3 قتلى في اعتداء يستهدف الأكراد في باريس... ومناوشات مع رجال الأمن

ماكرون يندد بالحادث ويصفه بـ«الكريهة»

محاولة إسعاف شاب أثناء اشتباك متظاهرين مع الشرطة (إ.ب.أ)
محاولة إسعاف شاب أثناء اشتباك متظاهرين مع الشرطة (إ.ب.أ)
TT

3 قتلى في اعتداء يستهدف الأكراد في باريس... ومناوشات مع رجال الأمن

محاولة إسعاف شاب أثناء اشتباك متظاهرين مع الشرطة (إ.ب.أ)
محاولة إسعاف شاب أثناء اشتباك متظاهرين مع الشرطة (إ.ب.أ)

عند الرقم (16) من شارع «أونغين» الواقع في الدائرة العاشرة في باريس؛ أي عملياً في قلب العاصمة الفرنسية، يقوم «المركز الثقافي الكردي أحمد كايا»، الذي يُعد مركزاً اجتماعياً مهمته مساعدة أكراد باريس ومنطقتها. وهذا المركز كان هدفاً لاعتداء قاتل في وضح النهار؛ إذ ولج إليه ظهر أمس، رجل سبعيني وأخرج مسدساً وأطلق النار على من في داخله، ثم دخل مقهى يرتاده أكراد، وبعده صالون حلاقة، ليستمر في إطلاق النار، بحيث كانت النتيجة مقتل 3 أكراد وجرح عدة أشخاص آخرين، أحدهم يعاني من وضع حرج. وككل مرة يحصل فيها حادث من هذا النوع، أكان إرهابياً أم غير إرهابي، سارعت قوى الأمن التي استُدعيت للمكان، ونجحت في السيطرة على الجاني بإطلاق النار عليه، حيث أصيب في ساقيه. وأفاد شهود بأن الجاني أطلق على الأقل 8 رصاصات.
وسريعاً أيضاً، وصلت سيارات الإسعاف وقوة أمنية أكبر منعت السير في شارع «أونغين»، وضربت طوقاً أمنياً حول مكان الحادث، شمل المركز الكردي، ومنعت الاقتراب منه، ثم انهالت الأسئلة التي تتناول هوية الجاني والأسباب التي جعلت الجالية الكردية هدفاً لهذه العملية ودوافع الرجل، فضلاً عن السؤال حول ما إذا كان قد نفذ عمليته منفرداً أم أنه تلقى مساعدة. ولاحقاً برز سؤال آخر؛ إذ يذكر المراقبون أنه قبل 10 سنوات وليس بعيداً عن هذا المركز، جرت عملية اغتيال راح ضحيتها 3 مناضلين أكراد، ووقتها وُجهت أصابع الاتهام إلى المخابرات التركية.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الفرنسية قد أمرت بحل مجموعة تركية في عام 2020 كانت تتصرف وكأنها ميليشيا داخل فرنسا، ولها تمددات في بلدان أوروبية أخرى، أبرزها ألمانيا.

