تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية

دول اعتمدتها وأعدت مدرسين وحققت تقدمًا وراكمت خبرات

تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية
TT

تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية

تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية

مع انتعاش النقاش حول تدريس الفلسفة للأطفال، يزداد اليقين لدى البعض أنه لا بد من خوض تجارب لمراكمة ما يمكن مراكمته من خبرات، في أفق توسيع دائرة المهتمين بهذا النوع من التدريس. كما يزداد اليقين لدى البعض الآخر، بكون هذا التدريس لا يمكنه أن يتحقق نظرا لمجموعة من الاعتبارات.
من الأسئلة البديهية والأولية التي تطرح في كل نقاش حول تدريس الفلسفة للأطفال: هل يمكن للطفل أن يتفلسف؟ ما هي المداخل الممكنة لضمان تعليم فلسفي للأطفال؟ هل يتعلق الأمر بتدريس مفاهيم، كما هو الحال في المستويات التعليمية الأخرى، أم أن الأمر يتعلق بتبسيط موضوعات فلسفية للطفل؟ هل للطفل أسئلة فلسفية ووعيه الذاتي لم يتشكل بعد؟ هل يشترط التفلسف وعيا بالذات؟ ألا يمكن أن تكون لهذا التعليم انعكاسات سلبية على الطفل؟ كيف يمكن ضمان عدم أدلجة تعليم الطفل؟ ألا يستهدف تعليم الفلسفة للأطفال ترويضهم لخدمة أهداف سياسية؟
في حقيقة الأمر وبعيدا عن الديماغوجية، لا نرى مانعا في الدفاع عن حق الطفل في التفلسف، إذا اعتبرنا أن التفكير الفلسفي هو تفكير نقدي ينبني على التساؤل، ويعزز القدرات النقدية في التفكير وإعمال العقل، خاصة في عالم اليوم، حيث غذت النزعة الاستهلاكية شرا لا بد منه، وحيث يتم تلقين الإنسان مبادئ السوق الحرة منذ الطفولة. ذلك أن آليات التنشئة الاجتماعية صارت معقدة للغاية، وتغلغلت إليها مبادئ كانت بالأمس القريب، مرفوضة تماما. في الوقت نفسه، نجد أن للفكر الفلسفي حضورا قويا خارج المؤسسات، بفضل تنامي المقاهي الفلسفية، والجامعات الشعبية، وتغلغل الفلاسفة الجدد (فيما يشبه نجوم الفن) إلى وسائل الإعلام، وحيث وجدت الفلسفة أنصارا ومريدين لها في مجالات أخرى شتى.
أمام حضور الفلسفة هذا، صار البحث عن توسيع دائرة المهتمين بتدريس الفلسفة للأطفال أمرا ملحا. فالأصوليات الجديدة اخترقت كل المجالات، وهيمنت على مؤسسات التربية والتعليم، وخاصة مؤسسة تربية الناشئة وتكوينها. ونقصد تحديدا، الأصولية النيوليبرالية (الرأسمالية ونظام السوق الحرة)، والأصولية الدينية. فهل يمكن السكوت أمام هذا الزحف؟
لم يكن تدريس الفلسفة للأطفال عتيقا جدا، بحيث لم تظهر هذه الفكرة إلا في نهاية الستينات من القرن الماضي، في أميركا بفضل جهود ماثيو ليبمان. وخطوة خطوة حذت دول أخرى في مختلف بقاع العالم حذو هذه المبادرة.

الفلسفة للأطفال في أميركا

كان ماثيو ليبمان يبحث عن طريقة لتبسيط الفكر المنطقي لطلابه في المرحلة الجامعية. وفكر في أنه من المستحسن، تدارك ذلك في حداثة سنهم. ولهذا السبب كتب روايته القصيرة المعنونة بـ«اكتشاف هاري سوتلمير»La découverte d’Harry Sottlemeier، الموجهة للأطفال، ما بين سن العاشرة والثانية عشرة، حيث يمكن لمجموعة أطفال البحث عن قواعد التفكير السليم. وبالتعاون مع أنا مارغريت شارب، كتب روايات أخرى، على منوال منهج المناقشة السقراطية (التوليد) بين التلاميذ، حول الاتيقا (التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، وحسن تدبير شؤون الحياة) والجماليات والسياسة، والابستمولوجيا. وهو ما شكل في مجموعه برنامجا للفلسفة خاصا بالأطفال ما بين سن الخامسة والثالثة عشرة. ترتكز منهجية ليبمان، الأكثر شهرة في العالم، على ثلاث وسائل:
- تطوير ثقافة السؤال في المدرسة، من خلال الانطلاق من أسئلة الأطفال نفسها. ­ حث الأطفال على كتابة نصوص سردية تتمحور حول انتماء الطفل إلى شخصيات وحالات (تستحضر البعد الانثربولوجي). ­
تخصيص حيز للكلام والتبادل في القسم للمشاكل العالمية: البيئة، الفقر، اللامساواة. وتكون المناقشة حرة، شريطة استحضار النقد والدليل والحجة.
فلسفة لأطفال الأرجنتين

بدأت تجارب تدريس الفلسفة للأطفال في الأرجنتين سنة 1989، داخل مدرسة خصوصية في بونيس أيرس. وظهر المركز الأرجنتيني لتعليم الفلسفة للأطفال سنة 1993 في جامعة المدينة. حيث ترجم برنامج ليبمان ونشر، ونشرت معه بعض المعدات الموجهة لتدريس الفلسفة للأطفال. وهي التجربة التي دفعت إلى انطلاق تجارب أخرى في مدن أخرى، من قبيل مدينة كاتامارا، ودعم المبادرة في مدارس أخرى، إلى جانب تخصيص برنامج إعداد مدرسين في هذا التخصص في مدارس الأساتذة.

