روسيا لن تصدق مطلقا على قرار لمجلس الأمن بشن ضربة عسكرية ضد دمشق

عسكريان بريطانيان يتحدثان لـ {الشرق الأوسط} عن سوريا والدروس المستفادة من غزو العراق

اللواء البريطاني المتقاعد رودي بورتر (وسط) وتيم كروس (يمين) يتحدثان إلى «الشرق الأوسط» (خاص بـ«الشرق الأوسط» - جيمس حنا)
اللواء البريطاني المتقاعد رودي بورتر (وسط) وتيم كروس (يمين) يتحدثان إلى «الشرق الأوسط» (خاص بـ«الشرق الأوسط» - جيمس حنا)
TT

روسيا لن تصدق مطلقا على قرار لمجلس الأمن بشن ضربة عسكرية ضد دمشق

اللواء البريطاني المتقاعد رودي بورتر (وسط) وتيم كروس (يمين) يتحدثان إلى «الشرق الأوسط» (خاص بـ«الشرق الأوسط» - جيمس حنا)
اللواء البريطاني المتقاعد رودي بورتر (وسط) وتيم كروس (يمين) يتحدثان إلى «الشرق الأوسط» (خاص بـ«الشرق الأوسط» - جيمس حنا)

جاء القرار الذي تبنته الولايات المتحدة بالرد على استخدام الأسلحة الكيماوية من قبل النظام السوري بعد عامين ونصف العام من حرب أهلية وأخرى بالوكالة، أسفرتا عن سقوط 100 ألف قتيل، معظمهم من المدنيين، وكثير منهم من النساء والأطفال. وقد سبق تبني التصنيف نفسه للأسلحة غير القانونية كذريعة لغزو العراق عام 2003 واحتلاله. لكن بعد نحو عشرة أعوام لم يسفر استخدام تلك الأسلحة ضد المدنيين في ضواحي دمشق سوى عن حديث عن «هجمات تكتيكية فورية» ضد منشآت النظام السوري، فيما حافظت قوى إقليمية ودولية عدة على دعم عسكري ولوجيستي وسياسي فعلي لنظام الأسد، بل وعززته. وتعتبر روسيا وإيران وميليشيات حزب الله اللبناني من أبرز الأمثلة على ذلك الدعم وأشهرها.
وفي مواجهة ذلك، زودت دول الخليج العربي المعارضة المسلحة بالدعم، في محاولة منها للعمل كقوة مساندة لـ«حركة المقاومة». بالمقارنة، أظهرت دول غربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أكبر قدر من التردد في نشر قوات حفظ سلام. بل تم رفض تسليح الثوار السوريين في محاولة لتجنب تكرار «برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لتسليح المجاهدين» الذي يحمل اسم «عملية الإعصار» في أفغانستان عام 1980. وهذه العملية المخزية التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية، والتي تعود إلى عقد مضى، زودت المجاهدين بالأسلحة والتدريب، إذ حاولت الولايات المتحدة أن تصبح لها اليد الطولى على الاتحاد السوفياتي.

