مؤتمر التنوُّع البيولوجي «كوب 15»

اتفاق تاريخي أم «احتيال وانقلاب»؟

جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر التنوُّع البيولوجي «كوب 15»

جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)

بعد نقاشات ساخنة في جلسة ختامية امتدت لأكثر من سبع ساعات متواصلة، أهوى وزير البيئة الصيني هوانغ رون تشيو بمطرقته معلناً التوصل إلى اتفاق أممي جديد للحفاظ على التنوُّع البيولوجي العالمي. الإعلان الحاسم من رئيس مؤتمر «كوب 15» قوبل بالتصفيق الحارّ من ممثلي البلدان المشاركة، بعد أن كان التوتر مهيمناً إثر وصف وفد الكاميرون التسويات التي جرت بالاحتيال، فيما اعتبرها وفد أوغندا انقلاباً. وفي حين تختبئ الصين وراء مطالب الدول النامية لتحقيق مصالحها الخاصة في مؤتمرات المناخ، تجاهلت المطالب المشروعة لهذه الدول في قضايا التنوُّع البيولوجي، لأنها لا تتناسب مع طموحاتها الجديدة.
من وجهة نظر المنظِّمين، كان الاتفاق، الذي حمل عنوان «إطار كونمينغ - مونتريال العالمي للتنوُّع البيولوجي»، نسبة إلى المدينة الصينية التي كان من المقرر أن تستضيفه قبل قيود «كورونا» والمدينة الكندية حيث عُقد، تاريخياً، بعد مفاوضات متعثّرة امتدت لأربع سنوات. ولكن العديد من وفود البلدان النامية، خاصة بلدان أفريقيا، عبّرت عن استيائها من تجاهل مخاوفها حول توفير التمويل الكافي وتعريف المناطق المحمية وعدالة توزيع حقوق الاستثمار. فيما أشار علماء إلى أن الأهداف التي تبنّاها المجتمعون في مونتريال الكندية كانت دون الطموح، حيث اهتمت بمساحات المناطق المحمية من دون إعطاء اهتمام كافٍ بقيمتها الأحيائية.
- تهميش المناطق الأكثر أهمية
يطال التهديد بالانقراض في المتوسط نحو 25 في المائة من أنواع المجموعات الحيوانية والنباتية، مما يشير إلى أن نحو مليون نوع يواجه خطر الانقراض ما لم تُتخذ إجراءات للتخفيف من حدّة العوامل التي تؤدي إلى فقدان التنوُّع البيولوجي، بما فيها سوء استثمار الأراضي والبحار، والاستغلال المفرط للكائنات، وتغيُّر المناخ، والتلوُّث، والأنواع الغريبة الغازية.
وينطوي «إطار كونمينغ - مونتريال العالمي للتنوُّع البيولوجي» على أربع غايات طويلة الأجل لسنة 2050 تشمل الحفاظ على سلامة وترابط جميع النظم الإيكولوجية مع وقف الانقراض الذي يتسبب به الإنسان للأنواع المعروفة المهددة وصون التنوُّع الجيني، والاستخدام والإدارة المستدامين للتنوُّع البيولوجي وتقييم مساهمات الطبيعة، وتقاسم المنافع النقدية وغير النقدية الناشئة عن استخدام الموارد الجينية، وضمان وسائل التنفيذ الملائمة بما فيها الموارد المالية وبناء القدرات والحصول على التكنولوجيا.
ويشتمل الإطار على 23 هدفاً عالمياً موجهاً نحو الإجراءات للعمل العاجل حتى 2030 من أجل بلوغ الغايات المحددة لسنة 2050. وأبرز هذه الأهداف ضمان وتمكين وحفظ وإدارة ما لا يقل عن 30 في المائة من المناطق البرية ومناطق المياه الداخلية والمناطق الساحلية والبحرية، لا سيما المناطق ذات الأهمية الخاصة للتنوُّع البيولوجي بشكل فعّال بحلول 2030. وهذا الهدف كان موضع اهتمام كبير خلال فترة المفاوضات الطويلة، ويُعرف بالهدف 30×30.

طيور فلامنغو مهاجرة من أوروبا بعد وصولها إلى محمية طبيعية قرب بور سعيد في مصر (رويترز)

