سعد الهويدي يغزل الذكريات والتراث في أعماله الفنية

الفنان السعودي شارك بأعماله في أسبوع «مسك للفنون» بالرياض

زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)
زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)
TT

سعد الهويدي يغزل الذكريات والتراث في أعماله الفنية

زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)
زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)

للفنان السعودي سعد الهويدي اهتمام عميق بالتراث والذاكرة، تشترك أعماله في الجمع بين القديم والحديث، الحوار بين الحضارات والحنين للماضي. الحنين يكاد يكون الخط الخفي الذي يمر عبر كل الأعمال، يظهر ذلك في اختيار خامات الأعمال، سواء من ألعاب الأطفال البلاستيكية أو من اختيار رقعة ألعاب «كيرم» المشهورة في السعودية أو الملابس التقليدية وما تحتضنها من قصص وذكريات وارتباطات اجتماعية مثل «البشت» (العباءة الرجالية) وغيرها من العناصر التي تمس وجدان المشاهد.

الكيرم الهندي في حلة سعودية (الفنان)

أتحدث مع سعد الهويدي على هامش مشاركته في معرض «عزيمة» الذي أقيم في صالة الأمير فيصل بن فهد، ضمن فعاليات أسبوع «مسك للفنون» بالرياض، يحدثني من الاستديو الخاص به في حي جاكس، ويأخذني معه في جولة حول أعماله وأبحاثه المختلفة.
أطلق حديثي معه بسؤاله عما يثير تفكيره ويدفعه للتعبير الفني، يأخذني للإطار العام لعمله قائلاً «أتناول في أعمالي موضوع التراث والذاكرة؛ فكل إنسان له ذاكرته وذكرياته وعنده تراث يتحرك من خلاله. عملي دائماً يتمحور حول الذاكرة والتراث، كيف نحيي هذه الذاكرة ونسترجعها ثم نعيد تقديمها بشكل معاصر».

من سلسلة «البشت الحساوي» (سعد الهويدي)

تتميز أعمال الفنان بالتنوع في المواد المستخدمة التي يحوّرها الفنان ويخرجها من قالبها الأصلي لتكتسب معاني جديدة. في معرض «عزيمة» يستخدم رقعة ألعاب خشبية تقليدية (الكيرم) قام بتحويلها من شكلها الأساسي عبر الرسم عليها، كما استخدم القماش في سلسلة «البشت» ثم أشرطة الكاسيت والفيديو القديمة في «مكتبة الذكريات». يعلق على ذلك «أحرص على أن يكون عندي تنوع في الممارسات الإبداعية، وأن أكتشف أساليب جديدة في الإبداع والتدوير». التدوير يتمثل أمامنا في استخدام قطع كانت مستخدمة من قبل، مثل رقعة لعبة «الكيرم» الهندية المنشأ التي صاحبت السعوديين لأجيال في سهراتهم واجتماعاتهم، وسجلت لنفسها مكاناً في الذاكرة الاجتماعية لكل فرد. بالنسبة للهويدي، مثلت تلك الرقعة الخشبية فرصة لدمج عناصر ثقافية مختلفة وتقديمها بشكل معاصر. الكيرم هنا أمامنا يبدو مألوفاً، هي الرقعة نفسها التي جلس حولها أفراد العائلة والأصدقاء في ليالي الصيف لتمضية الوقت الممتع سوياً، ارتبطت حكايات وقصص أفراد العائلات والأصدقاء بتلك الرقعة وأحجارها. قد لا تلاحظ العين اختلاف الرقعة الماثلة أمامنا عن ما اعتادته العين، ولكن هناك اختلافاً واضحاً لمن يدقق فيه، وهو أن الرقعة هنا تحمل رسومات مختلفة عن الخطوط التي تميز الرقعة التقليدية. هنا قدم الفنان بشكل بصري ممتع نقوشاً خارجة من عمق الثقافة السعودية، يقول «هنا أستخدم (القط العسيري) كرموز شكلتها أيدي النساء في جنوب المملكة لتزيين جدران البيوت، قدّمتها هنا بشكل معاصر، دمجت بين لعبة قادمة من الهند وهي الكيرم، تعبّر عن ثقافة مختلفة ودمجت معها عناصر من ثقافتنا المحلية». يستطرد قائلاً «أريد أن أقول إن الكيرم وصلتنا من ثقافة مختلفة، وعندما وصلتنا أضفنا عليها من شخصيتنا، على سبيل المثال غيّرنا في قواعد اللعبة لتصبح لها شخصية مختلفة عن قواعدها في الهند، حتى مسميات الأشياء وضعنا عليها بصمتنا ولغتنا. في الرقعة المعروضة جسدت ذلك التغيير من خلال الزخارف المحلية».