يعتبر رودي بورتر وتيم كروس، وهما لواءان في الجيش البريطاني تقاعدا مؤخرا، التقتهما «الشرق الأوسط» في مكان خاص، أن هذا التردد والتأجيل أمران محتومان تماما، بالنظر إلى العمليات العسكرية «خلال العقد أو العقدين الماضيين»، والتأثير اللاحق الذي أحدثاه على السياستين الخارجيتين البريطانية والأميركية.
إن الصورة التي رسمها اللواءان اللذان تحدثا باستفاضة خلال المقابلة تعكس وضع مجتمع دولي يعاني من شكوك عميقة، تتزعمه إدارة أميركية يحكمها للأسف، خطاب «الخط الأحمر». يقول بورتر «لقد تسرع البعض كثيرا في قولهم إن أسلحة كيماوية أو أسلحة دمار شامل تعتبر خطا أحمر، من دون معرفة ما قد يفعلونه حيالها إذا ما تم تجاوزها بالفعل». ويؤكد قائلا «لقد تم تجاوز تلك الخطوط الحمراء. لكنني لا أعتقد أن الأميركيين لديهم أي رغبة في أي نوع من التدخل، بالطبع ليس من جانب واحد. وليس لدي تصور كيف سيعالجون الأمر».
لقد جرى التأكيد على الحاجة إلى تحالف دولي و«شرعية» المجتمع الدولي، خلال الدعوة لتوجيه ضربة عسكرية، أما اليوم فقد أخلى التهديد باستخدام القوة المجال للدبلوماسية.
وفي شهادته خلال التحقيق الذي أجري حول حرب العراق عام 2009، وصف تيم كروس الاستعداد لبناء عراق ما بعد صدام - تم التخطيط له على مدى أشهر وأعوام - بأنه «هزيل بشكل محزن». أما خطط شن هجمات ضد النظام السوري فيبدو أن التخطيط لها جرى خلال أيام.
أما الجنرال رودي بورتر فقد حذر من الافتقار إلى صبر استراتيجي حيال توجه ما يحظى بفرصة حقيقية للنجاح.
وتحدث الجنرالان لـ«الشرق الأوسط» عن أسباب حرص الغرب على تجنب أي تورط في سوريا، على الرغم من الاستخدام الأخير لأسلحة كيماوية الذي تسبب في إدانة دولية واسعة وأودى بحياة 1300 شخص، ونقل 3600 شخص إلى المستشفيات للمعالجة، بحسب منظمة «أطباء بلا حدود».
تخرج تيم كروس، الذي تقاعد في عام 2007، في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في عام 1971، جنبا إلى جنب مع حاكم قطر السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. ولفت نظر من هم أعلى منه مرتبة في كوسوفو، حيث تعامل مع أزمة إنسانية واسعة النطاق، ووجد نفسه «يبني مخيمات لاجئين للمسلمين الألبان في كوسوفو الذين كانوا يلوذون بالفرار من المسيحيين الأرثوذكس والصرب، ويديرها».

العراق عام 2003

يحظى الدور الذي لعبه الجنرال كروس في غزو العراق واحتلاله لاحقا باهتمام خاص، إذ يقدم دروسا قيمة لواقع سوريا ما بعد الحرب. عن ذلك الدور قال الجنرال كروس «لقد شاركت في هيئة التخطيط لما بعد الحرب في واشنطن، والتي أصبحت مكتب المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، الذي تحول من ثم إلى (سلطة الائتلاف المؤقتة). ذهبت إلى بغداد في أبريل (نيسان)، بعد فترة وجيزة من انتهاء الغزو، وشاركت في جهود ما بعد الحرب المباشرة مع جاي غارنر».
