خبراء في المجال النووي يشككون في صلابة الاتفاق الإيراني

آراء متباينة حول إمكانية التصدي لطموحات طهران

نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح السناتور الديمقراطي جين شاهين عضو لجنة العلاقات الخارجية لدى مجلس الشيوخ الأميركي ضمن لقاء بايدن يوم الخميس الماضي مع أعضاء ديمقراطيين في اللجنة سعيا لإقناعهم بدعم الاتفاق النووي الإيراني (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح السناتور الديمقراطي جين شاهين عضو لجنة العلاقات الخارجية لدى مجلس الشيوخ الأميركي ضمن لقاء بايدن يوم الخميس الماضي مع أعضاء ديمقراطيين في اللجنة سعيا لإقناعهم بدعم الاتفاق النووي الإيراني (أ.ب)
TT

خبراء في المجال النووي يشككون في صلابة الاتفاق الإيراني

نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح السناتور الديمقراطي جين شاهين عضو لجنة العلاقات الخارجية لدى مجلس الشيوخ الأميركي ضمن لقاء بايدن يوم الخميس الماضي مع أعضاء ديمقراطيين في اللجنة سعيا لإقناعهم بدعم الاتفاق النووي الإيراني (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح السناتور الديمقراطي جين شاهين عضو لجنة العلاقات الخارجية لدى مجلس الشيوخ الأميركي ضمن لقاء بايدن يوم الخميس الماضي مع أعضاء ديمقراطيين في اللجنة سعيا لإقناعهم بدعم الاتفاق النووي الإيراني (أ.ب)