وشيئاً فشيئاً، أخذت تتوالى المعلومات المربكة الواحدة بعد الأخرى، وأهمها أن هذا الرجل فرنسي الجنسية البالغ من العمر 69 عاماً، خرج من الحبس الاحتياطي قبل 11 يوماً فقط. وسبب إيداعه السجن أنه في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، هاجم مخيماً للاجئين عديمي الإقامة في الدائرة الثانية عشرة في باريس بسيف وجرح 3 منهم، وجروح أحدهم جاءت خطيرة، وقُبض عليه وأوقف وأودع السجن بانتظار محاكمته، وأنه سُمح له بالخروج من السجن قبل 11 يوماً فقط ليعاود الكرة، وهذه المرة لاستهداف جالية بعينها هي أكراد باريس والمنطقة الباريسية. وليس قرار القضاء السماح له بالخروج من السجن لتحضير محاكمته شيئاً مستغرباً، لكن المستغرب أن أحد شروط خروجه أن يبقى تحت الرقابة القضائية التي لم تُحترم في حالته. وتفيد شهادات استُقيت أمس، بأن الرجل وصل إلى الحي الذي توجد فيه جالية كردية كبيرة بسيارة خاصة، مما يرجح أن تكون له علاقات ما قد تكون ساعدته ومكّنته من ارتكاب اعتدائه الذي نشر مناخاً من الذعر قبل يومين من عيد الميلاد؛ أي في فترة تكون فيها الشوارع والساحات والمحلات والطرقات بالغة الازدحام.
وسريعاً جداً، عمدت النيابة العامة في باريس إلى فتح تحقيق قضائي بتهمة ارتكاب جرائم اغتيال والقتل المتعمد والعنف المشدد، وأوكلت التحقيقات إلى الفريق الجنائي التابع للشرطة القضائية في العاصمة. ورغم أن النيابة المتخصصة في شؤون الإرهاب تابعت عن قرب تطورات الملف، فإنه لم يُنقل إليها، مما يعني عملياً، أنه حتى هذه اللحظة، لا يُنظر إلى ما حصل على أنه عمل إرهابي، ولكن الأمور يمكن أن تتغير لاحقاً. وأفادت لور بيتشو، المدعية العامة في باريس، في تصريح مقتضب للصحافة، بأن الجاني متهم بطعن شخصين نهاية العام الماضي.
ومن جانبها، أشارت مصادر الشرطة، إلى أن مطلق النار فرنسي الجنسية ومتقاعد، وكان يعمل سائقاً للقطار وصاحب سوابق. وقالت رئيسة بلدية الدائرة العاشرة، ألكسندرا كوربارد، إن الجاني أصيب خلال توقيفه، وإنه نُقل إلى المستشفى وهو في «حالة حرجة نسبياً». ووُضع الأخير في حالة التوقيف الاحتياطي لـ24 ساعة يمكن مدها إلى 48 ساعة، يقدم بعدها إلى قاضي التحقيق الذي يعود له أن يأمر بحبسه احتياطياً حتى اكتمال التحقيقات وإحالته إلى المحاكمة.
وتباعاً، تتالت التعليقات والتنديدات؛ فاعتبرت رئيسة الحكومة إليزابيت بورن، أن ما حصل «عمل بغيض»، ونددت رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو، بالاعتداء، معتبرة أن الجالية الكردية كانت المستهدفة. وقطع وزير الداخلية جيرالد دارمانان، زيارته التفقدية إلى مدينة توركوان الواقعة شمال البلاد، وعاد إلى باريس وزار مكان الحادث للاطلاع على التطورات، بيد أن ما قاله الوزير المسؤول عن الأمن، أثار بعض أعضاء الجالية الكردية حينما أعلن أن الجاني «استهدف بوضوح أجانب»، قبل أن يضيف أنه «ليس من المؤكد أن يكون حاول قتل أكراد على وجه الخصوص». وفضلاً عن ذلك، أفاد دارمانان بأنه لا معلومات متوافرة «حتى الآن» حول وجود صلات للمشتبه به مع نشطاء من اليمين المتطرف. وكشف الوزير الفرنسي عن معلومتين: الأولى، أن الرجل عضو في نادٍ للرماية، وأنه «يملك عدة أسلحة مسجلة». والثانية، أن الضحايا «على ما يبدو» غير معروفين من الأجهزة الأمنية الفرنسية. وإذ أكد أنه أمر بتشديد الإجراءات الأمنية في أماكن التجمعات الكردية، وفي محيط المقرات الدبلوماسية التركية؛ قال إن المسؤولين الأمنيين سوف يجتمعون للنظر في وجود تهديدات أمنية للأكراد في باريس أو في مكان آخر على الأراضي الفرنسية.
أما الرئيس إيمانويل ماكرون، فقد غرد مندداً بـ«المقتلة» التي استهدفت الأكراد، معتبراً أنهم كانوا «هدفاً لاعتداء كريه»، وأضاف أن «أفكاره تذهب للضحايا وللأشخاص الذين يصارعون الموت للبقاء على قيد الحياة، ولعائلاتهم وأقاربهم». وختم مشيداً بـ«شجاعة رجال الأمن وبصلابة أعصابهم».
وتسبب مجيء دارمانان والطوق المحكم الذي ضربته قوات الشرطة لحمايته، بمناوشات بينها وبين شبان أكراد كانوا يطلقون شعارات تندد بتركيا، ويصيحون: «ليسقط النظام التركي» بالكردية والفرنسية. وعمد بعضم إلى إشعال النار في الشارع والبدء برمي الكراسي والحجارة وما وقع بين أيديهم على رجال الأمن، وإقامة المتاريس على غرار ما عرفته باريس زمن «السترات الصفراء». ورد الأمنيون بإلقاء قنابل الغاز والقنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، وعمدوا إلى إقفال جميع المسالك المفضية إلى شارع «أونغين» الذي يضج عادة بالمارة بفضل وجود عشرات المطاعم والمقاهي والحانات والمحلات فيه. وأفادت معلومات الشرطة، بأن 5 من أفرادها أصيبوا بجروح في المناوشات، وأنه تم القبض على أحد المتظاهرين.
ومساء أمس، أفادت معلومات متداولة في الدوائر الصحافية في باريس، بأن الجاني اسمه ويليام أم، وأنه وُلد في مدينة مونتويل، في قضاء سين سان دونيس الواقع شمال العاصمة. كذلك أفيد بأن القوى الأمنية داهمت عدة مواقع بحثاً عن أدلة، خصوصاً فيما يتعلق بعلاقات الجاني بتنظيمات حزبية من اليمين المتطرف، أو ذات الصبغة الميليشياوية. كذلك يجري البحث فيما إذا كان هذا الرجل يتمتع بجميع قواه العقلية، وأيضاً في كيفية استمرار امتلاكه أسلحة نارية رغم وجوده في السجن بسبب اعتداء عنصري بالغ الخطورة ارتكبه نهاية العام الماضي. وهذه الأسئلة هي ما يسعى التحقيق لجلائها في الساعات والأيام القادمة. وقد داهموا شقة الجاني مساء، وهي واقعة في الدائرة الثانية في باريس.


مقالات ذات صلة

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.