«شاهدت الأمر برمته يتخذ شكلا عشوائيا»، قال كروس معربا عن إحباطه من حقيقة أنه «لم تكن هناك أي خطة بديلة» لعراق ما بعد صدام. وفي أعقاب إقالة جاي غارنر من سلطة الائتلاف المؤقتة - وهو قرار يراه كروس «مخزيا» - أرسلت الإدارة الأميركية بول بريمر، وهو دبلوماسي أميركي، إلى بغداد. وهناك، حسبما يزعم الجنرال، تخلى «الحاكم» عن العمل الذي كان يقوم به هو وجاي غارنر، لإشراك القيادة السياسية الجديدة، قليلة الخبرة، في إدارة العراق.
يقول كروس «مع بريمر جاءت عملية اجتثاث حزب البعث، التي لا أعتقد أنه قام بها بشكل فوري، فقد جلبها معه من واشنطن. وقد تم جعل هذا الأمر قانونا في إطار الأمر رقم 1 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة»، الذي حاول مخاطبة «التهديد الذي شكله استمرار شبكات حزب البعث وطاقم العاملين بها في إدارة العراق».
على الرغم من ذلك، فإن الأمر، الذي أدخله بريمر حيز التنفيذ يوم 16 مايو (أيار) عام 2003، حمل في متنه معنى تفكيك الهيكل الكامل للجيش العراقي السابق، وتمت إقالة أعضائه - الذين لديهم معلومات عن التجهيزات العسكرية ومخابئ الأسلحة - من مناصبهم، وحرمانهم من معاشات التقاعد.
يسترجع كروس قائلا إن «إرسال الجيش إلى أرض الوطن كان موقفا ساذجا بشكل ملحوظ». حرفيا، اتصل الناس هاتفيا برفاقهم في الفرق القتالية وقالوا «حسنا، أين بنادق الكلاشنيكوف؟ علينا أن نقف ونبدأ في كسب عيشنا نظرا لأنه ليس ثمة سبيل آخر للبقاء على قيد الحياة». و«كان ثالث ما فعله بريمر هو أنه وحد القيادة السياسية التي أمضى غارنر وقتا طويلا في الحديث إليها - وكنت جزءا من تلك العملية - وقال لهم (نحن لا نسلم لكم السلطة، سوف أدير هذه الدولة خلال العام المقبل، سأكون حاكم العراق، ولن ينتهي بكم الأمر إلى الاعتناء بأمر هذه الدولة)».
وواصل قائلا «كانت هذه بحق لطمة قوية لهم في ما يتعلق بمطامحهم السياسية». وأضاف «حين قال بريمر هذا لم يكن في وضع يسمح له بإدارة المكان. ومن ثم، خلق حالة التمرد، وقضى على أي نوع من الظهور الداخلي لنظام ديمقراطي - مع الضعف الذي يحتمل أن يكون عليه. ومن ثم كنت منتقدا له طوال الوقت، وما زلت كذلك. لكن، بالعودة إلى نقطتي السابقة، لم تكن هناك (خطة بديلة)، يحاول الناس إعدادها بشكل مستمر.. كانت مجرد وسيلة غير مجدية للقيام بالأشياء».
ويؤكد الجنرالان بورتر وكروس على أن هذه القرارات بالذات هي التي أتاحت تشكيل ميليشيات متعددة وبداية حالة تمرد ضخمة، وألقت بظلالها على العراق حتى اليوم. وهي تشير إلى أن الدرس الأساسي المستفاد، بالنسبة للدول التي تمر بمرحلة انتقالية - مصر وليبيا واليمن، وربما سوريا - هو تضمين كل عناصر المجتمع. وبصرف النظر عن مدى الصعوبة التي ربما يبدو عليها هذا، فإنه يشمل «عناصر النظام السابق». وأوضح الجنرال بورتر كيف كان ممكنا عام 2008 استغلال المسؤولين العسكريين العراقيين السابقين بشكل جيد بحق.