منذ البداية علم الدبلوماسيون الذين تفاوضوا حول الاتفاق النووي مع إيران أنهم إذا ما حالفهم النجاح في إبرام الاتفاق، سيواجهون انتقادات شديدة ولاذعة جراء ذلك. وبعد أربعة أيام من الإعلان عن الاتفاق، بدا من الواضح وبشكل متزايد أنهم ينالون ما كانوا يتوقعون. فمنذ الإعلان عن إبرام الاتفاق يوم الثلاثاء الماضي، جاءت غالبية ردود الفعل إزاءه انتقادية والبعض منها عدائية بصورة فجة، حيث أعلن الجمهوريون من مرشحي سباق الرئاسة الأميركي، والمثقفون المحافظون، وحتى بعض من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، عن تصديهم لذلك الاتفاق المعلن.
وعقب ما يقرب من عامين من المفاوضات المكثفة والسرية بشكل كبير، شرعت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في انتهاج مسار جديد من الدفاع عن الاتفاق والذي قد يحدد ما إذا كان الكونغرس سيصادق عليه عقب مراجعته خلال الـ60 يوما القادمة.
ومع الثناء العميق الذي يوليه المسؤولون في إدارة أوباما للاتفاق المبرم ووصفه بأنه «أفضل البدائل المتاحة» عن الحرب، إلا أن الإدارة ذاتها ومن وراء الكواليس، تعمل على إطلاع خبراء المجال النووي وعدم انتشار الأسلحة النووية حول التفاصيل المعقدة لذلك الاتفاق، سعيا إلى الحصول على دعمهم وتبادل وجهات النظر المشتركة مع المشرعين المشككين في الاتفاق والرأي العام الأميركي من ورائهم.
وينتظر السياسيون من مؤيدي الاتفاق ومنتقديه على حد سواء مساعدة أولئك الخبراء في تفهم وإدراك مواطن القوى ونقاط الضعف بالوثيقة البالغ عدد صفحاتها 109 صفحات والتي تتضمن خمسة ملاحق ذات بيانات تقنية فائقة التخصص.
ويمتدح عدد من الخبراء ذلك الاتفاق، قائلين بأنه يخضع البرنامج النووي الإيراني إلى درجة عالية وغير مسبوقة من عمليات التفتيش الدولية المعمقة ويفرض قيودا مهمة على بعض العناصر لفترة تتراوح بين 10 إلى 15 سنة - ولفترات أطول من ذلك في حالات أخرى.
ويقول جيفري لويس، الذي يدير برنامج شرق آسيا لدى مركز دراسات عدم الانتشار ويكتب في مدونة ذائعة الصيت تسمى «حملة الحد من الأسلحة»: «إذا ما أردت منح المجتمع الدولي أدوات لائقة للحد من فرص إيران في الحصول على السلاح النووي، فهو اتفاق جيد».
ولكن الآخرين شككوا فيما إذا كان الاتفاق يحمل الكثير من أدوات الردع حيال إيران على المدى البعيد.
وعن ذلك يشرح بليز ميزتال، رئيس برنامج الأمن القومي لدى مركز «الحزبين للسياسات»: «ليس ذلك بالاتفاق الذي يمنع وجود إيران النووية. بل إنه اتفاق يحول بين إيران وبين السلاح النووي لمدة 15 عاما فقط». وأردف قائلا: «فهل يعد ذلك علاجا للسرطان؟... كلا».
وتعكس الآراء المتباينة قدر المواءمات المقدمة من أجل تأمين إبرام الاتفاق ما بين إيران والقوى الدولية الست التي تفاوضت معهم - الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين وألمانيا. ورغم إصرار إيران المتواصل على أن برنامجها النووي ليس إلا لأغراض إنتاج الطاقة السلمية، فإن الغرب فرض عقوباته الاقتصادية عليها عندما تأكد أن إيران كانت تسعى وبجدية لبناء الأسلحة النووية.
وصرح أحد الدبلوماسيين الغربيين قائلا، والذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة المفاوضات السرية التي أدت لحدوث انفراجة في محادثات الطريق المسدود بأنه «يمكننا المنافحة عن ذلك الاتفاق. ولكنه يخول لنا تنفيذ ما نريد تنفيذه. فهو يحول بين إيران وبين العناصر التي قد تؤدي إلى امتلاك السلاح النووي». وأضاف: «فهل يعد ذلك علاجا للسرطان؟... كلا»، موضحا: «إنه لا يعالج شيئا، وهو ليس بالنتيجة المثالية على أي حال. ولكنه أفضل ما استطعنا الوصول إليه الآن».
أحد أكثر الانتقادات الشائعة بين الخبراء تنضوي على فترة الاتفاق ذاتها. في مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة، وافقت إيران على تقييد عمل أجهزة الطرد المركزية المخصصة لتخصيب اليورانيوم، وعلى حجم مخزون اليورانيوم المستخدم في إنتاج الطاقة وللأغراض الطبية. كما وافقت إيران كذلك على استخدام «قناة مشتريات خاصة» لتغطية كافة احتياجاتها النووية لمدة 10 سنوات، مع الموافقة المسبقة على كل عنصر من العناصر التي تطلبها. وفي نهاية المطاف، برغم كل شيء، يمكن تخفيف تلك الشروط الصارمة بمرور الوقت.
ويشرح مارك دوبوويتز، المدير التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات وأحد أشد المنتقدين للاتفاق حتى قبيل إبرامه: «كل ما على إيران فعله هو تلمس سبيل الصبر والنفس الطويل سعيا وراء السلاح النووي».
ويرى آخرون أنه حتى لو أرادت الولايات المتحدة وشركاؤها إزالة كافة القدرات النووية من داخل إيران، فليس لديهم السلطة الكافية لتنفيذ ذلك وفقا للاتفاقيات الدولية. ومعاهدة منع الانتشار النووي، والتي تعتبر إيران من أعضائها برفقة 190 دولة أخرى، لا تمنح الموقعين عليها حق تخصيب اليورانيوم، كما أنها لا تحظر أو تجرم تخصيبه كذلك.
ويقول جورج بيركوفيتش، الباحث في الاستراتيجية النووية وقضايا عدم الانتشار النووي لدى معهد «كارنيجي للسلام الدولي»، أن قرارات مجلس الأمن بالأمم المتحدة التي أقرت العقوبات الاقتصادية على إيران وسط شكوك حول سعيها لامتلاك القنبلة النووية دعت في بداية الأمر إلى إيقاف إيران لأنشطتها النووية. ولكن تلك القرارات، كما أوضح «لم تقضِ بوقف تلك الأنشطة إلى الأبد».
