إنه التحفة التي تتألق فيها العروس وتشعرها بأنها نجمة بلا منازع في ليلة العمر، وهو أيضا الوسام الذي يزين صدر المصمم، مؤكدًا براعته ومرسخًا مكانته. نعم، إنه فستان الزفاف الذي لا يكتمل أي عرض أزياء راقية، «هوت كوتير» من دونه، وفي حال سألت أي مصمم عن أهميته، سيجيبك من دون تردد بأنه وسيلته لبيع الحلم من جهة، واستعراض فنيته وخصوبة خياله من جهة ثانية. لكن رغم أنه يغذي حلم المرأة ويشبع نرجسية المصمم، فإنه يبقى من الناحية التجارية أكثر ما يبيع ويشد انتباه ضيفات عروض «الهوت كوتير». فهذا هو الموسم الذي تتسوق فيه المخمليات والنخبويات فساتين السهرة والزفاف عمومًا، غير آبهات بالأسعار ما دامت الفساتين ستكون فريدة من نوعها وبفخامة ما بعدها فخامة. الدليل أن معظم من يحتللن المقاعد الأمامية في عروض المصممين المشهورين بإبداعاتهم في هذا المجال، مثل إيلي صعب وزهير مراد، «فالنتينو» و«رالف أند روسو»، هن شابات من كل الجنسيات مصحوبات بأمهاتهن أو بصديقاتهن المقربات.
لحسن حظ هؤلاء، فإن كل المصممين، ومن دون استثناء، يدركون أهمية فستان العمر بالنسبة لهن، ويتبارون في ابتكاره والإبداع فيه. هذا الموسم، مثلا، أرسل المصمم الفرنسي فرانك سوربييه، عروسه وكأنها بجعة بيضاء أو راقصة باليه، بينما استعان المصمم كارل لاغرفيلد في عرضه لدار «شانيل» بكندل جينر لاستعراض فستان عصري مكون من بنطلون بذيل طويل، وكأنه يقول من خلالها بأن ثقافة الزمن اختلفت، وبأن امرأة اليوم عصرية تريد تصميمًا يعكس إيقاع حياتها السريع. لكن مهما أبدعوا واخترعوا، فإنهم في قرارة أنفسهم يعرفون أن ما ينتزع الشهقات ويشد الأنفاس هي الفساتين ذات التنورات المستديرة والطرحات الطويلة التي تستحضر قصص الأميرات وأساطير ألف ليلة وليلة، لأن بداخل كل امرأة تقبع طفلة متشبعة بهذه القصص والأحلام، وتريد أن تعيشها ولو في ليلة واحدة من العمر. وطبعًا كلما كانت مطرزة بالأحجار واللؤلؤ كانت عز الطلب.
وبما أنه في كل القصص الرومانسية والأساطير، هناك حورية أو جنية حنونة تستعمل كل طاقاتها الخارقة وقدراتها السحرية لمساعدتها على تحقيق حلم التألق وسرقة قلب أميرها وإعجاب كل من يراها، فإنه، وفي أرض الواقع، يظهر بين الفينة والأخرى مصمم يلعب هذا الدور باقتدار. في المواسم الماضية القليلة، برزت هذه الحورية في شخص تمارا رالف، مصممة دار «رالف أند روسو». فرغم أنها دخلت المنافسة منذ فترة وجيزة مقارنة بغيرها، فإنه لا أحد يختلف في أنها سحبت السجاد من بعض المصممين الذين كانوا يلعبون هذا الدور، لأنها أتقنت فن صناعة فساتين عرائس تقطر بالرومانسية. الدليل؟ ما قدمته مؤخرًا في باريسا بالأبيض المائل إلى الفضي كان يلمع بفضل الإضاءة المسلطة عليه من السقف ومن زوايا معينة للزيادة من بريقه؛ مما كانت نتيجته لوحة سريالية حالمة ظهرت فيها العروس برشاقة الغزلان، وهالة ساحرة.