البرازيل

لقي نموذج ماثيو ليبمان نجاحا باهرا في البرازيل، حيث نشأ معهد تدريس الفلسفة للأطفال سنة 1989 بساو باولو. وجرى إعداد آلاف الأساتذة لتدريس الفلسفة للأطفال، في برنامج ليبمان، قبل انطلاق التجربة في كل ربوع البلاد. ويمكن أن نؤكد وجود ما يقارب الـ10 آلاف مدرس و100 ألف طفل يعيشون تجارب مختلفة في تدريس الفلسفة في المدارس العمومية والخاصة.
تأخر بريطاني

لا توجد أي مبادرة لتدريس الأطفال في بريطانيا قبل سنة 1990. ولكن كانت هناك مجموعة صغيرة من المربين، ومن ضمنهم روبير فيشر الذي يشغل منصب مدير برنامج مهارات التفكير في جامعة برونيل، وهو مهتم بتدريس الفلسفة للأطفال. ولقد أثار مشروعه الانتباه وأخذ بالاعتبار، بعد الشريط الوثائقي الذي بتثه قناة بي بي سي BBC البريطانية سنة 1990. تحت عنوان «سقراط لأطفال السنة السادسة من العمرSocrates for 6 - years old»، الذي لقي إقبالا واسعا جدا، حيث جرى سنة 1991. إنشاء مؤسسة النهوض بالفلسفة في التعليم، بهدف تعزيز تجربة الفلسفة للأطفال. بعد ذلك بثلاث سنوات، دشنت المؤسسة تجربة إعداد أساتذة لتدريس الفلسفة للأطفال، بنيت على نموذج ماثيو ليبمان، وقد انطلقت التجربة بالفعل.

أستراليا

لا نملك الكثير من المعطيات حول هذا البلد، غير أنه تم دمج تجربة تدريس الفلسفة للأطفال في المدارس الابتدائية.

اليابان

اشتغل الأستاذ تاكارا والأستاذ إيفا مارسال، بشكل مكثف، منذ سنة 2003. على مشروع بحث دولي، تحت عنوان: «Das Spielals Kulturtechnik»، ويعالج في جانب منه، تدريس الفلسفة للأطفال. وهناك مبادرة بحث ألمانية - يابانية (DJFPK) تخص تدريس الفلسفة للأطفال، انطلقت في أغسطس (آب) من سنة 2006. بدعم من المدرسة العليا للتربية بكارلسروه Karlsruhe، والغرض من هذه المبادرة هو خلق أرضية نظرية صلبة تخص تدريس الفلسفة للأطفال، حول فلاسفة الغرب من أمثال: سقراط، هيوم، غوته، روسو، كانط، نيتشه وغيرهم. كذلك حول فلاسفة الشرق من أمثال: تاكاجي، هياشي، تسو كوكي، والمربي توشياكي أوز. والغرض من هذه المبادرة، هو تقريب المفاهيم الانثربولوجية عند أطفال اليابان والألمان معا. ومما لا شك فيه أن هذه التجربة هي تجربة نوعية جدا بالنظر إلى أهدافها الكبرى، حيث تجدد اللقاء مرة بين الشرق والغرب حول الفلسفة، ومن المؤكد أن كلا البلدين يعي جيدا حجم المبادرة.

طرق أخرى

ليست طريقة ليبمان وحدها المنتشرة والمعروفة في هذا المجال، بل هناك طرق أخرى أهمها:
1 - طريقة أوسكار برينيفييهOscar Brenifier
ترتكز طريقة أوسكار برينيفييه وأسلوبه على التوليد السقراطي، بحيث يقدم للأطفال مفاهيم فلسفية: الرأي، الحقيقة، الوعي... بأسلوب مبسط يتوخى حصول التجريد في ذهن المتعلمين الصغار. وتقدم هذه المفاهيم في سلسلة رسوم مصورة، تمثل وضعيات تسمح للطفل بالتعبير عن رأيه، أو دهشته، أو رفضه، أو قبوله لبعض الأفكار أو الوضعيات المعروضة. ولقد لقيت هذه الطريقة بدورها إقبالا واسعا في العالم الفرنكفوني.
2 - طريقة جاك ليفين Jacques Lévine:
وتعتمد هذه الطريقة على مقاربة التحليل النفسي، وتستهدف تعميق حالات الذات المفكرة، حيث يطرح الأستاذ على التلاميذ في مرحلة أولى، مشاكل عامة ستعنيهم مباشرة في مراحل متقدمة من عمرهم من قبيل: البلوغ والرشد وغيرهما، ويطالبهم بإبداء آرائهم في الموضوع من دون أن يتدخل في نقاشاتهم.
ويتمكن التلاميذ في مرحلة ثانية، من التعبير عن رأيهم الخاص. ويسجل ذالك في شريط لمدة 10 دقائق لكل تلميذ. وفي النهاية (المرحلة الثالثة)، يتم عرض الشريط لمناقشته حرة، مع إمكانية توقيفه في أي لحظة لتعميق النقاش. وهي طريقة ترتكز أساسا على مبدأ التعبير الحر، من دون تدخل المدرس.



رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.