ساركوزي يزرع ألغامًا بين تونس والجزائر وليبيا.. بعد لقائه السبسي وأعضاء حكومته

مليونا سائح جزائري يتراجعون عن زيارة تونس

قائد السبسي لدى استقباله ساركوزي بحضور وزيرته السابقة رشيدة داتي والمستشار الدبلوماسي للرئيس السفير خميس الجهيناوي («الشرق الأوسط»)
قائد السبسي لدى استقباله ساركوزي بحضور وزيرته السابقة رشيدة داتي والمستشار الدبلوماسي للرئيس السفير خميس الجهيناوي («الشرق الأوسط»)
TT

ساركوزي يزرع ألغامًا بين تونس والجزائر وليبيا.. بعد لقائه السبسي وأعضاء حكومته

قائد السبسي لدى استقباله ساركوزي بحضور وزيرته السابقة رشيدة داتي والمستشار الدبلوماسي للرئيس السفير خميس الجهيناوي («الشرق الأوسط»)
قائد السبسي لدى استقباله ساركوزي بحضور وزيرته السابقة رشيدة داتي والمستشار الدبلوماسي للرئيس السفير خميس الجهيناوي («الشرق الأوسط»)

توقعت مؤسسات السياحة ووكالات الأسفار ووسائل الإعلام التونسية والجزائرية، أن يمتنع نحو مليوني سائح جزائري عن قضاء إجازاتهم في تونس خلافا لكل التصريحات التي سبق أن صدرت خلال شهر رمضان المبارك، والتي أعلن خلالها رسميون جزائريون وتونسيون أن السياح الجزائريين سيقبلون بكثافة على تونس فور عطلة الفطر، «تعبيرا عن التضامن مع تونس في معركتها مع الإرهابيين».
وقد حصل هذا «المنعرج» بعد إصدار منشور رسمي جزائري يمنع العسكريين والأمنيين، وعددهم يفوق المليون، من قضاء إجازاتهم في تونس «لأسباب أمنية». وقد ربط المراقبون بين هذا «المنع» والتصريحات «الاستفزازية» التي أدلى بها قبل أيام في تونس الرئيس الفرنسي السابق نيكولاس ساركوزي عن الجزائر وليبيا والإرهاب في المنطقة، وهي تصريحات عارضها غالبية الساسة التونسيين الرسميين والمعارضين والنقابيين. لكن عوض أن تساهم صور تنقلات ساركوزي والوفد الفرنسي الكبير المرافق له بين متاحف تونس وأسواقها في الترويج مجددا للسياحة التونسية في أوروبا ووسائل الإعلام التونسية والعربية، أصبح الجميع يتحدث عن «زرع ألغام بين تونس والجزائر وليبيا وفرنسا» بسبب تصريحات ساركوزي التي اعتبرتها الجزائر وتونس «تدخلا في الشؤون الداخلية للجزائريين» عندما وصف الأوضاع فيها بالغموض ودعا إلى «تدويل الملف الجزائري» و«إحالة ملف مستقبل الجزائر على الاتحاد من أجل المتوسط» في برشلونة.
وتسببت تصريحات ساركوزي في تونس في حملات إعلامية تونسية - جزائرية - ليبية ضده وضد «فرنسا الاستعمارية» كما شبهته بعض وسائل الإعلام في تونس بـ«بونابرت الذي يبحث عن مجد جديد للاستعمار السابق» على الرغم من تخصيص 90 في المائة من كلمة الرئيس الفرنسي السابق لإعلان الدعم لتونس في «مرحلة الانتقال الديمقراطي» التي تمر بها، التي وصفها بـ«التجربة السياسية السلمية النموذجية الناجحة الوحيدة في بلدان الربيع العربي».
كما توجه ساركوزي خلال خطبته في اجتماع نظمه حزب «النداء» الحاكم بانتقادات للزعماء الأوروبيين والغربيين بسبب «تقصيرهم» في دعم تونس اقتصاديا وتنمويا، وفي القضاء على الأسباب العميقة للتطرف والعنف السياسي والإرهاب، ومن بينها المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبطالة والتهميش واختلال التوازن بين الجهات. ولم يقف ساركوزي عند هذا الحد، بل اعتبر أن «تونس كانت ستكسب معركتي التنمية السياسية والحرب على الإرهاب لو قدم لها الاتحاد الأوروبي 20 في المائة من المبالغ التي قدمها لليونان».
وعلى الرغم من هذه الجوانب الإيجابية في تصريحات ساركوزي الذي طالب الفرنسيين والأوروبيين بزيارة تونس ودعمها، لم يغفر له ساسة تونس والجزائر وليبيا انتقاداته «المبطنة» لساسة الجزائر وليبيا الحاليين. كما ردت عليه أطراف يسارية وأخرى إسلامية بقوة، مذكرة بـ«مسؤولياته في الإطاحة بالنظام الليبي وتوزيع الأسلحة وتدخلات الناتو في ليبيا وسوريا وتخريب الوطن العربي».