للتعرف على شخصية هذا الفستان وصناعته عن قرب، فتحت لنا تمارا رالف باب مقر «رالف أند روسو» الجديد الواقع بـ40 بارك ستريت بمنطقة «مايفير» بلندن. مبنى بديكور أشرفت عليه بنفسها، حتى يختزل ما تمثله الدار من أناقة. المبنى مكون من عدة طوابق وغرف بنوافذ عالية ومساحات واسعة، شرحت تمارا أنها «كانت مهمة بالنسبة لي حتى تتمكن الفساتين من التنفس». كانت تتكلم وكأن هذه الفساتين كائنات حية، والعجيب أنك عندما تقترب منها لتلبسها، تصيبك العدوى وتشعر فعلاً بأنها تنبض بالحياة. فهي تناديك وتحثك على اللعب بتطريزاتها، سواء كانت فروًا على شكل دوائر صغيرة تتدلى من تحتها أحجار اللؤلؤ، أو ريشًا مطليًا بالذهب يزين فستانًا مصنوعًا من البروكار. تأخذني إلى الطابق الثاني، وما إن ندخل الغرفة المواجهة للسلالم حتى يستقبلك فستان الزفاف معلقًا بخيلاء ومحتلاً نصف المساحة نظرًا لذيله الطويل المطرز بآلاف الأحجار. ما إن تراه حتى تتأكد بأن المصممة الشابة تجيد قراءة توجهات السوق وطموحات المرأة العصرية، ربما لأنها هي أيضًا شابة في مقتبل العمر، وربما أيضا لأن عقد قرانها على شريكها في العمل مايكل روسو متوقعًا في أي وقت.
تبادرني بالقول وهي تشجعني على الاقتراب منه ولمس تفاصيله بعد أن تسمرت قدامي وأنا أعاينه من بعيد وكأني أخاف عليه من تسارع أنفاسي «حرصت أن يكون بتصميم ملكي فخم، ما يفسر إيحاءاته الفيكتورية المتمثلة في الياقة العالية والأكمام الطويلة مع الكثير من الترصيعات الذهبية. هناك أيضًا لمسة (فينتاج) تتمثل في لونه».
أتذكر أن الفستان، خلال عرض الأزياء الذي أقامته الدار في شارع «غامبون» بباريس في بداية الشهر، أعطى الانطباع بأنه ثقيل الوزن، لأنه تطلب 6 شباب ساعدوا العارضة وهي تجر الذيل الطويل المرصع، لكنك عندما تقترب منه وتقلبه لتنظر إلى التفاصيل الداخلية، تعرف أن مهمة هؤلاء الشباب تركزت على إظهار جمالياته بنفشه كصورة فنية من كل الجوانب لا أقل ولا أكثر، لأنه لم يكن بذلك الثقل رغم تطريزاته الغنية، والـ72 مترًا من حرير الشانتيلي الذي أضيفت إليه طبقة خفيفة من الدانتيل كان الهدف منها إضفاء المزيد من النعومة والحلم عليه. تكتشف أنه مرصع بمئات الآلاف من الأحجار اللؤلؤية الدقيقة التي لا تراها العين من بعيد، وكان لها الفضل في خلق تأثير ثلاثي الأبعاد، إلى جانب لآلئ بحجم أكبر، وما لا يقل عن 7 آلاف حجرة سواروفسكي بلون الذهب. تشرح تمارا: «رغم أن الفكرة كانت تصميمًا تقليديًا وفخمًا في الوقت ذاته، إلا أنه كان لا بد أن يتمتع بالشفافية والخفة، ولتحقيق هذا التأثير، استعملت أقمشة مترفة على طبقات، وسعدت بالنتيجة، لأنها جاءت كما تخيلتها: مزيجًا من الفخامة والنعومة استغرق تنفيذها أكثر من ستة أشهر، وأشرفت عليه أكثر من 50 حرفية».
