هل الرأسمالية نهاية التاريخ؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

هل الرأسمالية نهاية التاريخ؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

الرأسمال الأميركي ورساميل الثماني الكبار تسيطر على 70 في المائة من أسواق العالم، وإن البلدان الفقيرة تخسر يوميًا مليار و300 مليون جنيه إسترليني في التجارة بسبب القوانين التي تطالب بإنهاء الدعم في هذه البلدان.
صدر مؤخرًا عن دار الفارابي كتاب بعنوان «الرأسمالية.. الوغد الوسيم.. في بعض مستجدات العصر» للباحث الكويتي وليد الرجيب. والرجيب هو روائي نشر عددًا من المجموعات القصصية والروايات، ومنها رواية «بدرية» التي نالت شهرة كبيرة في الساحة الأدبية العربية منذ عام 1989، كما سبق له أن نشر كتابين عن فن وعلم التنويم والعلاج بالطاقة الكونية.
ويقول في نهاية مقدمته لكتابه الجديد: «لا ندعي أننا قدمنا إجابات شافية كافية للمسائل المطروحة في هذا الكتاب، كما لا ندعي أننا استطعنا حصر جميع الأسئلة والموضوعات المستجدة والشائكة لما تمر به الماركسية والماركسيون في هذا العصر، فالأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتعمق والمناقشة بعقول مفتوحة».
الكتاب يحوي مقدمة وأربعة فصول، استغرقت 256 صفحة. تحدث الفصل الأول عن «علاقة الرأسمالية بالتطور التكنولوجي» وبيّن أن الرأسمالية لم تستهدف من التطور التكنولوجي تحقيق سعادة الإنسان، بل تحقيق الربح وزيادته. ولا تتورع عن كبحه إذا ما تعارض مع هذا الهدف، الذي هو تحقيق ربح أكبر من المتحقق حتى ظهور التطور التكنولوجي. فهي؛ أي الرأسمالية، تستخدم التكنولوجيا بادئ الأمر في مجال الاستخبارات دون أي اعتبار خلقي في التجارب العلمية، وفي الاستفادة من الاختراعات الجديدة. وضرب مثلاً بما قامت به الشركات الكبرى التي تنتج البترول ومشتقاته؛ إذ رفضت تعميم نموذج السيارة التي تعمل بالكهرباء والطاقة الشمسية، ورفعت قضايا أمام المحاكم ضد تصنيع السيارة الكهربائية وربحتها بالاستعانة بالحكومة الأميركية، وتم وأد الوليد الجديد في 24 أبريل (نيسان) 2003. وتحدث الكتاب عن استقطاب شركات المال في وول ستريت لخريجي الرياضيات المتفوقين أو خريجي العلوم للعمل لديها بأجور عالية بدلاً من خدمة المجتمع باختراعات علمية أو العمل في المختبرات العلمية بأجور أقل.
وكرّس المؤلف الفصل الثاني لـ«تأثير التطور التكنولوجي في بنية الطبقة العاملة» واستعان بورقة بحثية أعدت في الكويت تحت عنوان «التطور الرأسمالي التابع والمشوّه والطفيلي في الكويت. الطبقات الاجتماعية والصراع الطبقي» عام 2012، وهي ورقة غنية جدًا بمضمونها العلمي ومعالجتها لموضوع الصراع الطبقي في الكويت وبلدان الخليج، وتغير بنية الطبقة العاملة عبر التاريخ وعدم سقوط النظرية الماركسية واستمرار مبرر وجود الأحزاب التقدمية التي تعبر عن مصالح الطبقة العاملة وكل «شغيلة اليد والفكر»، ودورها الطليعي من أجل التغيير على الضد من ادعاءات منظري الرأسمالية الذين زعموا أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ وأن لا مكان للنظرية الماركسية بعد الآن.