وشملت الانتقادات لـ«بونابرت الجديد» بالخصوص أولا، ما اعتبره عدد من الساسة التونسيين والجزائريين، مثل حمة الهمامي زعيم الجبهة الشعبية اليسارية، وراشد الغنوشي زعيم النهضة، وحسين العباسي أمين عام اتحاد نقابات الشغل، خوضا «في الشؤون الداخلية للشقيقتين الجزائر وليبيا»، لا سيما عندما وصف الأوضاع في الجزائر بالغامضة والمعقدة، ودعا إلى «معالجتها» في سياق الاتحاد من أجل المتوسط الذي أسسه ساركوزي، ويعتبر سياسيا في فرنسا وخارجها «ولد ميتا» بخلاف مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومسار برشلونة الأورومتوسطي. ثانيا: إصداره تقييمات أمنية وسياسية وصفها البعض بـ«الارتجالية» عندما تحدث عن وجود خطر «داعش» على بعد 100 كلم عن تونس، وعندما اتهم المسؤولين الحاليين، مغاربيا ودوليا، بالتقصير والفشل في الحرب على «داعش» و«الإرهاب» و«البربريين».
لكن ردود الفعل العنيفة على زيارة الرئيس الفرنسي السابق إلى تونس وبعض فقراتها لم تتوقف عند انتقاد «تصريحاته التي أغضبت الجزائر وليبيا وأحرجت تونس»، بل شملت كذلك ساركوزي نفسه: اتهامات عنيفة لساركوزي بسبب تصريحاته عن الجزائر صدرت عن قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة في بلاغ وقعه رئيسها راشد الغنوشي شخصيا، إلى جانب بلاغات من عدة أحزاب ومنظمات يسارية صغيرة - مثل الحزب الاشتراكي اليساري بزعامة محمد الكيلاني ونوفل الزيادي - نظم بعضها مسيرة أمام سفارة الجزائر لدى تونس «تضامنا مع الجزائر».
اتهامات متنوعة لساركوزي من بينها تلك التي صدرت عن زعماء اليسار الراديكالي في «الجبهة الشعبية» وبالخصوص عن الناطق الرسمي باسمها حمه الهمامي والنائب القومي زهير المغزاوي. وقد اتهمت تلك الزعامات ساركوزي بالضلوع في «العداء للعرب وفي الإرهاب وبتحمل مسؤولية الحروب الأطلسية والدولية التي تسببت في الحروب الحالية في ليبيا وسوريا، وفي انتشار العنف السياسي ليشمل بلدانا مسالمة مثل تونس». وقد بلغ الأمر بالنائب عن حركة الشعب والقيادي في مجلس أمناء الجبهة الشعبية حد وصف ساكوزي بـ«الإرهابي الذي يرتدي ربطة عنق».
وصدرت تعليقات من داخل حزب النداء ومن ممثلين في البرلمان، مثل الصحبي بن فرج وبشرى بالحاج احميدة، وقد تباينت بين التبرؤ من كون الدعوة وجهت إلى ساركوزي باسم «النداء» وبين اتهام الرئيس الفرنسي السابق بـ«تحمل مسؤولية الخراب والدمار في ليبيا وما تسبب فيه من تشريد ملايين المواطنين الليبيين ودفعهم نحو الاقتتال». وتبرأ أمين عام حزب النداء محسن مرزوق في تصريح إذاعي من «تهمة» دعوته شخصيا لساركوزي والإعلان أن الرئيس الفرنسي السابق جاء إلى تونس في زيارة «رسمية»، وأنه طلب كتابيا زيارة الرسميين التونسيين ولقاء رئيس الدولة قائد السبسي، ورئيس البرلمان محمد الناصر، ونائبه الأول عبد الفتاح مورو.. وقد صدر بعد ذلك بيان رسمي من الحزب بتوقيع السيد محسن مرزوق يتبنى دعوة قسم العلاقات الخارجية في «النداء» لساركوزي. واعتبر هذا البيان «تطمينا» للجانب الجزائري باعتبار «ساركوزي لم يتلق أي دعوة رسمية من رئاسة الجمهورية والحكومة».
وفي المواقع الاجتماعية وبعض وسائل الإعلام التونسية والجزائرية وقع إبراز صورتين زادتا من إزعاج المتحمسين لزيارة ساركوزي: الأولى استقباله من قبل رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في قصر قرطاج، لكن غاب عن كثيرين أن اللقاء وقع صباحا قبل خطبة ساركوزي بعد الظهر التي تطرقت للجزائر وليبيا بساعات، والثانية لعدد من أعضاء الحكومة التونسية بينهم وزير الداخلية ووزيرة الثقافة يسيران وراء ساركوزي وأمين عام حزب نداء تونس محسن مرزوق خلال جولة الرئيس الفرنسي السابق في الأسواق ونهج جامع الزيتونة وفي متحف باردو. والسؤال الذي فرض نفسه: إذا كانت الزيارة شخصية أو حزبية فلماذا وقع تشريك وزراء في الوفد المرافق له؟ لكن أمين عام حزب نداء تونس نفسه تبرأ في آخر المطاف من تصريحات ساركوزي عن الجزائر واعتبر أنها «لا تلزم إلا صاحبها»، واعتبر أن «الأهم هو المساهمة في إعادة الترويج للسياحة ولصورة تونس: الاعتدال والانفتاح، مهما كانت اختلافاتنا مع ساركوزي وغيره من القادة الأوروبيين». ملف معقد آخر يواجه الرئيس الباجي قائد السبسي وحكومة الحبيب الصيد.. في وقت يغرق فيه البلد في مزيد من المشكلات الاقتصادية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.