ورغم أن أكثر من 100 دولة كانت وافقت بالفعل على هدف 30×30 قبل القدوم إلى مونتريال، فإنه كان نقطة خلاف في «كوب 15». وفي المبدأ، لم يكن من الواضح ما الذي يمكن اعتباره منطقة «محمية». كما أعربت بعض مجموعات السكان الأصليين عن خشيتها من توسيع رقعة المناطق المحمية على حساب حقوقها في الأرض.
ولكن في شكلها النهائي، تشير الاتفاقية إلى أن حفنة من أنواع مختلفة من الأراضي يمكن أن تُحسب ضمن هدف 30×30، بما في ذلك المناطق المحمية الرسمية (مثل المتنزهات الوطنية)، وفي بعض الحالات أراضي السكّان الأصليين. لكن الاتفاقية أشارت إلى وجوب احترام حقوق مجموعات السكّان الأصليين أثناء سعيهم للحفاظ على المزيد من الأراضي.
ويحذّر بعض علماء البيئة من أن التركيز على زيادة حجم المناطق المحمية إلى الحدّ الأقصى لتحقيق هدف 30×30 هو نهج خاطئ. فقد يتسبب هذا السعي بعواقب ضارة، بما في ذلك إهدار الأموال، وفقدان أكثر ما يحتاج إلى حماية، والتسبب في صراعات عكسية مع المجتمعات الأصلية والمحلية.
وعلى سبيل المثال، قامت أستراليا قبل 3 سنوات بتعيين مساحات واسعة من أراضيها الداخلية القاحلة النائية ضمن المناطق المحمية، بحيث أصبحت تمثل 50 في المائة من مساحة الأراضي الأسترالية. وفي حين أن هذا الإجراء يضع البلاد في مرتبة متقدمة جداً على الهدف الدولي 30×30. فإنه لا يزال يترك أكبر كنز للتنوُّع البيولوجي في أستراليا، وهو الحاجز المرجاني العظيم، في خطر شديد نتيجة التلوُّث والنقل البحري والتهديدات الأخرى.
ويؤكد العلماء على ضرورة اختيار المناطق المحمية الجديدة ليس لحجمها، وإنما لقيمتها البيئية. وقد تُستمد هذه القيمة من عدد الأنواع التي تحتويها المنطقة المحمية أو لتفرُّد مجموعات الأنواع الموجودة فيها. وقد تأتي قيمة المنطقة من دورها في الحفاظ على الروابط بين النقاط الساخنة للتنوُّع البيولوجي وتعزيزها حتى تتمكن الحيوانات من القيام بهجراتها الموسمية. وغالباً ما تكون لممرات الحياة البرية والمائية أهمية لا تتناسب مع حجمها، مما يعني أنه قد يتم تهميشها من قِبل الحكومات التي تضغط من أجل تحقيق النسبة المئوية لهدف الحماية.
ومن اللافت أن العديد من البلدان، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تتسابق لإعلان مساحات شاسعة من المحيطات النائية والأراضي البِكر مناطقَ محمية. ويبدو أن حكومات هذه البلدان تبادر لحماية المناطق التي لا يستخدمها أحد، مثل ألاسكا وخندق ماريانا في عمق المحيط الهادي، لأغراض سياسية، فيما تستبعد المناطق القابلة للاستفادة حقاً من الحماية المكانية، مثل تلك القريبة من الشاطئ.
وفيما ينظر أغلب مسؤولي المناطق المحمية إلى السكّان المحليين باعتبارهم تهديداً للنظام البيئي والتنوُّع البيولوجي، تُشير التجارب في أكثر من مكان إلى أن الحماية الفعّالة على الأرض يوفّرها أولاً السكّان المحليون أنفسهم. ولذلك ليس من المستغرب أن تحتوي أراضي السكّان الأصليين على نسبة مذهلة تبلغ 80 في المائة من التنوُّع البيولوجي في العالم.
- الفتات لردم فجوة التمويل
يدعو هدف رئيسي آخر في «إطار كونمينغ - مونتريال» البلدان إلى مطالبة الشركات الكبيرة بالكشف عن آثارها البيئية ومدى اعتماد أرباحها على النظم البيئية. فعلى سبيل المثال، قد يتعيّن على شركة كبيرة تبيع زيت النخيل الكشف عن كيفية تأثير مزارعها على الغابات المطيرة والأنواع الحية التي تعيش فيها. ويفترض هذا الهدف أن منح المستثمرين والمستهلكين مزيداً من الوضوح في بصمة الشركات وممارساتها البيئية سيجعل الأموال تبتعد عن الشركات الأكثر ضرراً مما يساعد في حماية النظم البيئية.
وتوجد مجموعة من الأهداف الأخرى في الصفقة الجديدة جديرة بالملاحظة أيضاً، مثل الهدف الثاني الذي يطالب البلدان باستعادة ما لا يقل عن 30 في المائة من الأراضي والمياه المتدهورة، بما فيها البراري التي تحوّلت إلى أراضٍ زراعية. في حين يدعو الهدف العاشر إلى التأكد من إدارة الأراضي الزراعية ومصايد الأسماك والمناطق الإنتاجية الأخرى بشكل مستدام.