أما الفصل الثالث، فقد سمّاه المؤلف «العولمة - الأممية الرأسمالية»، وناقش فيه ادعاءات البعض بأن الماركسية في تحليلها للرأسمالية وطبيعتها، قد توقفت عند مرحلة الإمبريالية في إشارة إلى كتاب لينين «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية»، في حين أن النظام الرأسمالي جدد نفسه وتطور إلى مرحلة «العولمة» التي لم يرد ذكرها في الأدبيات الماركسية، على حد زعمهم. علمًا بأن هناك سيلاً هائلاً من الأدبيات التي تتحدث عن موضوع العولمة. واستشهد المؤلف بمساهمات الاجتماعيين والفلاسفة والفنانين وعلماء البيئة وغيرهم الكثير الذين تناولوا العولمة من جميع جوانبها. وأورد المؤلف أسماء الكثير من الاقتصاديين واليساريين العرب من أمثال د.سمير أمين، واللبناني كمال حمدان، والدكتور فؤاد مرسي الذي ألف كتاب «الرأسمالية تجدد نفسها»، إلى جانب الكتاب الغربيين الذين بلغت مؤلفاتهم وأبحاثهم ودراساتهم الألوف. والرأسمالية، رغم أنها جددت نفسها، كما تنبأ ماركس، فإنها لم تغير قانونها أو جوهرها. وتطرق المؤلف إلى ما قام به ميخائيل غورباتشوف عندما دعا خمسمائة من قادة العالم إلى فندق فير مونت في كاليفورنيا في سبتمبر (أيلول) 1995 ليشكلوا هيئة جديدة يطلب منها تبيان الطريق إلى القرن الحادي والعشرين. هذه الطريق التي «ستفضي إلى حضارة جديدة». وكان من بين المدعوين جورج بوش الأب، ومارغرت تاتشر، وجورج شولتس، ورئيس مؤسسة سي إن إن، وغيرهم.
وفي الاجتماع المذكور جرى رسم السياسة الاقتصادية الجديدة التي أقرّت، بلا حياء ولا إنسانية، أن 20 في المائة من السكان العاملين ستكفي في القرن 21 للحفاظ على النشاط الاقتصادي الدولي. وأن لا حاجة لأيدي عاملة أكثر من هذا، فخُمس قوة العمل سيكفي لإنتاج جميع السلع، وليظل ثمانون في المائة عاطلين!
وبيّن المؤلف كيف أن العولمة الرأسمالية ومنظماتها معادية للديمقراطية. وتطرق إلى الحديث عن تطور الرأسمالية الاحتكارية إلى الرأسمالية المعولمة. وتحدث عن تمركز رأس المال وعن أزمة 2008 التي هي أشد خطورة واستدامة من كل الأزمات السابقة بما فيها أزمة 1929. وكيف أنه في «ظل التطور الهائل للقوى المنتجة العالمية الذي بات يكفي لتأمين حاجات البشرية كلها، ما زال أكثر من ثلث البشرية يعيش عند حافة الفقر، وما زال ملايين البشر يبحثون عن فرص عمل في ظل تعطيل طاقات هائلة».
وأشار المؤلف إلى أن العولمة الرأسمالية تحمل في جوفها كل سمات الرأسمالية وتناقضاتها وأزماتها، وبشكل أوسع وأعمق مما كانت عليه في السابق. وبيّن أن الرأسمال الأميركي ورساميل الثماني الكبار يسيطر على 70 في المائة من أسواق العالم، وأن البلدان الفقيرة تخسر يوميًا مليار و300 مليون جنيه إسترليني في التجارة بسبب القوانين التي تطالب بإنهاء الدعم في هذه البلدان. وكيف تحولت منظمة التجارة العالمية التي تضم 142 بلدًا إلى حكومة عالمية يديرها الأغنياء (واشنطن بالدرجة الأولى) وأن سياستها ترسم من قبل 21 بلدًا فقط. وذكر أن الرأسمالية دخلت مرحلة جديدة هي إمبريالية العولمة التي تستهدف ليس فقط الاستيلاء على الأراضي وإقامة المستعمرات بل السيطرة على كل اقتصاد العالم.
وأشار المؤلف أن هذه اللوحة السوداء ليست قدرًا لا يمكن رده؛ إذ يمكن التصدي له. وذكر ما أورده تقرير التنمية البشرية للعام 2013 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان نهضة «الجنوب.. تقدّم بشري في عالم متنوّع»، أن عددًا كبيرًا من البلدان النامية، مثل البرازيل والصين والهند، قد حقق تحولاً في التنمية البشرية، وأصبح لها اقتصادات قوية ونفوذ سياسي متزايد.
