محاكمة مشاهير يمنيين تثير تكهنات بتصفية حسابات بين الأجنحة الحوثية

في ظل النفوذ المتصاعد لابن عم زعيم الميليشيات أمام منافسيه

مسلحون حوثيون خلال استعراضهم في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال استعراضهم في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)
TT

محاكمة مشاهير يمنيين تثير تكهنات بتصفية حسابات بين الأجنحة الحوثية

مسلحون حوثيون خلال استعراضهم في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال استعراضهم في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

قبل نحو عام من الآن، وزَّع محمد علي الحوثي -وهو ابن عم زعيم الميليشيات الحوثية في اليمن- تسجيلاً مصوراً لنفسه، وهو يهاتف أحد المسؤولين في أجهزة الأمن الانقلابية، ويأمره بالإفراج عن اليوتيوبر مصطفى المومري، قائلاً إنه سيحمي حقه في الكلام، بعد أن انتقد فساد مسؤولي الجماعة؛ لكنه توارى اليوم مع إحالة المومري وثلاثة آخرين إلى المحكمة المتخصصة في قضايا الإرهاب، بتهم التحريض على تكدير السكينة العامة.
وكان المومري الذي يكثر من استعمال الألفاظ النابية في حديثه، قد ظهر في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، في تسجيل مصور انتقد فيه فساد المسؤولين الحوثيين، وتم إيقافه قبل أن يُطلق سراحه، وذلك قبل أن يظهر في تسجيلات لاحقة تهاجم القضاة المعترضين على تدخل محمد الحوثي في صلاحياتهم ومصادرتها.
اليوم، وبعد أن بث المومري وثلاثة ناشطين تسجيلات مصورة، يؤكدون فيها أن الناس تموت من الجوع، وأن الفساد انتشر بشكل مخيف، وأن السكان في مناطق سيطرة الميليشيات تكره حكمهم، التزم محمد علي الحوثي الصمت، ولم يعلق على إحالتهم إلى المحكمة المتخصصة في قضايا الإرهاب؛ حيث يواجهون عقوبة السجن على أقل تقدير.
هذا الموقف أثار كثيراً من التساؤلات، بشأن ما إن كانت تلك خطوة لقصقصة جناح محمد الحوثي الذي تعاظم نفوذه على حساب منافسيه، أم أنها مجرد مسرحية لتجميل وجه الميليشيات؛ حيث سيتم لاحقاً إصدار حكم ببراءة المشاهير الأربعة، خصوصاً أنهم اعتُقلوا لبضعة أيام، وتمت إحالتهم إلى النيابة الحوثية التي سارعت بإحالتهم إلى المحاكمة، وطلبت من أسرهم توكيل محامين للدفاع عنهم.
- محام يتغزل بالسجن
ما زاد من الشكوك، أن المحكمة ذاتها أصدرت منذ أيام أحكاماً بإعدام عدد من المدنيين من محافظتي المحويت وصعدة، بعد إخفاء قسري استمر 6 أعوام، وتمت محاكمتهم في جلسات سرية، وفي غياب محامين عنهم؛ لكن النشطاء الأربعة ظهروا في أولى الجلسات بلباس السجن مبتسمين، وسُمح بحضور الجلسة وتصويرها، ما يشير إلى أن الإجراءات تتم وفقاً للقانون، مع أن التهم الموجهة إليهم -حسب قانونيين- هي من مسؤولية محكمة الصحافة، وليس محكمة قضايا الإرهاب.
كما عزز من افتراض التمثيلية في قضية اعتقال اليوتيوبر وزملائه، قول محامي الدفاع عنهم إنه بعد زيارتهم في السجن «تمنى هو وزميله أن يسجنا إلى جانبهم»، مثنياً على ما زعمه من معاملة السجناء بشكل جيد، بخلاف ما يعرفه اليمنيون من تعرض 4 صحافيين في سجون الميليشيات منذ سنوات لصنوف من التعذيب، مع مواجهتهم أوامر بالإعدام.
في هذا السياق، يقدم مسؤولان سابقان في الميليشيات قراءة مختلفة للقضية، في حديثهما لـ«الشرق الأوسط»؛ حيث يؤكدان أنه منذ إزاحة محمد الحوثي من موقع الرجل الثاني الذي يحكم مناطق سيطرة الميليشيات في عام 2016، عبر ما كانت تسمى «اللجنة الثورية العليا»، فإنه يسعى للحصول على نصيبه من السلطة ضمن التقاسم الذي يحتكره 3 من الأجنحة، يتزعم أحدها أحمد حامد مدير مكتب رئاسة مجلس الحكم الانقلابي، والثاني يتزعمه عبد الكريم الحوثي الذي يشغل موقع وزير الداخلية في حكومة الانقلاب، وهو عم زعيم الميليشيات.