عمل «الطريق إلى مكة» للفنان سعد الهويدي (الفنان)

عبر ذلك الإطار الخشبي دمج الفنان بين الثقافتين الهندية والسعودية فيما يشبه الحوار الثري بين ثقافة سعودية محلية وثقافة هندية. في نسخ أخرى من العمل نفسه لم يتوقف عند القط العسيري، بل استخدم نقوشاً من مناطق أخرى في المملكة، مثل الزخارف الحجازية والنجدية. أشير إلى أن لعبة الكيرم تمثل جانباً من ذاكرة أغلب العائلات في السعودية، وهي هنا تحتضن ذاكرة النساء عبر زخارف القط العسيري، يقول «بالضبط هذا كان محور اهتمامي. أن أقدم العمل كبحث تراثي وثقافي وسجل للذاكرة. أقول عبر هذا العمل إنه حتى لو تعددت الثقافات فنحن نتوحد في هويتنا العامة كإنسان أولاً ثم نتفرق في ثقافات ولغات ورقصات وموسيقى». «أنت تختصر كل هذه العناصر لأصلها وهو الإنسان؟» يرد بالإيجاب، ويضيف «يقولون إن العالم قرية صغيرة، أنا أقول إننا عالم واحد نعيش على نفس الكوكب، وأريد أن يشعر كل منا بأن الحضارات يمكن أن تلتقي، وتتحاور والناتج سيكون شيئاً جميلاً».

عمل «الطريق إلى مكة» للفنان سعد الهويدي (الفنان)

الحديث مع الهويدي يتشعب ويتعمق في تلاقي الحضارات وآثارها، يضرب المثل بموجات الهجرة لأوروبا وأميركا كيف تركت آثارها في الطعام وفي الملبس والفنون. في عالم الفن الحديث يشير إلى فنانين أمثال بيكاسو وغوغان وماتيس «انظري إلى رسومات بيكاسو وتأثرها بزياراته للمغرب العربي، هناك تعرف على ثقافة جديدة. هو وغوغان وماتيس كلهم خرجوا باتجاه فني مميز ابتكروه بسبب تأثرهم بثقافة مختلفة أعطتهم زاوية غير التي يعيشوها في بلدانهم».

تنويعات من خيوط البشت الحساوي تتخذ شكل الزخارف النجدية (الفنان)

سلسلة «البشت الحساوي»
ترتبط أعمال الفنان بكل عناصر البيئة المحلية، في الاستديو نلحظ في كل عمل عنصراً من الثقافة المحلية، يفككها الفنان لعناصرها أولاً، ثم يتعامل مع تلك العناصر المختلفة ليكوّن منها أعمالاً فنية مميزة. في سلسلة أعمال «البشت الحساوي» قد لا يدرك الناظر خصوصية الموضوع، ولكن لن تخطأ عينه ذلك الوجود المميز للخيوط الذهبية، مهما انفصلت عن شكلها المألوف المغروس في ذاكرة كل فرد في المجتمع. الخيوط تأخذ كل منا للعباءة الرجالية، تثير الحنين والذكريات وتعيد للذهن صوراً مختزنة من مناسبات عائلية أو رسمية ارتدى فيها الرجال تلك العباءة، ارتبطت بأفراح وحفلات وأعياد وذاكرة كاملة.
من ذلك الرداء كوّن الفنان عدداً من الأعمال، غزل تلك الخيوط الذهبية مع عناصر أخرى أيضاً مستقاة من التراث، يشير إلى بعض القطع التي تبدو على هيئة أعمدة متباينة الطول، يحيط أعلاها ما يشبه الحزام الذهبي ويقول مُعرّفاً «هي مجسمات نحتية تناقش تاريخ الطرز المعمارية السعودية والتنوع الحضري في العمارة، من الخيام وبيوت الطين إلى المنازل الحديثة، ومزاوجتها بالأزياء بوضع تطريز (الشمسة) المستخدمة في الملابس التقليدية مثل البشت الحساوي الذي يُرتدى في المناسبات الرسمية».
يحرص الفنان على تقديم الحِرف التقليدية في أعماله، مثل رسومات النساء على جدران البيوت في عسير (القط العسيري) والتي ضمّنها في لعبة الكيرم، وهنا في صناعة البشت الحساوي وهي حرفة رجالية، يقول «قدمت البشت الحساوي باعتباره من الحرف اليدوية في منطقة الأحساء، والتي تخصصت عائلات معينة بها».

