الاحترار يطال السياحة الشتوية... ويقلل الموارد المائية

تغيُّر المناخ يهدد أوروبا في ثلوجها

متزلجون على طبقة من الثلج الصناعي في أحد المنتجعات في جبال الألب في النمسا (رويترز)
متزلجون على طبقة من الثلج الصناعي في أحد المنتجعات في جبال الألب في النمسا (رويترز)
TT

الاحترار يطال السياحة الشتوية... ويقلل الموارد المائية

متزلجون على طبقة من الثلج الصناعي في أحد المنتجعات في جبال الألب في النمسا (رويترز)
متزلجون على طبقة من الثلج الصناعي في أحد المنتجعات في جبال الألب في النمسا (رويترز)

تشهد أوروبا حالياً فصل شتاء معتدلاً قليل الثلوج. وبينما أسهمت درجات الحرارة المرتفعة في أكثر مناطق القارة خلال الأشهر الأولى من الشتاء بتخفيف الضغط على إمدادات الطاقة، تثير سفوح الجبال العارية من الثلوج مخاوف بشأن تأثيرات تغيُّر المناخ على مستقبل السياحة الشتوية والموارد المائية.

- أوروبا تحترّ بضعف المتوسط العالمي
تُشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن السنوات الثماني الماضية هي الأكثر دفئاً على الإطلاق على مستوى العالم؛ بسبب غازات الدفيئة المتزايدة والحرارة المتراكمة. وكان متوسط درجة الحرارة العالمية عام 2022 أعلى بنحو 1.15 درجة مئوية عن مستويات ما قبل النهضة الصناعية، ويأتي في المركز الخامس أو السادس من حيث درجات الحرارة القياسية منذ 2015.
ويعزز الاتجاه المتصاعد لحرارة الكوكب احتمال تجاوز حد 1.5 درجة مئوية المحدد في اتفاق باريس للمناخ. وبالتالي زيادة شدّة وتكرار الكوارث المناخية المأساوية، كالفيضانات المدمرة التي شهدتها مناطق واسعة من باكستان العام الماضي، أو موجات الحرّ القياسية التي اجتاحت الصين والأميركتين وأوروبا قبل أشهر.
ويبدو أن حرارة الأجواء الأوروبية الحالية تساعد على خفض الطلب على الغاز الذي ارتفعت أسعاره خلال أغسطس (آب) الماضي إلى أرقام قياسية؛ بسبب حرارة الحرب في أوكرانيا. وتتوقع مؤسسة «مورغان ستانلي» أن يكون استهلاك أوروبا من الغاز خلال 2023 أقل بنحو 16 في المائة من متوسط الاستهلاك خلال الأعوام الخمسة الماضية، رغم انخفاض أسعاره أخيراً بفضل الشتاء المعتدل وتدابير الطاقة في أوروبا، إلى جانب تراجع النشاط الصناعي في الصين؛ بسبب تجدُّد جائحة «كورونا».
وفي مقابل الأخبار الجيدة التي حظي بها قطاع الطاقة الأوروبي، يخشى الأوروبيون من استمرار تواتر موجات الحرّ صيفاً وتناقص الأمطار والثلوج شتاءً، لا سيما في وسط القارة وغربها.
وتؤكد بيانات «كوبرنيكوس» (خدمة مراقبة المناخ في الاتحاد الأوروبي) أن أوروبا تشهد أعلى معدل ارتفاع في درجات الحرارة مقارنةً بأية قارة في العالم. وعلى مدار السنوات الثلاثين الماضية، زادت درجات الحرارة في البلدان الأوروبية بأكثر من ضعف المتوسط العالمي.
ويربط الباحثون الارتفاع المتسارع للحرارة في أوروبا نتيجة تغيُّر المناخ بعدد من المؤثرات الإضافية، من بينها قرب القارة من القطب الشمالي الذي يسخن بنحو أربعة أضعاف المتوسط العالمي. ونظراً لأن الجليد أكثر عكساً وأقل امتصاصاً لأشعة الشمس، فإنه عندما يذوب يكشف عن مناطق أكثر قتامة تزيد من امتصاص الأشعة وتعزز ارتفاع درجة حرارة الأرض.