ويدعم اثنان من الأهداف الحلول القائمة على الطبيعة، وهو تعبير فضفاض يشمل الإجراءات التي تساعد في استعادة أو حماية النظم البيئية مع إفادة البشر أيضاً. ومن هذه الحلول إعادة نمو الشعاب المرجانية للمساعدة في السيطرة على الفيضانات الساحلية أثناء الأعاصير. أما الجزء الأهم في «إطار كونمينغ - مونتريال»، وهو الأكثر إثارة للجدل، فيتعلق بالمال. الرقم الذي كان مثار التداول في قاعات اجتماع «كوب 15» هو 700 مليار دولار سنوياً، وهو تقدير تقريبي للفجوة المالية التي يجب ردمها من أجل حماية التنوُّع البيولوجي في جميع أنحاء العالم وفقاً لتقرير صدر عام 2020. ويخلص التقرير إلى أن الحفاظ على الطبيعة على نحو جيد سيكلّف في المتوسط نحو 844 مليار دولار سنوياً بحلول 2030. ولا ينفق العالم حالياً سوء جزء بسيط من هذا المبلغ على إنشاء وإدارة المناطق المحمية وجعل الزراعة أكثر استدامة. ولم يخلُ الوصول إلى حل للمسألة المالية في مونتريال من تسويات قاسية، وصفها الوفد الكاميروني بالاحتيال.
طيلة المفاوضات، كانت البلدان النامية، بما فيها البرازيل والهند وإندونيسيا والكونغو الديمقراطية، التي تعادل لِغِناها بالتنوُّع البيولوجي أهمية الصين أو الهند في مسألة تغيُّر المناخ، تطالب بالمزيد من المساعدات المالية وتسهيل الوصول إليها. وفي النهاية جرى تمرير الصفقة مع الالتزام بإنفاق 200 مليار دولار سنوياً على حفظ التنوُّع البيولوجي بنهاية العقد.
إطار العمل، غير المُلزِم من الناحية القانونية، نصّ على زيادة مجموع الموارد المالية الدولية المتعلقة بالتنوُّع البيولوجي بحيث تصل إلى 20 مليار دولار بحلول 2025، وإلى ما لا يقل عن 30 مليار دولار بحلول 2030. واعتبر أن المساعدات الإنمائية التي تقدمها البلدان المتقدمة هي جزء من هذا التمويل. أما باقي مبلغ المائتي مليار دولار فيأتي من خلال «تحقيق زيادة كبيرة في حشد الموارد المحلية»، و«زيادة التمويل الخاص»، و«تحفيز المخططات المبتكرة»، ووسائل أخرى.
ولردم فجوة التمويل، طلب إطار العمل إعادة توجيه الأموال الحكومية بعيداً عن الأنشطة التي تضر بالطبيعة، إذ ينفق العالم حالياً ما يصل إلى 1.8 تريليون دولار على الإعانات التي تُلحق ضرراً بالنظم البيئية، كما في حالة دعم الزراعة على الأراضي البِكر في العديد من الدول. ويفترض إطار العمل أن البلدان ستحدِّد الإعانات الضارة بحلول 2025، وستقوم بتقليصها بما لا يقل عن 500 مليار دولار سنوياً بحلول 2030.
لا تختلف مقررات «كوب 15» عن نتائج اجتماع أممي مشابه جرى عام 2010، عندما تعهدت الدول بتحقيق 20 هدفاً، عُرفت باسم «أهداف أيشي»، نسبة للمقاطعة اليابانية التي جرى فيها الاجتماع، من أجل الحفاظ على التنوُّع البيولوجي خلال عقد من الزمان. ويبدو أن بعض هذه الأهداف تُماثل ما هو موجود في الإطار الجديد، كإلغاء الإعانات الضارة وخفض فقدان الموائل الطبيعة إلى النصف وغيرها.
بحلول 2020 لم ينجح العالم في تحقيق أي من «أهداف أيشي»، فما الذي سيكون مختلفاً هذه المرّة؟ يقول الخبراء إن البلدان فشلت في تحقيق أهداف الحفاظ على التنوُّع البيولوجي لسببين رئيسيين، هما ندرة التمويل المتاح وغياب نظام واضح للرصد والإبلاغ من أجل محاسبة البلدان. وفيما يفترض «إطار كونمينغ - مونتريال» أن نجاحه يتطلب «المسؤولية والشفافية»، اللتين ستدعمهما آليات فعالة للتخطيط والرصد والإبلاغ، فإن مؤشر التقدم يبقى الكم لا النوع، وهو أمر يمكن التحايل عليه.
فعلياً، لا يوجد ما يضمن فعالية الاتفاق الجديد، وفي الوقت ذاته قد يشجّع الاندفاع لتحقيق هدف جعل 30 في المائة من الأرض والبحر مناطق محمية الاستيلاء على الأراضي التي تديرها وتحافظ عليها بنجاح مجتمعات السكّان المحلية والهامشية. وفي غياب التمويل الكافي والمؤثر، لن تكون هذه المجتمعات وحدها الخاسرة، بل ستكون الطبيعة الخاسر الأول.
- بالاشتراك مع فريق الأبحاث في المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.