؤلف عنوانه «الثورات العربية بداية تاريخ عربي جديد»، الذي يبدو للوهلة الأولى أن لا علاقة له بالفصول الثلاثة الأولى التي تطرقنا إليها، فقد ذكر المؤلف أنه لم يستطع استبعاد «الثورات العربية »، التي بدأت في عام 2011 كمستجد على عصرنا. ولذا كرّس لهذا الفصل ما يزيد على ثلث صفحات الكتاب، تطرق فيه إلى كون التفكير التغييري ليس غريبًا على العرب؛ إذ بدأه المثقفون العرب التنويريون بدءًا من رفاعة الطهطاوي، وانتهاء بعلي عبد الرازق وسلامة موسى وطه حسين، ومرورًا بخير الدين التونسي وبطرس البستاني وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد وعبد الرحمن الكواكبي وشبلي شميل وفرح أنطون وآخرين. وما أعقب ذلك في منتصف القرن العشرين من «ثورات» وانقلابات عسكرية في الكثير من الدول العربية التي حققت طرد المستعمرين وأقامت حكومات افتقرت إلى الديمقراطية وصولاً إلى «الثورات» في عام 2011 التي أطلق عليها تسمية «الربيع العربي» التي كانت حصيلة نضالات مديدة خاضتها الشعوب العربية على مدى عشرات السنين.
ورد المؤلف في هذا الفصل على تسمية هذه الثورات بأنها ثورات شبابية أو تكنولوجية وتحدث عن الوضع العربي قبل الثورات والأحزاب السياسية قبل الثورات وعن أحزاب الإسلام السياسي قبل الثورات. وتطرق إلى الكيفية التي استغل بها الإخوان المسلمون تطور الأوضاع وانضمامهم إلى الثورات بعد اندلاعها وتمكنهم من السيطرة على نتائجها بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، التي سارع الإخوان المسلمون إلى تطمينها على حماية مصالحهم وأمن إسرائيل.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».