المصالحة

يتحدث اللواء رودي بورتر كيف أنه في عام 2008، خلال ذروة أحداث العنف تلك «عمل لحساب القائد العام والسفير الأميركي - الجنرال راي أوديرنو والسفير ريان كروكر - في إدارة خلية عسكرية - مدنية أميركية بريطانية صغيرة، كانت تسعى بفعالية للمصالحة بين ميليشيات الشيعة والسنة».
ويشرح الصعوبات الشخصية بالنسبة لهؤلاء المعنيين بالمصالحة الوطنية في أي نزاع، مستشهدا بتجربته مع اتفاقية «الجمعة العظيمة» - إطار سياسي لتحقيق السلام في شمال آيرلندا «كنا سنشجع على مشاركة قسم من السلطة مع أناس أدركنا أنهم قتلوا أطفالنا وجنودنا. في تلك المرحلة لم يكن بمقدوري هضم ذلك - على المستويين الشخصي والخاص - كمبادرة تحمل أي مغزى بالنسبة لي، وفي الوقت الذي عدت فيه كقائد لواء في عام 2003، كنت قادرا على تحقيق تقدم على المستوى الشخصي، ونظرت لتلك العملية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للمضي بالمشكلة قدما».
وبعد مرور خمس سنوات تعين عليه محاولة التوسط بين الميليشيات الطائفية. ويعتبر التسامح والمصالحة، اللذان يحدثهما هذا، أقوى عنصرين لتحقيق الأمن والاستقرار والحكم الذي يكفل بناء الأمة. لكنهما الأصعب في التحقق.
يتحدث بورتر عن اضطراره للسفر في أنحاء عديدة في العالم «من أجل التعرف على الدور الذي ربما كانت بعض عناصر النظام السابق قادرة على أن تلعبه في العراق الجديد. كانوا أناسا على درجة جيدة جدا من الثقافة، ويتمتعون بقدرات هائلة، وخلفوا وراءهم سيرة مهنية كاملة في الجيش». في ذلك الوقت «كان ما يحتاجه العراقيون هو الاستقرار، ولم يكن بحاجة إلى تجريب، أو إلى محاولة فرض ديمقراطية ليبرالية وتطبيق اقتصاد سوق». ومن ثم، كان من الممكن أن توظف «عناصر النظام السابق»، ما لم تكن تتحكم في الجيش العراقي الجديد - لأنه ربما كان ذلك يتجاوز حدود المنطقة الحصينة للحكومة الشيعية، أن تمتلك أفرادا من السنة، كانوا في السابق أعضاء رفيعي المستوى بحزب البعث، يشغلون مناصب على مستوى الفيالق والفرق العسكرية - لكنهم يقدمون عمليا إرشادات حول كيفية تدريب وتجهيز وإدارة ما كان يعد بالأساس جيشا جديدا تماما».
شرح الجنرال السابق كيف وجد هو وفريقه «ضباطا سابقين برتبة عقيد وعميد في الجيش العراقي يقودون سيارات أجرة في مصر والأردن، لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكنهم من خلالها كسب قوت يومهم. لكنه قال، مبديا بارقة أمل كانت تحدوه من قبل «كثيرون كانوا يقولون الشيء نفسه، إنهم يروق لهم لعب دور في العراق الجديد، وإن لديهم الكثير ليقدموه. وعرضنا هو: دعونا نأت ونتحدث إليكم، الأميركيين والعراقيين، حول هذا الأمر».
وعلى الرغم من ذلك فقد يثبت أنه كان طريقا مسدودا، مثلما أوضح بورتر «لم يكن الأميركيون شديدي الحرص لأنهم أدركوا ما سيكون عليه رد الفعل العراقي - كان رد الفعل العراقي هو (مستحيل). وفعليا، كان إدراج أفراد الجيش السابقين على لائحة قانون معاشات التقاعد الجديد أحد الأمور التي تمكنا من تحقيقها، وأبعد ما وصل إليه الأمر».
غير أن كلا من الجنرالين عرض قصة نجاح مصالحة في الشرق الأوسط. وعلق تيم كروس منتقلا إلى حكومة إقليم كردستان شبه المستقل «لم يكن طالباني وبرزاني أفضل الرفاق، كانت الخلافات بينهما خطيرة جدا. لكن، لأجل الصالح العام في المنطقة الكردية، كانا قادرين على أن يتصالحا معا، وظلا معا بشكل جيد جدا. لذلك، فإن كل شيء متاح.. ففي نهاية المطاف ينبغي على غالبية السكان أن تقول (كفى)».
ينطبق مفهوم المصالحة أيضا على علاقات العراق الخارجية. يقول بورتر «كانت هناك فرصة للتخفيف من حدة المشكلات بين الشيعة والسنة بشكل هائل، أو على الأقل إعادتها إلى وضعها السابق. وكان هذا متعلقا بأسلوب المالكي تجاه مجلس التعاون الخليجي، لنقُل بعد عام 2007 على الفور، حين تم انتخابه رئيسا للوزراء. أعتقد صادقا أنه أضاع ذلك. كانت هناك فرصة متاحة لمد الحوار مع مجلس التعاون الخليجي، خاصة مع السعودية. أعتقد أن تلك الدول - السعودية والكويت، وغيرهما - كانت في انتظار بدء نوع ما من الحوار. وأعتقد أنه ربما شهد المرء بعض التقدم في ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي والتنمية، الأمر الذي كان ليفضي إلى تخفيف حدة التوترات، وربما توفير مكان أصيل في الشرق الأوسط للعراق خلال السنوات المقبلة. لكن تركيز المالكي، عموما كان منصبا على العلاقة مع إيران».
تقاعد الجنرال بورتر عام 2011، بعد مسيرة مهنية شهدت مشاركته في حربي العراق والبوسنة عامي 1994 و1995. وهناك، سعى لإتاحة إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية - حجر زاوية للسياسة الخارجية لرئيس الوزراء توني بلير في ذلك الموضع. قال متذكرا تلك الفترة في البوسنة «أعتقد أن المجتمع الإسلامي شعر في ذلك الوقت بأن المجتمع الدولي خذله. التقيت العديد من الساسة والأئمة في البوسنة ممن شعروا بأن الأمم المتحدة قد خذلتهم. لا يمكن القول بأن هذا الشعور انتشر في الشرق الأوسط، لكني أعتقد أن المنطقة شهدت توترا».