الفنان سعد الهويدي

مثلما فعل الهويدي بزخارف نساء عسير حين أخرجها من إطارها المألوف وهو جدران البيوت، فعل الشيء نفسه مع البشت «أخرجته من قالبه ووضعته في شكل آخر غير معتاد. في كل مكان في البشت هناك منطقة جميلة، أقوم بفصلها وإبرازها حتى ألفت الاهتمام لها». من تفاصيل التطريز أو الخياطة التي قام الفنان بتفكيكها نصل إلى مفهوم أكبر وأعمق «عندما دمجت عناصر البشت مع البناء المعماري، أردت أن أقول إن الإنسان بلا وطن ليس بإنسان، وكذلك الوطن بلا إنسان لا يعتبر وطناً».

«مكتبة الذكريات»

طوابع لرسائل لم تصل
تلفتني أثناء الجولة ما يشبه الأطباق المعلقة وما يبدو وكأنه دوائر من الأوراق البيضاء تلتف حول طابع بريدي في منتصفها، يشير إلى أن العمل يحمل اسم «الطريق إلى مكة»، وهو عمل عرضه في فينيسيا وفي الدوحة. شيئاً فشيئاً تتبدى بعض التفاصيل في الصحون، ومع شرح الفنان تظهر لنا صورة العمل. الأصل في العمل هو الطوابع البريدية القديمة التي صاحبت رسائل حجاج ومعتمرين من وإلى الأراضي المقدسة لم تصل لأصحابها. من تلك الرسائل المهملة كوّن الفنان بأسلوب فني بديع أعمالاً متفردة وعميقة في معانيها. يشرح لنا أنه قام بتنسيق الطوابع بشكل يمثل صحن الطواف حول الكعبة وقام بوضع طابع في الوسط يحمل صورة الحرم المكي، حرص الفنان على قلب الطوابع الأخرى لتختفي معاملها وتصبح مثل قطع الفسيفساء أو قطع الرخام في أرضية صحن الطواف. يقول، إنه لم يقرأ الرسائل المغلقة ليحترم خصوصيتها «الرسائل خاصة لم أقرأها، وقلت إنها غير مكشوفة ويجب أن تظل كذلك».
صفوف الطوابع المبهمة الملامح يشبّهها الفنان بالمعتمرين الذين يطوفون حول الكعبة ويلهجون بالدعاء الذي يشبه رسائل للخالق «لا تفقد أي رسالة من المخلوق للخالق، كل الرسائل تصل، قد تكون هذه الرسائل الورقية ضلت طريقها ولكن ما تضمنته من رسائل للخالق وصلت».

مكتبة الذكريات
في مشاركته في أسبوع «مسك للفنون» قدّم الفنان عملاً آخر بعنوان «مكتبة الذكريات»، وبالفعل يقدم لنا مكتبة صوتية ومرئية مثل التي تواجدت في المنازل منذ سنوات طويلة، لا تضم أي قطعة حديثة، بل تتكون من شرائط فيديو قديمة وشرائط كاسيت لمغنين عاشوا في البال ولا يزالون. هي مكتبة للذكريات بحق، في كل شريط منها عمل فني أو غنائي ارتبط بحياة عشناها، أفلام ومسلسلات صاحبت ليالينا وأغنيات صدحت في الحفلات وليالي السمر.
نمرّ على كم هائل من الأشرطة تحمل أغلفتها صوراً لفنانين، أمثال حياة الفهد في مسلسل «خالتي قماشة» أو الحسين عبد الرضا في إحدى مسرحياته الشهيرة، أشرطة الكاسيت وصور فنان العرب محمد عبده وكوكب الشرق أم كلثوم. يبعث العمل في الذاكرة بالكثير والكثير من الذكريات. وهو ما يريده الفنان.
جمع الفنان عبر 8 سنوات 30 ألف شريط كاسيت وفيديو ليكوّن ما يطلق عليه «أرشيف موثق لما عرضه التلفزيون السعودي قبل 45 عاماً»: «أريد أن أحافظ على الإرث الثقافي والاجتماعي لمنطقة الخليج؛ فهو ذاكرتنا البصرية والسمعية».