أما المؤيدون للاتفاق فيقولون: إنه لم تكن هناك فرصة أمام الولايات المتحدة وشركائها في التفاوض لإيقاف البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة، وهو البرنامج الذي بدأت أولى خطواته في عقد الخمسينات من القرن الماضي بمساعدة أميركية خالصة. وعندما بدأت المفاوضات في عرقلة البرنامج الذي بدأ قبل 12 عاما مضت، كان لدى إيران حينها أقل من 200 جهاز طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم. وبحلول الوقت الذي استأنفت فيه الإدارة الأميركية المحادثات المؤجلة متعددة الجنسيات في عام 2013. كان لدى إيران ما يقرب من 20 ألف جهاز طرد مركزي، برغم أن معظمها يعمل بتقنيات عفا عليها الزمان منذ عقد السبعينات.
ويقول روبرت اينهورن، الزميل البارز في «مبادرة الحد من التسلح وعدم الانتشار» لدى معهد «بروكينغز»: «في اليوم الذي وصل فيه أوباما للسلطة... كانت إيران بالفعل قد صارت دولة على العتبة النووية. والرجوع الكامل عن ذلك إلى حد نزع كافة أجهزة الطرد المركزية ليست بالهدف الواقعي أو الممكن».
غير أن السيد اينهورن يتفق مع أن القيود الجديدة على أجهزة الطرد المركزية ومخزونات اليورانيوم والأبحاث النووية تعد جيدة فقط باعتبار استمرارها. وبمجرد تمكن إيران من تركيب المزيد من أجهزة الطرد المركزية الحديثة والفعالة، فإن «توقيت الاختراق» - وكم من الوقت يستغرقه الأمر لحشد ما يكفي من المواد لبناء السلاح النووي - سيبدأ في الانخفاض.
وتابع يقول: «إن الاتفاق يقف بصورة جيدة للغاية كعائق أمام الانتشار النووي... لمدة 15 عاما فقط. ولما بعد ذلك، فستكون إيران وبمنتهى الوضوح قادرة على زيادة إمكانات تخصيب اليورانيوم كما سوف تكون قادرة كذلك على اختصار وقت الاختراق».
القلق بخصوص عمليات التفتيش
ومن بين الأمور التي نالتها الانتقادات كان الأسلوب الجديد الذي يمكن لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التفاوض بشأن «الدخول الموجه» إلى المواقع التي يشتبهون في إجراء الأبحاث النووية السرية فيها. حيث يمكن لتلك الفترة أن تستغرق نحو 24 يوما كاملة - وهي فترة كافية لإيران، كما يدفع المنتقدون، لإخفاء الأدلة على إجرائها للأبحاث النووية.
ويقول الكثير من الخبراء بأن إيران لا يمكنها إخفاء أي أعمال نووية كبيرة - وخصوصا من حيث استخدام المواد المشعة التي تخلف آثارا لا يسهل محوها ويسهل اكتشافها. ويقول تريفور فيندلاي، وهو خبير لدى عمليات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية مع مركز «بيلفر» للعلوم والشؤون الدولية التابع لجامعة «هارفارد» الأميركية «إن الـ24 يوما تبدو وكأنها فترة طويلة. ولكن في ذات الأثناء، سوف تخضع تلك المنشأة طوال الوقت لمراقبة مكثفة».
يدفع ويليام توبي، وهو من خبراء مركز «بيلفر» والذي شارك في المحادثات النووية مع كوريا الشمالية سابقا، أن استخبارات الأقمار الصناعية ليست معصومة من الأخطاء، وأنه يمكن لإيران تفسير وجود آثار المواد الانشطارية المتبقية بصورة أو بأخرى. وأضاف: «ليس لزاما على عملية التنظيف أن تكون مثالية. يكفي أن تكون جيدة بالدرجة التي تثير الشكوك فحسب».
ورغم أن الاتفاق يقضي باحتمال معاودة فرض العقوبات الاقتصادية إذا ما «غشت» إيران في التزاماتها، فإن ذلك الغش من شأنه أن ينهي الاتفاق برمته وبصورة فعالة، نظرا لأن إيران حينئذ سيكون لديها الحق في التوقف عن الامتثال لتعهداتها. وهو البند الذي يصفه السيد دوبوويتز بقوله «بند التعافي النووي».
واستطرد يقول: «بالنسبة لإيران، ليست إلا مسألة وقت حتى يمكنهم اللعب بتلك البطاقة».
ولكن كيسلي دافنبورت، رئيسة قسم سياسة عدم الانتشار لدى رابطة الحد من التسلح، تقول: إنه ليس بالطريق السهل على إيران: «إن تكلفة مثل ذلك الانسحاب سوف تكون باهظة للغاية. وسيتحد المجتمع الدولي محاولا منع إيران من معاودة سلوك سبيل تطوير الأسلحة النووية مجددا. ومن واقع تحليل التكاليف والمنافع، فهناك بالفعل مكاسب قليلة للغاية لإيران إذا ما انهار الاتفاق وفقا لذلك السيناريو».

* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.


عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات النووية في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات، وذلك ⁠بعد يوم ‌من إجراء الجانبين محادثات في سلطنة عُمان.

عراقجي صافح الوفد الأميركي في محادثات مسقط

وقال عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، إن ⁠طهران وواشنطن تعتقدان أنه يجب عقد الجولة الجديدة قريباً. وأكد عراقجي الاستعداد للتوصل لاتفاق «مطمْئِن» مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض» في المحادثات. وأضاف «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وتابع وزير الخارجية الإيراني أن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة في مسقط كانت «غير مباشرة»، لكنه صافح خلالها الوفد الأميركي.

وقال: «على الرغم من أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وأكد عراقجي أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة».

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً»: وأضاف: «يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق»، موضحاً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

وجاءت المحادثات التي عقدت أمس في مسقط بسلطنة عمان، في أعقاب تهديدات واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، على خلفية قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وعزّزت واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة في المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وتشدد إيران على أن تقتصر المحادثات على الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها، بينما تشدد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعمها تنظيمات مسلحة في المنطقة.

التوسع الإسرائيلي وأمن المنطقة

وفي وقت سابق، صرّح عراقجي بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».