- إغلاق المنتجعات... وأزمة مائية تلوح
توفّر سلسلة جبال الألب الشهيرة مقعداً في الصف الأمامي لمشاهدة آثار تغيُّر المناخ، حيث تذوب الأنهار الجليدية القديمة بمعدل غير مسبوق، وتكشف عن حطام الطائرات القديمة وأجساد متسلقي الجبال الذين فُقدوا منذ زمن طويل.
وفي موسم الشتاء الحالي، تسببت الحرارة المعتدلة في زوال معظم مسارات التزلج في جبال الألب، من إنسبروك في النمسا إلى شامونيكس في فرنسا، كما ترك تساقط الأمطار وراءه سفوح التلال العشبية المليئة بالصخور.
ومع ندرة الثلوج، أُغلق بعض المنتجعات في فرنسا والنمسا وسويسرا وإيطاليا والبوسنة بعد أسابيع فقط من بداية موسم واعِد. وفي منتجع «ليه كونتامين» الفرنسي المطل على جبل «مون بلان»، أُلغي سباق خاص بكأس العالم للتزلج بسبب قلة الثلوج.
وتعتمد غالبية المنتجعات الشتوية حالياً على الثلج الصناعي لتعزيز كتلة الثلج وإطالة موسم التزلج مع ارتفاع حرارة الجو. ولكن استمرار الطقس المعتدل لفترة طويلة يؤدي إلى ذوبان الثلج الصناعي بسرعة خلال النهار، وتحوُّله إلى جليد خلال الليل، مما يجعل التزلج محفوفاً بالمخاطر في الصباح بسبب الطبقة الجليدية المسببة للانزلاقات، وبسبب نعومة الطبقة الثلجية الرقيقة المبللة في منتصف النهار. وهذا يفسر تضاعف الحوادث هذا الموسم، حيث تعج المستشفيات في مناطق التزلج بالمصابين بكسور متنوعة.
ويتسبب الاحترار العالمي في تدمير منهجي لقطاع السياحة الشتوية، ويسحب البساط الأبيض تدريجياً نحو ذرى الجبال. عدا عن أن بعض المنتجعات الشتوية في جبال الألب تعاني انخفاضاً حاداً في إمدادات المياه المتاحة لصناعة الثلج الصناعي.
وتواجه المنتجعات الشتوية في لبنان مشكلة مشابهة هذا الموسم، حيث لم تفتح منحدرات التزلج بعد، بسبب ندرة الثلوج. وكانت الحكومة تعوِّل على موسم السياحة الشتوية لاجتذاب مزيد من الزوار الذين يرفدون الاقتصاد المنهار بالعملة الصعبة.
ويحذّر معهد أبحاث الثلوج والانهيارات الثلجية من أن المنتجعات التي يزيد ارتفاعها على 2500 متر هي وحدها التي ستحظى بما يكفي من الثلوج الطبيعية للاستمرار في العمل. وحتى في منتجع دافوس السويسري، الذي يرتفع نحو 1560 متراً ويحتضن اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي، تبدو كتلة الثلج حالياً هزيلة على المنحدرات المنخفضة.
وبينما كانت رياضة التزلج في النمسا تبدأ من ارتفاع يقل عن ألف متر، فلم تكن ممكنة هذا الموسم إلا على منحدرات يزيد ارتفاعها على ألفي متر؛ مما تسبب في زحمة خانقة في المسارات الصالحة.
ولا يقتصر الأمر على أن التزلج أصبح أقل موثوقية خلال موسم الأعياد المربح للغاية في المنتجعات، بل إن الأيام المتاحة للتزلج أخذت تقصر عاماً بعد عام، ففي منتجع «سانت موريتز» السويسري، الذي يرتفع نحو 1800 متر، انخفض موسم التزلج من نحو 8 أشهر قبل عقد من الزمان إلى أقل من 5 أشهر حالياً.
ويشير بحث أجرته جامعة غرونوبل الفرنسية إلى أن ما يقرب من نصف منتجعات التزلج الـ169 في أوروبا أُجبرت على الإغلاق منذ منتصف القرن الماضي بسبب نقص الثلوج.
