عندما أعجبت السيدة خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - بأخلاق محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وعرفت أمانته وصدقه وإخلاصه - قبل البعثة - أفصحت عن رغبتها في الزواج منه.
السيدة ميمونة بنت الحارث فعلت الشيء نفسه.. أحبت الرسول محمدا حبا شديدا، وآمنت برسالته، وأفصحت لأختها «أم الفضل» عن رغبتها في الزواج منه.
وكما تحقق للسيدة خديجة ما أرادت فأصبحت الزوجة الأولى للرسول صلى الله عليه وسلم، كان للسيدة «ميمونة» ما تمنت فأصبحت الزوجة الأخيرة للرسول صلى الله عليه وسلم.
يقول الكاتب محمد حسين سلامة، في كتابه «نساء فضليات»: كانت ميمونة بنت الحارث، رضي الله عنها من أسرة طيبة مباركة من السابقات في الإسلام، قد شهد لها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالإيمان.
أختها أم الفضل بنت الحارث، زوج العباس بن عبد المطلب، عم النبي، الذي كان شهما ونبيلا وذا خلق كريم.. كان يحمي الجار، ويبذل المال بسخاء، ويعطي في النوائب، ويكسو العاري، ويطعم الجائع.
وهي خالة عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، حبر الأمة وترجمان القرآن، حيث دعا له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فملأ الدنيا علما وفقها. وهي أيضا خالة سيف الله المسلول، خالد بن الوليد، رضي الله عنه.
كانت تسمى «برة» فلما تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم سماها «ميمونة».. أسلمت في مكة المكرمة وبايعت الرسول صلى الله عليه وسلم.
يقول عنها الكاتب الإعلامي جابر الشال، في كتابه «قصص النساء في القرآن الكريم»: كانت تسمع من زوج أختها العباس بن عبد المطلب، عم الرسول صلى الله عليه وسلم، الكثير عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وامتلأ قلبها بحبه، حتى إذا جاء رسول الله، ومعه المسلمون لقضاء عمرة القضاء، كانت تجول بعينيها باحثة عنه بين الجموع.. ها هو ذا صلى الله عليه وسلم، وحوله المسلمون يلبون ويطوفون بالكعبة المشرفة، ويشربون من ماء «زمزم» الطهور، ويسعون بين الصفا والمروة.
لقد زاد حبها له، فهي التي لم تره منذ كان يدعو إلى الله في مكة قبل الهجرة.. كانت تراه يدعو إلى الله والأذى حوله من كل جانب، كما كانت تراه - رغم ما يلحق به من أذى - صابرا لأمر ربه عز وجل.
ويضيف الشال أنها شعرت بأنها لا تستطيع أن تكتم السر الذي في قلبها، ولكن لمن تتحدث به؟
اختارت أختها «أم الفضل» لتبوح لها بالسر، قالت: «إنني أحب محمدا، وأريد الزواج منه.. ويمضي الوقت بطيئا لتعاود الحديث مع أختها التي فاجأتها قائلة: (سوف يعود لك العباس بما يسرك).. قلبي يحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سوف يقبل».
وصدقت «أم الفضل» فيما توقعت، فقد جاء العباس، عم الرسول، صلى الله عليه وسلم، يحمل البشرى بموافقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الزواج منها.
وجاء مع العباس جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، ابن عم الرسول، وزوج أسماء أخت ميمونة، ليخطبها للرسول، صلى الله عليه وسلم، وليعلن أن صداقها 400 درهم.
ويضيف الكاتب محمد حسين سلامة أنه بعد أن تم الزواج المبارك، دخلت ميمونة، رضي الله عنها، بيت النبوة لتكون إحدى أمهات المؤمنين، وأحست بالسعادة الغامرة التي ما كانت تحلم بها في يوم من الأيام، وتعلمت على يدي النبي، صلى الله عليه وسلم، الخير الكثير، حيث نهلت من هديه وحلمه، وأخلاقه العظيمة، فكان إيمانها يزداد يوما بعد يوم.
أما الكاتب محمد على قطب، فيقول في كتابه «نساء حول الرسول»: عاشت السيدة «ميمونة» في كنف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقل من ثلاث سنوات، ثم توفي عنها، وكانت روايتها عنه قليلة محدودة.
وكانت السيدة «ميمونة» رضي الله عنها غاية في التقوى والصلاح، ودماثة الخلق، ويكفينا في هذا الصدد، ما وصفتها به أم المؤمنين «عائشة» رضي الله عنها، إذ قالت: «أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم».
تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، في كتابها «نساء النبي»: دخلت ميمونة بيت النبي، صلى الله عليه وسلم، مسالمة، قد اكتفت من دنياها بما من الله عليها به من نعمة الإسلام، وشرف الزواج من خير البشر.
وتضيف بنت الشاطئ أن مؤرخي الإسلام وكتاب السيرة، لا يذكرون لها خصومة انفردت بها، أو شجارا شبته في بيت المصطفى، وإنما يذكرون أنه، صلى الله عليه وسلم، كان في بيتها، حين اشتد به الألم في مرض الموت، فرضيت أن ينتقل حيث أحب، إلى بيت عائشة، فلما انتقل، صلى الله عليه وسلم، إلى جوار ربه الأعلى، عاشت ميمونة تذكر اليوم الميمون، الذي جمعها بالمصطفى، صلى الله عليه وسلم.
وكان أول ما اشتكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلال مرض الموت، في بيت ميمونة، فعن أختها أسماء بنت عميس، قالت: أول ما اشتكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بيت ميمونة، فاشتد مرضه حتى أغمي عليه.
وقالت أختها أم الفضل بنت الحارث: «سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقرأ في المغرب - يوم مرضه - بالمرسلات عرفا، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله».
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبى، أن عائشة قالت: «لما ثقل النبي، صلى الله عليه وسلم، واشتد به وجعه، استأذن أزواجه، في أن يُمرَّض في بيتي، فأذنَّ له»، أخرجه البخاري ومسلم.
عاشت حياتها بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في دعة، وهدوء منصرفة إلى العبادة، تحج كل عام. وتوفيت، رضي الله عنها، سنة إحدى وخمسين من الهجرة النبوية، وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
زوجات الأنبياء - الحلقة (28): «ميمونة».. آخر زوجات الرسول
8:20 دقيقه