وفي هذا السياق، أورد المؤلف قدرة بعض دول الجنوب أو الأطراف على السير في طريق التنمية الذاتية واستغلال مواردها لمصلحة شعوبها دون أن تضطر إلى الارتهان للإمبريالية المعولمة أو الاستمرار في اقتصاد طفيلي متخلف وتابع للرأسمال العالمي. وأسهب في الحديث عمّا حققته فنزويلا بقيادة هوغو شافيز من منجزات كبيرة في انخفاض نسبة معدل الفقر وارتفاع مؤشر التنمية البشرية ارتفاعًا كبيرًا وانخفاض معدل البطالة. وكيف أن فنزويلا لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية.
ولم يقتصر المؤلف على ذكر فنزويلا ونجاحاتها، بل ذكر أيضًا الإكوادور بقيادة كورييا، ونهجها المخالف للنهج النيوليبرالي، وكذلك ما حققته شيلي من منجزات واستشهد بما كتبه سمير مرقص في مقال له بعنوان «شيلي وأخواتها: عدالة اجتماعية + تداول السلطة = (تقدم)». وأخوات شيلي، هي: البرازيل، والأرجنتين، وكوستاريكا، التي حققت منجزات يجدر الاقتداء بها إلى جانب ما حققته الإكوادور. وكيف أن السياسات المناقضة للنيوليبرالية تنجح بتحقيق الاستقرار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، ويمكن أن تنقذ الدولة بأقل الخسائر من أزمة الرأسمالية العالمية المستمرة منذ 2008.
والحديث يطول بما لا يتحمله هذا المقال، لو أردنا إيراد كل الأمثلة التي حققتها البلدان التي انتهجت نهجًا مناقضًا للنهج النيوليبرالي الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على كل الدول. وختم المؤلف هذا الفصل بالقول «إن شعوب العالم في هذه الفترة التاريخية تبدأ بكتابة تاريخ جديد لها يسعى إلى استبدال النموذج الرأسمالي المعولم اللاإنساني والغارق بأزماته. وإن هذه الشعوب تدرك أن الطريق إلى الاشتراكية طويل. وأشار إلى أهمية الاستفادة من تجربة الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية السابقة والتوقف عندها ودراستها وتحليلها ونقدها بجرأة وبعقلية متجردة من الجمود والنصية وعدم التفكير المبدع والخلاق لبناء اقتصادها وتقدم شعوبها.
أما الفصل الرابع، الذي جعل المؤلف عنوانه «الثورات العربية بداية تاريخ عربي جديد»، الذي يبدو للوهلة الأولى أن لا علاقة له بالفصول الثلاثة الأولى التي تطرقنا إليها، فقد ذكر المؤلف أنه لم يستطع استبعاد «الثورات العربية »، التي بدأت في عام 2011 كمستجد على عصرنا. ولذا كرّس لهذا الفصل ما يزيد على ثلث صفحات الكتاب، تطرق فيه إلى كون التفكير التغييري ليس غريبًا على العرب؛ إذ بدأه المثقفون العرب التنويريون بدءًا من رفاعة الطهطاوي، وانتهاء بعلي عبد الرازق وسلامة موسى وطه حسين، ومرورًا بخير الدين التونسي وبطرس البستاني وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد وعبد الرحمن الكواكبي وشبلي شميل وفرح أنطون وآخرين. وما أعقب ذلك في منتصف القرن العشرين من «ثورات» وانقلابات عسكرية في الكثير من الدول العربية التي حققت طرد المستعمرين وأقامت حكومات افتقرت إلى الديمقراطية وصولاً إلى «الثورات» في عام 2011 التي أطلق عليها تسمية «الربيع العربي» التي كانت حصيلة نضالات مديدة خاضتها الشعوب العربية على مدى عشرات السنين.
ورد المؤلف في هذا الفصل على تسمية هذه الثورات بأنها ثورات شبابية أو تكنولوجية وتحدث عن الوضع العربي قبل الثورات والأحزاب السياسية قبل الثورات وعن أحزاب الإسلام السياسي قبل الثورات. وتطرق إلى الكيفية التي استغل بها الإخوان المسلمون تطور الأوضاع وانضمامهم إلى الثورات بعد اندلاعها وتمكنهم من السيطرة على نتائجها بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، التي سارع الإخوان المسلمون إلى تطمينها على حماية مصالحهم وأمن إسرائيل.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.