مؤتمر التنوُّع البيولوجي «كوب 15»

اتفاق تاريخي أم «احتيال وانقلاب»؟

جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر التنوُّع البيولوجي «كوب 15»

جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)

بعد نقاشات ساخنة في جلسة ختامية امتدت لأكثر من سبع ساعات متواصلة، أهوى وزير البيئة الصيني هوانغ رون تشيو بمطرقته معلناً التوصل إلى اتفاق أممي جديد للحفاظ على التنوُّع البيولوجي العالمي. الإعلان الحاسم من رئيس مؤتمر «كوب 15» قوبل بالتصفيق الحارّ من ممثلي البلدان المشاركة، بعد أن كان التوتر مهيمناً إثر وصف وفد الكاميرون التسويات التي جرت بالاحتيال، فيما اعتبرها وفد أوغندا انقلاباً. وفي حين تختبئ الصين وراء مطالب الدول النامية لتحقيق مصالحها الخاصة في مؤتمرات المناخ، تجاهلت المطالب المشروعة لهذه الدول في قضايا التنوُّع البيولوجي، لأنها لا تتناسب مع طموحاتها الجديدة.
من وجهة نظر المنظِّمين، كان الاتفاق، الذي حمل عنوان «إطار كونمينغ - مونتريال العالمي للتنوُّع البيولوجي»، نسبة إلى المدينة الصينية التي كان من المقرر أن تستضيفه قبل قيود «كورونا» والمدينة الكندية حيث عُقد، تاريخياً، بعد مفاوضات متعثّرة امتدت لأربع سنوات. ولكن العديد من وفود البلدان النامية، خاصة بلدان أفريقيا، عبّرت عن استيائها من تجاهل مخاوفها حول توفير التمويل الكافي وتعريف المناطق المحمية وعدالة توزيع حقوق الاستثمار. فيما أشار علماء إلى أن الأهداف التي تبنّاها المجتمعون في مونتريال الكندية كانت دون الطموح، حيث اهتمت بمساحات المناطق المحمية من دون إعطاء اهتمام كافٍ بقيمتها الأحيائية.
- تهميش المناطق الأكثر أهمية
يطال التهديد بالانقراض في المتوسط نحو 25 في المائة من أنواع المجموعات الحيوانية والنباتية، مما يشير إلى أن نحو مليون نوع يواجه خطر الانقراض ما لم تُتخذ إجراءات للتخفيف من حدّة العوامل التي تؤدي إلى فقدان التنوُّع البيولوجي، بما فيها سوء استثمار الأراضي والبحار، والاستغلال المفرط للكائنات، وتغيُّر المناخ، والتلوُّث، والأنواع الغريبة الغازية.
وينطوي «إطار كونمينغ - مونتريال العالمي للتنوُّع البيولوجي» على أربع غايات طويلة الأجل لسنة 2050 تشمل الحفاظ على سلامة وترابط جميع النظم الإيكولوجية مع وقف الانقراض الذي يتسبب به الإنسان للأنواع المعروفة المهددة وصون التنوُّع الجيني، والاستخدام والإدارة المستدامين للتنوُّع البيولوجي وتقييم مساهمات الطبيعة، وتقاسم المنافع النقدية وغير النقدية الناشئة عن استخدام الموارد الجينية، وضمان وسائل التنفيذ الملائمة بما فيها الموارد المالية وبناء القدرات والحصول على التكنولوجيا.
ويشتمل الإطار على 23 هدفاً عالمياً موجهاً نحو الإجراءات للعمل العاجل حتى 2030 من أجل بلوغ الغايات المحددة لسنة 2050. وأبرز هذه الأهداف ضمان وتمكين وحفظ وإدارة ما لا يقل عن 30 في المائة من المناطق البرية ومناطق المياه الداخلية والمناطق الساحلية والبحرية، لا سيما المناطق ذات الأهمية الخاصة للتنوُّع البيولوجي بشكل فعّال بحلول 2030. وهذا الهدف كان موضع اهتمام كبير خلال فترة المفاوضات الطويلة، ويُعرف بالهدف 30×30.

طيور فلامنغو مهاجرة من أوروبا بعد وصولها إلى محمية طبيعية قرب بور سعيد في مصر (رويترز)