ولا يمثّل الثلج الصناعي حلّاً فعّالاً لاستدامة قطاع السياحة الشتوية، إذ إنه يتطلب درجات حرارة لا تقل عن 3 أو 4 درجات مئوية تحت الصفر. ويستلزم إنتاجه استهلاك كميات كبيرة من الطاقة مما يفاقم انبعاث غازات الدفيئة ويسهم في احترار الكوكب. وكانت بطولة الألعاب الأولمبية الشتوية، التي احتضنتها الصين في العام الماضي، أولى البطولات العالمية التي اعتمدت بشكل شبه كامل على الثلج الصناعي.
ومن ناحية أخرى، يستلزم إنتاج الثلج الصناعي استهلاك كميات هائلة من المياه، في الوقت الذي تسعى فيه مجموعة من البلدان الأوروبية لترشيد استهلاك المياه من أجل توليد ما يكفي من الطاقة الكهرمائية؛ لتعويض نقص إمدادات الغاز نتيجة الحرب في أوكرانيا.
وكانت دراسة جديدة أجرتها جامعة بازل السويسرية، حذّرت من أن المنتجعات الأعلى ستضطر إلى الاعتماد بشكل متزايد على الثلج الصناعي للبقاء على قيد الحياة، مما سيزيد استهلاكها للمياه بنسبة تصل إلى 80 في المائة. وقد يتسبب ذلك في حصول نزاعات بين قطاع السياحة الشتوية والمجتمعات المحلية. لكن المعضلة أن معظم الدخل في مناطق التزلج الكبرى يأتي من نشاطات المتزلجين، ليس على الحلبات فقط، بل فيما يصرفونه في الفنادق والمطاعم والتسوُّق. عدا عن أن التزلج والنشاطات الاقتصادية المرافقة مصدر معظم فرص العمل للسكان المحليين في كثير من المناطق الأوروبية.
ويحمل نقص الثلوج وذوبان الأنهار الجليدية على الجبال الأوروبية مخاطر عميقة تتجاوز خسارة موسم التزلج، فهي بمثابة «أبراج المياه» في أوروبا. وتختزن الجبال ثلوج الشتاء وتطلقها بلطف خلال الصيف، مما يوفّر المياه للأنهار والمحاصيل ومحطات الطاقة النووية في أرجاء القارة.
وفي الصيف الماضي، توقف الشحن النهري على طول «الراين» في ألمانيا؛ بسبب انخفاض مستوى المياه بشكل كبير. وفي سويسرا، كانت هناك مبادرات على عجل لإنقاذ الأسماك من الأنهار الضحلة. وفي فرنسا وسويسرا، جرى خفض استطاعة محطات الطاقة النووية بسبب محدودية مياه التبريد.
وكانت دراسة صدرت العام الماضي خلصت إلى أن الأنهار الجليدية في سويسرا فقدت أكثر من نصف حجمها في أقل من مائة عام. وتشير التوقعات الحالية إلى أنه مع نهاية القرن سينحسر الجليد إلى ارتفاع يزيد على 3500 متر، ومن المتوقع أن يتلاشى عدد من الأنهار الجليدية، وسيؤدي ذلك بدوره إلى تراجع كبير في موارد أوروبا المائية.
ويشير خبراء المناخ إلى أن الشتاء المعتدل في أوروبا ليس بالأمر المفاجئ، إذ لطالما حذروا من أن الاحتباس الحراري سيجعل فصول الشتاء أكثر دفئاً ورطوبة. وكما هو الحال مع تقلُّص الأنهار الجليدية، سيتسارع معدل إغلاق منتجعات التزلج على الجبال.
لقد أسهمت أزمة المناخ في نقص الطلب الأوروبي على وقود التدفئة في هذا الشتاء، ولكنها في الوقت ذاته استمرت في إلحاق الضرر بقطاع السياحة الشتوية وتهديد إمدادات المياه.
وبينما وجد بعض المنتجعات طوق النجاة في الترويج لرياضتي المشي وركوب الدراجات وتأمل الطبيعة بديلاً عن ممارسة التزلج، تبدو خيارات البقاء في المستقبل قاتمة بغياب البساط الأبيض. والأكيد أن تدابير التكيُّف مع تغيُّر المناخ ستشمل تعديل أنماط الرياضات الشتوية وتنويع النشاطات لتشمل أنواعاً لا تعتمد كلياً على الثلج.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.