وطبقاً لهذه الرواية فإنه مع إصرار زعيم الميليشيات على حل ما تسمى «اللجنة الثورية العليا»، ورفضه تولي ابن عمه محمد الحوثي موقع رئيس المجلس السياسي الأعلى الذي يحكم نظرياً مناطق سيطرة الميليشيات، وافق على أن يؤسس لنفسه ما سمَّاها «المنظومة العدلية» بهدف السيطرة على جهاز القضاء، والتحكم في ملكية الأراضي، وعملية البيع والشراء، باعتبارها أهم مصدر للثراء؛ خصوصاً بعد توقف أعمال البنوك وأغلب الأنشطة التجارية.
- إهانة المشاط
المصدران ذكرا أن عبد الملك الحوثي برر معارضته تعيين ابن عمه رئيساً للمجلس السياسي الأعلى (مجلس حكم الانقلاب) وتمسكه بمدير مكتبه السابق مهدي المشاط، على الرغم من ضعف شخصيته، حتى لا يقال إن سلالة الحوثي تسيطر على كل المواقع العليا، وإن اليمنيين غير ممثلين فيها.
ومع إقرار المصدرين بأن محمد الحوثي كان يدير المجلس السياسي الأعلى فعلياً، وهو الأولى بالمنصب؛ فإنهما أخذا عليه تعمده التقليل من مكانة المشاط، من خلال إصداره التوجيهات العلنية للحكومة والمسؤولين، عبر حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي، كما كان يقوم بالزيارات الميدانية، ويوجه بحل قضايا السكان أو تحسين الخدمات، وكأنه الحاكم الفعلي.
لهذا –حسب المصدرين- اشتكى المشاط ومديره أحمد حامد (أبو محفوظ) إلى زعيم الميليشيات، فأوعز الأخير إلى ابن عمه بتسلم السلطة القضائية وإدارتها، عبر إنشاء ما تسمى «المنظومة العدلية» ضمن عملية تقاسم السلطة والنفوذ داخل أفراد السلالة القادمين من صعدة.
بدوره، يؤكد سمير -وهو اسم مستعار لصحافي معروف في صنعاء- أن محمد علي الحوثي بعد موافقة زعيم الميليشيات على تسلمه القضاء، أوجد لنفسه مجموعة من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب قناة «الهوية» الفضائية التي يديرها الإعلامي الحوثي محمد العماد، وكانت مهمة هؤلاء هي مهاجمة من يعارضون تثبيت سلطة ما تسمى «المنظومة العدلية»، واستهداف المحامين والقضاة، لذلك لم يتمكن أحد من الاقتراب منهم أو محاكمتهم، على الرغم من إضراب القضاة والمحامين وأعضاء النيابة.
ويرى سمير في إحالة الأربعة الناشطين بعد يومين من تنبيههم سلطة الميليشيات إلى حجم الفساد وسخط الناس على حكمهم وسكوت محمد الحوثي على ذلك، تأكيداً على أن زعيم الميليشيات يريد «قصقصة ريش» ابن عمه، ولفت نظره إلى أنه قد تجاوز الدور المسموح له به.
ويضيف: «من الواضح أن اتساع النقمة الشعبية والانتقادات العلنية التي يواجهها الحوثيون كل يوم في الميدان، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، والدعوات المتكررة لانتفاضة شعبية ضدهم، جعلت ما يسمى (المجلس الجهادي) الذي يرأسه زعيم الميليشيات، وهو الحاكم الفعلي، يتدخل ويضع حداً للدور الذي كان محمد الحوثي يؤديه، باعتباره يتزعم جناح الاعتدال داخل الميليشيات».
ويعتقد سمير أنه بعد 8 أشهر من وقف القتال، ظهر الصراع على المصالح بشكلٍ لم يكن أحد يتوقعه، ولهذا فإن إحالة النشطاء الأربعة إلى محكمة مختصة بقضايا الإرهاب، هدفه إرسال رسالة بأن الميليشيات ستقمع أي تحرك شعبي، كما أنها ستواجه أي صراع بين الأطراف الحوثية، مؤكداً أنه حتى وإن تمت تبرئة هؤلاء الأربعة، فإن الرسالة التي يريد زعيم الميليشيات إيصالها قد وصلت بالفعل.


مقالات ذات صلة

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».