ورغم أن أكثر من 100 دولة كانت وافقت بالفعل على هدف 30×30 قبل القدوم إلى مونتريال، فإنه كان نقطة خلاف في «كوب 15». وفي المبدأ، لم يكن من الواضح ما الذي يمكن اعتباره منطقة «محمية». كما أعربت بعض مجموعات السكان الأصليين عن خشيتها من توسيع رقعة المناطق المحمية على حساب حقوقها في الأرض.
ولكن في شكلها النهائي، تشير الاتفاقية إلى أن حفنة من أنواع مختلفة من الأراضي يمكن أن تُحسب ضمن هدف 30×30، بما في ذلك المناطق المحمية الرسمية (مثل المتنزهات الوطنية)، وفي بعض الحالات أراضي السكّان الأصليين. لكن الاتفاقية أشارت إلى وجوب احترام حقوق مجموعات السكّان الأصليين أثناء سعيهم للحفاظ على المزيد من الأراضي.
ويحذّر بعض علماء البيئة من أن التركيز على زيادة حجم المناطق المحمية إلى الحدّ الأقصى لتحقيق هدف 30×30 هو نهج خاطئ. فقد يتسبب هذا السعي بعواقب ضارة، بما في ذلك إهدار الأموال، وفقدان أكثر ما يحتاج إلى حماية، والتسبب في صراعات عكسية مع المجتمعات الأصلية والمحلية.
وعلى سبيل المثال، قامت أستراليا قبل 3 سنوات بتعيين مساحات واسعة من أراضيها الداخلية القاحلة النائية ضمن المناطق المحمية، بحيث أصبحت تمثل 50 في المائة من مساحة الأراضي الأسترالية. وفي حين أن هذا الإجراء يضع البلاد في مرتبة متقدمة جداً على الهدف الدولي 30×30. فإنه لا يزال يترك أكبر كنز للتنوُّع البيولوجي في أستراليا، وهو الحاجز المرجاني العظيم، في خطر شديد نتيجة التلوُّث والنقل البحري والتهديدات الأخرى.
ويؤكد العلماء على ضرورة اختيار المناطق المحمية الجديدة ليس لحجمها، وإنما لقيمتها البيئية. وقد تُستمد هذه القيمة من عدد الأنواع التي تحتويها المنطقة المحمية أو لتفرُّد مجموعات الأنواع الموجودة فيها. وقد تأتي قيمة المنطقة من دورها في الحفاظ على الروابط بين النقاط الساخنة للتنوُّع البيولوجي وتعزيزها حتى تتمكن الحيوانات من القيام بهجراتها الموسمية. وغالباً ما تكون لممرات الحياة البرية والمائية أهمية لا تتناسب مع حجمها، مما يعني أنه قد يتم تهميشها من قِبل الحكومات التي تضغط من أجل تحقيق النسبة المئوية لهدف الحماية.
ومن اللافت أن العديد من البلدان، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تتسابق لإعلان مساحات شاسعة من المحيطات النائية والأراضي البِكر مناطقَ محمية. ويبدو أن حكومات هذه البلدان تبادر لحماية المناطق التي لا يستخدمها أحد، مثل ألاسكا وخندق ماريانا في عمق المحيط الهادي، لأغراض سياسية، فيما تستبعد المناطق القابلة للاستفادة حقاً من الحماية المكانية، مثل تلك القريبة من الشاطئ.
وفيما ينظر أغلب مسؤولي المناطق المحمية إلى السكّان المحليين باعتبارهم تهديداً للنظام البيئي والتنوُّع البيولوجي، تُشير التجارب في أكثر من مكان إلى أن الحماية الفعّالة على الأرض يوفّرها أولاً السكّان المحليون أنفسهم. ولذلك ليس من المستغرب أن تحتوي أراضي السكّان الأصليين على نسبة مذهلة تبلغ 80 في المائة من التنوُّع البيولوجي في العالم.
- الفتات لردم فجوة التمويل
يدعو هدف رئيسي آخر في «إطار كونمينغ - مونتريال» البلدان إلى مطالبة الشركات الكبيرة بالكشف عن آثارها البيئية ومدى اعتماد أرباحها على النظم البيئية. فعلى سبيل المثال، قد يتعيّن على شركة كبيرة تبيع زيت النخيل الكشف عن كيفية تأثير مزارعها على الغابات المطيرة والأنواع الحية التي تعيش فيها. ويفترض هذا الهدف أن منح المستثمرين والمستهلكين مزيداً من الوضوح في بصمة الشركات وممارساتها البيئية سيجعل الأموال تبتعد عن الشركات الأكثر ضرراً مما يساعد في حماية النظم البيئية.
وتوجد مجموعة من الأهداف الأخرى في الصفقة الجديدة جديرة بالملاحظة أيضاً، مثل الهدف الثاني الذي يطالب البلدان باستعادة ما لا يقل عن 30 في المائة من الأراضي والمياه المتدهورة، بما فيها البراري التي تحوّلت إلى أراضٍ زراعية. في حين يدعو الهدف العاشر إلى التأكد من إدارة الأراضي الزراعية ومصايد الأسماك والمناطق الإنتاجية الأخرى بشكل مستدام.