السعودية تُعزز أمنها الصحي ببحث تصنيع أدوية بلجيكية محلياً

اجتماع وزير الصناعة والثروة المعدنية مع قيادات شركة «Pfizer» البلجيكية (الشرق الأوسط)
اجتماع وزير الصناعة والثروة المعدنية مع قيادات شركة «Pfizer» البلجيكية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تُعزز أمنها الصحي ببحث تصنيع أدوية بلجيكية محلياً

اجتماع وزير الصناعة والثروة المعدنية مع قيادات شركة «Pfizer» البلجيكية (الشرق الأوسط)
اجتماع وزير الصناعة والثروة المعدنية مع قيادات شركة «Pfizer» البلجيكية (الشرق الأوسط)

اجتمع وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر الخريّف، مع الرئيس التنفيذي للأسواق العالمية في شركة «Pfizer»، نيك لاغونوفيتش، وعدد من قياداتها خلال زيارته الرسمية الحالية إلى مملكة بلجيكا، وذلك لمناقشة سبل تعزيز التعاون الصناعي بين الجانبين، واستكشاف فرص توطين صناعة الأدوية واللقاحات في المملكة.

وناقش الاجتماع أوجه التعاون المشترك، وتبادل الخبرات، ونقل التقنيات المتقدمة في تصنيع اللقاحات والأدوية الحيوية إلى المملكة، وتعزيز التكامل في سلاسل الإمداد الدوائية، إضافة إلى تنمية الاستثمارات المشتركة في مشروعات نوعية تدعم مستهدفات الأمن الدوائي بالمملكة.

وزار الخريف وحدات تصنيع شركة «Pfizer» في بروكسل؛ حيث اطّلع على عرض تعريفي حول أعمال الشركة وأبرز استثماراتها ومساراتها التشغيلية في قطاع صناعة الأدوية واللقاحات.

واستعرض مسؤولو المصنع دوره المحوري في إنتاج اللقاحات والأدوية الحيوية على مستوى العالم، مؤكدين اهتمامهم بنقل تقنيات مماثلة إلى المصنع المزمع إنشاؤه في المملكة.

وعلى صعيد متصل، عقد الخريّف اجتماعاً ثنائياً مع رئيس شركة «Agfa HealthCare»، بحث فيه فرص التعاون في مجالات صناعة الأجهزة الطبية والحلول الصناعية المتقدمة.

كما زار المرافق الصناعية للشركة؛ حيث اطّلع على جهودها في تطوير حلول الأجهزة الطبية، وأنظمة إدارة البيانات الصحية الرقمية، وأحدث تقنياتها في مجال الأشعة الطبية، إضافة إلى قدراتها في إنتاج المواد الكيميائية المتخصصة، وأغشية الهيدروجين الأخضر.

وتأتي هذه الاجتماعات والجولات الميدانية ضمن زيارة وزير الصناعة والثروة المعدنية الرسمية إلى بلجيكا، التي تستهدف تعزيز الشراكات الاقتصادية، واستقطاب الاستثمارات النوعية، ونقل التقنيات المتقدمة في الصناعات الدوائية والطبية، بما يتسق مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للصناعة و«رؤية 2030».


القوات الإسرائيلية تتوغل في قرية بريف القنيطرة جنوب سوريا

صورة عامة لمدينة القنيطرة (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة لمدينة القنيطرة (أرشيفية - رويترز)
TT

القوات الإسرائيلية تتوغل في قرية بريف القنيطرة جنوب سوريا

صورة عامة لمدينة القنيطرة (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة لمدينة القنيطرة (أرشيفية - رويترز)

توغلت القوات الإسرائيلية، اليوم (الخميس)، في قرية صيدا الحانوت، بريف القنيطرة الجنوبي في جنوب سوريا.

وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) أن «قوة للاحتلال مؤلفة من 3 آليات عسكرية من نوع (همر) توغلت في القرية، وأقامت حاجزاً عند مدخلها الغربي، وفتشت المارة وعرقلت الحركة لفترة، ثم انسحبت من المنطقة».

وأشارت الوكالة إلى «توغل قوات الاحتلال مساء أمس في قرية أوفانيا، بينما أطلقت قنابل مضيئة وقذيفتين مدفعيتين باتجاه محيط تل الأحمر عين النورية، بريف القنيطرة الشمالي».


سائقو حافلات إسرائيلية عرب يروون تصاعد العنف ضدهم

يستقلّ راكب حافلة متجهة إلى ملعب «تيدي» خلال مباراة لنادي بيتار القدس لكرة القدم في حيّ المالحة في 31 يناير 2026 (أ.ف.ب)
يستقلّ راكب حافلة متجهة إلى ملعب «تيدي» خلال مباراة لنادي بيتار القدس لكرة القدم في حيّ المالحة في 31 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

سائقو حافلات إسرائيلية عرب يروون تصاعد العنف ضدهم

يستقلّ راكب حافلة متجهة إلى ملعب «تيدي» خلال مباراة لنادي بيتار القدس لكرة القدم في حيّ المالحة في 31 يناير 2026 (أ.ف.ب)
يستقلّ راكب حافلة متجهة إلى ملعب «تيدي» خلال مباراة لنادي بيتار القدس لكرة القدم في حيّ المالحة في 31 يناير 2026 (أ.ف.ب)

لم يكن فخري الخطيب يعلم أن مناوبته المسائية، بصفته سائق حافلة في غرب القدس، في أحد أيام يناير (كانون الثاني) ستنتهي بمقتل فتى يهودي وتوقيفه، في انعكاس لتصاعد العنف ضد سائقي الحافلات الإسرائيلية العرب.

في ذلك اليوم، وجد الخطيب حافلته محاصرة من عشرات الأشخاص حين كان يمرّ قرب مظاهرة لليهود المتدينين في القدس.

ويروي الفلسطيني المتحدّر من القدس الشرقية: «بدأ الناس يركضون نحوي ويصرخون: عربي عربي».

ويضيف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كانوا يشتمونني ويبصقون عليَّ، فشعرت بخوف شديد».

وحسب الخطيب، فإنه قام بالاتصال بالشرطة خوفاً على حياته، خصوصاً أن الأشهر القليلة الماضية شهدت زيادة في الاعتداءات على سائقي الحافلات الإسرائيلية العرب.

سائق يتجه إلى حافلته خارج ملعب «تيدي» خلال مباراة لنادي بيتار القدس لكرة القدم في حي المالحة 31 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وعندما لم تصل الشرطة خلال دقائق، قرّر الخطيب الفرار بحافلته بعيداً عن الحشد، لكنه يقول إنه لم ينتبه إلى أن الفتى يوسف آيزنثال (14 عاماً) كان متشبثاً بمقدمة الحافلة، فقتل عندما تحرّكت. وأوقف الخطيب.

في البداية، وجّهت الشرطة تهمة القتل العمد إلى الخطيب، قبل أن تخفّفها إلى القتل غير العمد نتيجة الإهمال. وفي منتصف يناير، انتهت فترة الإقامة الجبرية التي فرضت عليه، وهو ينتظر اليوم القرار الاتهامي النهائي.

وتُعدّ قصة الخطيب استثناءً، لكنها تُسلط الضوء على تصاعد العنف الذي يعانيه سائقو الحافلات، وتحديداً العرب في إسرائيل منذ سنوات.

ويقول السائقون إن الظاهرة التي تفاقمت منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تتواصل رغم اتفاق وقف إطلاق النار، متهمين الدولة بعدم القيام بما يكفي لوضع حدٍّ للعنف أو محاسبة الجناة.