سوريا وتاريخ التدخل

«هناك قوة محركة مثيرة جدا دفع بها بلير في 1991 في كوسوفو»، حسبما يروي الجنرال بورتر. ويقول «في بعض الأحيان يتفوق الدافع الأخلاقي للتدخل على التصديق القانوني عليه. لم يكن هناك قرار بالتدخل في كوسوفو، ولو حاولوا لآل بهم الآمر إلى الفشل. غير أن الحجة الأخلاقية، التي قبلتها غالبية الأطراف، إن لم يكن كلها، كانت هي أن التدخل لا يتطلب قرارا - كان من الضروري فقط القيام به».
«ومع العراق في عام 2003، كان بوش مؤيدا بشدة لهذا الرأي. إذا استمعت لخطاباته من عام 2001 فصاعدا تجد أنها اتخذت خطا أخلاقيا ينص على حتمية التدخل: لا يمكننا أن نقف موقف المتفرجين وندع هذا الديكتاتور يمضي في مسلكه. من ثم، تظهر قضية أخلاقية، وفيها يكون من الصعب تشكيل قضية قانونية»، على حد قوله، مستخلصا أن هناك «جدالا نظريا يجب وضعه في سياق سوريا والمناطق الأخرى».
وكرر الجنرال تيم كروس قائلا «لم يصدر قرار عن الأمم المتحدة بشأن كوسوفو، لكنه كان الإجراء الصائب اللازم اتخاذه. لم يكن قانونيا، لكنه كان مشروعا. بالطبع، لن يكون التدخل في سوريا قانونيا، لأن الروس لن يصدقوا مطلقا على قرار مجلس الأمن». في واقع الأمر، كثير من المحللين والمعلقين عبروا عن اعتقادهم أن شن هجوم على نظام الأسد لا يخلعه من السلطة، ولن يفعل سوى زيادة الدعم المقدم له.
وهناك خطر يتمثل في تكرار «الخطة الأولى» الفاشلة من غزو العراق عام 2003، والتي بحسب الجنرال كروس افترضت أن «الشعب العراقي سيشعر بالسعادة الجمة بالتحرر، إلى حد أنه سيغدق علينا سيلا من الاستحسان، وسوف نعود إلى أرض الوطن». علاوة على ذلك، إذا ما أدى هجوم إلى هزيمة عسكرية للأسد، فإنه لا يضمن الاستقرار - بالطبع - من دون إجراءات ملائمة لحكومة مؤقتة لما بعد النزاع.
وأشار الجنرال كروس قائلا «لقد ولت أيام رفع العلم وإعلان الانتصار - كما في ألمانيا في عام 1945 - منذ فترة طويلة. في الأغلب الأعم، لا نعلن الحرب من خلال هذه الأشكال من نشر الجنود».
لم يترك هذا سوى قليل من الخيارات الأخرى. بدلا من سياسات «عدم التدخل»، اقتصرت هذه الخيارات على منح المساعدات الإنسانية، أو الإمداد بالأسلحة والتدريب على نطاق واسع، وهو قرار رفضه مسؤولون بريطانيون وأميركيون.
وتساءل كروس «هل تقومون بتسليح الثوار؟ إذن، من هم هؤلاء الثوار؟ وما نوع الأسلحة التي تسلحونهم بها؟». «لو كان هناك درس مستفاد من أفغانستان والمناطق الأخرى، فهو أن تسريب تلك الأسلحة سيتم. من ثم، فإنني لست مندهشا من أننا عالقون في هذه المعضلة»، هذا ما يقوله وهو يومئ في إشارة إلى برنامج عملية الإعصار. ويواصل «بكل صراحة، شعرت بذلك في هذا الوقت فعلا، ليس ارتباطا بالأحداث الماضية والتأمل فيها وحسب، بل لاعتقادي أيضا أننا دفعنا بالنظام في سوريا إلى موقف محرج بسرعة فائقة وسهولة شديدة، نظرا لعدم تعلمه من الدروس المستقاة من تجربتنا مع صدام وميلوسوفيتش وفي أفغانستان».
«ينتهي الأمر بالأسد إلى وضع نفسه في هذا الموقف المحرج. وبسرعة شديدة سنجد الجميع يقول إنه على الأسد الرحيل. هذا النوع من القادة (الأسد)، لا يقول في تلك الحالة: (حسنا، حسنا.. سوف أرحل). بل يضع نفسه في مأزق، ويخرج للقتال مع جيش يستمر في دعمه - وهو يفعل ذلك حقا، على عكس الجيش العراقي، الذي انهار في غضون ساعات، خلال حملة الخليج الأولى، وبسرعة فائقة في الحملة الثانية. هذا (الجيش السوري)، جيش قوي جدا»، هذا ما يقوله كروس مستندا إلى معلومات مسؤول أمضى حياته المهنية في تحليل التهديدات الأجنبية.
ويضيف «طالما شعرت بأننا دفعنا به إلى موقف عصيب بسرعة شديدة، ولا أتفق شخصيا مع كثير من التصريحات التي كانت تصدر عن مكتب الخارجية البريطانية – وحقيقة الصادرة عن جهات أخرى».
ثمة تناقض في ما يتعلق بالاستعداد لتقديم المساعدة في ليبيا والتردد إزاء سوريا. ضمن التدخل في ليبيا فرض منطقة حظر جوي لا تقدر بثمن. في الشرق، من شأن هذا أن يجعل الميزان يميل لصالح الثوار السوريين، إضافة إلى منع وقوع المزيد من الإصابات بين المدنيين. في حقيقة الأمر، يوضح تقرير صادر في وقت سابق من هذا العام، من قبل منظمة «هيومان رايتس ووتش»، كيف تم قتل 4300 مدني سوري نتيجة غارات النظام الجوية، في فترة الأشهر الثمانية بين نهاية يوليو (تموز) 2012، و22 مارس (آذار) 2013.
إلا أن اللاعبين الإقليميين والدوليين راقبوا استنزاف النزاع السوري للأمة والمنطقة، وعلى نحو متزايد العالم الخارجي. وأكد الجنرال تيم كروس قائلا «لو كانت سوريا قد ظهرت من قبل لشهدنا رد فعل مختلفا تماما» إزاء الأزمة السورية. وواصل، مقارنا الموقفين من منظور عسكري «من السهل نسبيا فرض منطقة حظر جوي في ليبيا. ليبيا عبارة عن شريط ساحلي - نحن فقط بحاجة للرجوع إلى الحملات من عام 1941 إلى 1944 عبر الشريط، بينما يتقدمون ويتراجعون. لا يوجد عمق لهذا. إنها منطقة قريبة من البحر. يمكنك القيام بالأشياء في ليبيا بسهولة نسبيا. سوريا مختلفة تماما. إنها كبيرة وقوية، ولديها كثير من المعدات - إمكانات دفاع جوي حديثة - والوصول إليها ليس بالأمر الهين. إن إنشاء منطقة حظر جوي أمر صعب جدا. لن أقول مستحيلا، لكنه بالغ الصعوبة».