ويدعم اثنان من الأهداف الحلول القائمة على الطبيعة، وهو تعبير فضفاض يشمل الإجراءات التي تساعد في استعادة أو حماية النظم البيئية مع إفادة البشر أيضاً. ومن هذه الحلول إعادة نمو الشعاب المرجانية للمساعدة في السيطرة على الفيضانات الساحلية أثناء الأعاصير. أما الجزء الأهم في «إطار كونمينغ - مونتريال»، وهو الأكثر إثارة للجدل، فيتعلق بالمال. الرقم الذي كان مثار التداول في قاعات اجتماع «كوب 15» هو 700 مليار دولار سنوياً، وهو تقدير تقريبي للفجوة المالية التي يجب ردمها من أجل حماية التنوُّع البيولوجي في جميع أنحاء العالم وفقاً لتقرير صدر عام 2020. ويخلص التقرير إلى أن الحفاظ على الطبيعة على نحو جيد سيكلّف في المتوسط نحو 844 مليار دولار سنوياً بحلول 2030. ولا ينفق العالم حالياً سوء جزء بسيط من هذا المبلغ على إنشاء وإدارة المناطق المحمية وجعل الزراعة أكثر استدامة. ولم يخلُ الوصول إلى حل للمسألة المالية في مونتريال من تسويات قاسية، وصفها الوفد الكاميروني بالاحتيال.
طيلة المفاوضات، كانت البلدان النامية، بما فيها البرازيل والهند وإندونيسيا والكونغو الديمقراطية، التي تعادل لِغِناها بالتنوُّع البيولوجي أهمية الصين أو الهند في مسألة تغيُّر المناخ، تطالب بالمزيد من المساعدات المالية وتسهيل الوصول إليها. وفي النهاية جرى تمرير الصفقة مع الالتزام بإنفاق 200 مليار دولار سنوياً على حفظ التنوُّع البيولوجي بنهاية العقد.
إطار العمل، غير المُلزِم من الناحية القانونية، نصّ على زيادة مجموع الموارد المالية الدولية المتعلقة بالتنوُّع البيولوجي بحيث تصل إلى 20 مليار دولار بحلول 2025، وإلى ما لا يقل عن 30 مليار دولار بحلول 2030. واعتبر أن المساعدات الإنمائية التي تقدمها البلدان المتقدمة هي جزء من هذا التمويل. أما باقي مبلغ المائتي مليار دولار فيأتي من خلال «تحقيق زيادة كبيرة في حشد الموارد المحلية»، و«زيادة التمويل الخاص»، و«تحفيز المخططات المبتكرة»، ووسائل أخرى.
ولردم فجوة التمويل، طلب إطار العمل إعادة توجيه الأموال الحكومية بعيداً عن الأنشطة التي تضر بالطبيعة، إذ ينفق العالم حالياً ما يصل إلى 1.8 تريليون دولار على الإعانات التي تُلحق ضرراً بالنظم البيئية، كما في حالة دعم الزراعة على الأراضي البِكر في العديد من الدول. ويفترض إطار العمل أن البلدان ستحدِّد الإعانات الضارة بحلول 2025، وستقوم بتقليصها بما لا يقل عن 500 مليار دولار سنوياً بحلول 2030.
لا تختلف مقررات «كوب 15» عن نتائج اجتماع أممي مشابه جرى عام 2010، عندما تعهدت الدول بتحقيق 20 هدفاً، عُرفت باسم «أهداف أيشي»، نسبة للمقاطعة اليابانية التي جرى فيها الاجتماع، من أجل الحفاظ على التنوُّع البيولوجي خلال عقد من الزمان. ويبدو أن بعض هذه الأهداف تُماثل ما هو موجود في الإطار الجديد، كإلغاء الإعانات الضارة وخفض فقدان الموائل الطبيعة إلى النصف وغيرها.
بحلول 2020 لم ينجح العالم في تحقيق أي من «أهداف أيشي»، فما الذي سيكون مختلفاً هذه المرّة؟ يقول الخبراء إن البلدان فشلت في تحقيق أهداف الحفاظ على التنوُّع البيولوجي لسببين رئيسيين، هما ندرة التمويل المتاح وغياب نظام واضح للرصد والإبلاغ من أجل محاسبة البلدان. وفيما يفترض «إطار كونمينغ - مونتريال» أن نجاحه يتطلب «المسؤولية والشفافية»، اللتين ستدعمهما آليات فعالة للتخطيط والرصد والإبلاغ، فإن مؤشر التقدم يبقى الكم لا النوع، وهو أمر يمكن التحايل عليه.
فعلياً، لا يوجد ما يضمن فعالية الاتفاق الجديد، وفي الوقت ذاته قد يشجّع الاندفاع لتحقيق هدف جعل 30 في المائة من الأرض والبحر مناطق محمية الاستيلاء على الأراضي التي تديرها وتحافظ عليها بنجاح مجتمعات السكّان المحلية والهامشية. وفي غياب التمويل الكافي والمؤثر، لن تكون هذه المجتمعات وحدها الخاسرة، بل ستكون الطبيعة الخاسر الأول.
- بالاشتراك مع فريق الأبحاث في المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)


مقالات ذات صلة

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.