وتمسّ هذه المشكلة بشكل رئيسي الأقلية العربية في إسرائيل التي تُمثّل 21 في المائة من السكان، ويعمل عدد كبير من أبنائها في قيادة الحافلات، ولا سيما في مدن مثل القدس وحيفا.

يستقلّ راكب حافلة متجهة إلى ملعب «تيدي» خلال مباراة لنادي بيتار القدس لكرة القدم في حيّ المالحة في 31 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تحطيم وإيذاء

ولا توجد أرقام رسمية توثق الاعتداءات ضد سائقي الحافلات في إسرائيل. لكن وفقاً لنقابة «قوة للعمال» التي تُمثّل نحو 5 آلاف من أصل نحو 20 ألف سائق حافلة في إسرائيل، شهد العام الماضي زيادة بنسبة 30 في المائة في الاعتداءات مقارنة بعام 2024.

في القدس وحدها، سجّلت النقابة 100 حالة اعتداء جسدي استدعت نقل السائق إلى المستشفى لتلقي العلاج.

أما الاعتداءات اللفظية، فتقول النقابة إنها كثيرة لدرجة يصعب حصرها.

ويقول سائقون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الاعتداءات غالباً ما تحصل خلال مباريات كرة القدم، مشيرين إلى أن مشجعي نادي بيتار القدس معروفون بقيامهم بأعمال عدائية ضد العرب.

وتفاقم الوضع إلى حدّ دفع مجموعة «نقف معاً» الإسرائيلية-الفلسطينية نهاية العام الماضي إلى تنظيم ما سمّته «حضوراً وقائياً» على الحافلات، في محاولة لردع عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

وفي إحدى ليالي أوائل فبراير (شباط)، صعد عدد من النشطاء إلى الحافلات خارج ملعب «تيدي» في القدس لتوثيق حوادث العنف ومحاولة تهدئة الأوضاع عند الضرورة.

يحيط رجال الإنقاذ بحافلة يُزعم أنها دهست مجموعة من الرجال اليهود المتشددين أثناء احتجاجهم على التجنيد الإجباري في الجيش الإسرائيلي في القدس بتاريخ 6 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ويقول الناشط إلياشيف نيومان: «نرى أحياناً أن الأمور تتصاعد إلى حدّ تحطيم النوافذ أو إيذاء سائقي الحافلات».

خارج الملعب، شاهد صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» مشجعين يركلون حافلة، ويصرخون في وجه سائقها.

وقال أحد السائقين الذي تحدّث -شريطة عدم الكشف عن هويته- إن وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير يتحمّل مسؤولية تأجيج العنف. وأضاف: «ليس لدينا مَن يدعمنا إلا الله».

تضامن

ويقول محمد هريش، وهو سائق حافلة ومن قادة نقابة «قوة للعمال»: «ما يؤلمنا ليس العنصرية فقط، بل طريقة تعامل الشرطة مع هذه القضية».

وينتقد هريش (39 عاماً) عدم حصول توقيفات رغم وجود أدلة مصوّرة على الاعتداءات، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من القضايا أُغلقت دون توجيه اتهامات. ولم تردّ الشرطة الإسرائيلية على طلبات «وكالة الصحافة الفرنسية» التعليق.

سائقو الحافلات في إسرائيل يقولون إن العنف العنصري ضد السائقين العرب قد تصاعد منذ بدء حرب غزة (أ.ف.ب)

في أوائل فبراير، أطلقت وزارة النقل وحدة أمنية تجريبية للحافلات في عدة مدن، من بينها القدس؛ حيث ستعمل فرق استجابة سريعة على دراجات نارية بالتنسيق مع الشرطة.

وقالت وزيرة النقل ميري ريغيف إن هذه الخطوة جاءت بعد أن «تجاوز العنف في وسائل النقل العام خطاً أحمر».

ويرحّب ميخا فكنين (50 عاماً)، وهو سائق حافلة إسرائيلي يهودي وقيادي في نقابة «قوة للعمال»، بهذه الخطوة بوصفها بداية.

وبالنسبة له ولزميله هريش، فإن التضامن بين السائقين اليهود والعرب في مواجهة الانقسام المتزايد يُعد أمراً حاسماً لإحداث تغيير.

ويقول فكنين: «سيتعيّن علينا أن نبقى معاً، وألا يتمّ التفريق بيننا».