سوريا والمجتمع الدولي

واستمرارا للحديث عن الجانب الدولي للنزاع، أقر الجنرال بورتر بـ«مدى حساسية المنطقة بأسرها للاضطراب في دولة أو أخرى». وطالما اهتم المحللون والخبراء بما يعرف بالتأثير الجانبي. فعبر الخطاب الطائفي، والصلات القبلية والأسرية التي تمتد عبر الحدود، والعلاقات السياسية المتأصلة، أثرت سوريا على الأحداث في لبنان. وينطبق هذا على وجه الخصوص على أماكن مثل طرابلس، حيث وصل العنف الطائفي إلى أبعد مدى منذ الحرب الأهلية المستمرة منذ 18 عاما في الدولة والتي مزقت نسيج المجتمع.
إن النزاع في سوريا «قد أثر على الوضع السياسي والعسكري في تركيا وفي إسرائيل وفي لبنان وفي إيران والعراق»، حسبما يشرح. ويضيف «بالطبع، العراق، حسبما أعتقد، قضية محورية، لأسباب ليس أهمها أن ملايين اللاجئين قد شقوا طريقهم إليه، وإنما أيضا بسبب المشكلة بين الشيعة والسنة. هناك، لديك حكومة شيعية في بغداد، وهي، إن شئنا الصراحة، عازمة على ألا يتشارك السنة السلطة، مجددا، مع السواد الأعظم من الطبقة الوسطى السنية، والفئة المقاتلة التي تم نفيها إلى أماكن مثل مصر وسوريا، ممن يتوقون إلى العودة تحت ستار ما، بسبب الدعم الضخم لدولة العراق الإسلامية.. ومن ثم، لدى السنة القدرة على إلحاق قدر كبير من الضرر بالعراق. وقد امتد هذا على نطاق واسع ليؤثر على الاستقرار هناك».
لكن فيما تمثل سوريا الآن شأنا دوليا مباشرا، يشعر الجنرال كروس بأن القضايا الإقليمية - مثل النزاع في الشرق الأوسط - تتطلب لمسة أكثر إقليمية.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.