تكتشف سريعًا بأن تمارا رالف لا تعترف بأن القليل كثير عندما يتعلق الأمر بالإبهار وبمناسبة في أهمية الأعراس، إلى حد أن الكثير من فساتين السهرة التي اقترحتها في تشكيلتها الأخيرة، يمكن أن تغري أي عروس بارتدائها، فقط بتغيير لونها للأبيض. فكلها بتصاميم تميل إلى الكلاسيكية التي تعود بنا إلى الخمسينات من القرن الماضي، وعصر هوليوود الذهبي، وتفاصيل غنية. فحتى البروكار الذي لا يحتاج إلى تطريزات أخضعته للمزيد وكانت النتيجة مبهرة، بعيدة كل البعد عن المبالغة أو الاستعراض. الوصفة كما تشرحها تبدأ بالقليل ثم تضيف إليها بالتدريج حتى تكتمل الصورة، تمامًا مثل رسام يبدأ على كنفس أبيض وينتهي بلوحة فنية متكاملة. عندما أعبر لها عن رأيي بأن الكثير من الفساتين التي ظهرت في العرض تليق بعروس، ترد بأنه «في موسم الهوت كوتير، يجب أن تتميز التشكيلة بالفخامة، لكن يبقى فستان الزفاف مختلفًا، لأنه أهم ما فيها. فبه يختتم المصمم عرضه، وبالتالي فهو ما يلخص روح التشكيلة ككل، وأكثر ما يبقى عالقًا بالبال». لهذا، فإن الاهتمام به كبير لا يوازيه سوى الطلبات التي يتلقاها المصمم بعد العرض مباشرة، وكأنه في مزاد علني، كونه قطعة فريدة لا يمكن لأي كانت أن تحصل عليها.
ما لا يختلف عليه اثنان أن عروس «رالف أند روسو» لا نية لها بإقامة حفل زفافها على شواطئ البحر أو على متن يخت، فهي لا تتنازل عن قصر، وتحرص أن يتوفر عرسها على كل البهارات القديمة والجديدة حتى يليق بها من جهة، ويكون حديث المجتمع لأسابيع إن لم يكن لسنوات، من جهة ثانية.
ورثت تامارا حب الجمال والموضة من والدتها وجدتها، فقد كانتا مصممتي أزياء في سيدني، لهذا ما إن وعت على الدنيا وأصبح بإمكانها أن تحمل مقصا وإبرة، حتى بدأت تتدرب على أصول التصميم والقص والخياطة والتطريز وعمرها لم يتعد حينها الـ10 سنوات. بعد المدرسة التحقت بمعهد وايتهاوس للتصميم بسيدني لمدة ثلاث سنوات تعلمت فيها أصول التصميم بشكل علمي. وبعد التخرج صقلت موهبتها بالتعاون مع عدد من بيوت الأزياء الأسترالية المتخصصة في تصميم أزياء الحفلات والمناسبات الكبيرة تحديدًا، مما يفسر قوتها في هذا الجانب.
تستقطب دارها الآن زبونة الـ«هوت كوتير» من الجيل الجديد. زبونة تحب الدراما والإبهار من دون تواضع أو اعتذار. بل العكس، كلما زادت الجرعة زاد الطلب وتأججت الرغبة.
تفاصيل الفستان:
* تطلب مائتي متر من التول الإيطالي و35 مترًا من الأورغنزا الفرنسية استعملت كأساس لدعم ثقله نتيجة التطريزات والترصيعات الغنية.
* الدانتيل لم يستعمل فيه كجزء من القماش فحسب، بل أيضًا كموتيفات دقيقة لتزيينه، وذلك بتقطيعه على أشكال صغيرة جدًا ثم تثبيتها على الفستان لخلق مظهر طبيعي يعزز بقية التطريزات وشكلها.
* التركيز في التطريزات لم يقتصر على ترصيعه باللؤلؤ وأحجار الكريستال أو تزيينه بالدانتيل فحسب، بل شمل شكل الورود أيضًا. وكل واحدة من هذه الوردات تختلف عن الأخرى لأنها نفذت باليد، مما منحها بعدًا ثلاثي الأبعاد.
* استغرق تجهيزه ألفي ساعة، واشتغلت عليه 50 خياطة.
* لم تُرد الدار الكشف عن سعره النهائي، لأنه يتباين حسب التفاصيل المطلوبة، لكن الأكيد أنه يتعدى المائتي ألف جنيه إسترليني بكثير.













