فرنسا والأرجنتين... طريق شاق للوصول إلى النهائي

«الديوك» يبحثون استدعاء بنزيمة لدعم حظوظهم في الاحتفاظ باللقب... و«التانغو» ينتظر سحر ميسي وبراعة الشباب

مبابي ورقة فرنسا الرابحة خلال التدريبات حيث ينتظر مواجهة مصيرية بالنهائي (إ.ب.أ)
مبابي ورقة فرنسا الرابحة خلال التدريبات حيث ينتظر مواجهة مصيرية بالنهائي (إ.ب.أ)
TT

فرنسا والأرجنتين... طريق شاق للوصول إلى النهائي

مبابي ورقة فرنسا الرابحة خلال التدريبات حيث ينتظر مواجهة مصيرية بالنهائي (إ.ب.أ)
مبابي ورقة فرنسا الرابحة خلال التدريبات حيث ينتظر مواجهة مصيرية بالنهائي (إ.ب.أ)

من إحراز اللقب في موسكو قبل أكثر من أربعة أعوام إلى نهائي مونديال 2022 الأحد المقبل أمام أرجنتين الأسطورة ليونيل ميسي في الدوحة، عانى المنتخب الفرنسي من صدمات ومطبات واستدعاء غير متوقع لكريم بنزيمة وظهور جيل جديد محاط بمخضرمين مثل هوغو لوريس وأوليفييه جيرو.
وتشهد مباراة الأحد مواجهة من نوع خاص بين الساحر ميسي وزميله في باريس سان جيرمان جناح فرنسا المتألق كيليان مبابي. ويتطلع ميسي (35 عاماً) للتتويج بكأس العالم للمرة الأولى في مسيرته الرياضية مع منتخب الأرجنتين في آخر مونديال له – كما صرح - بينما سيحاول مبابي، الذي يصغره بـ12 عاماً، قيادة منتخب فرنسا للاحتفاظ باللقب الذي توج به في روسيا عام 2018.
ويتقاسم ميسي ومبابي صدارة قائمة هدافي المونديال الحالي بقطر، برصيد 5 أهداف لكل منهما، حيث يبتعدان بفارق هدف وحيد أمام أقرب ملاحقيهما الفرنسي أوليفييه جيرو.
وصام ميسي عن التسجيل في مباراة واحدة فقط في مبارياته الست التي خاضها في مسيرته بمونديال 2022، علماً بأنه أحرز 3 أهداف من ركلات جزاء من بين أهدافه الخمس في البطولة حتى الآن، فيما قدم 3 تمريرات حاسمة لزملائه. أما مبابي، فأحرز ثنائية أمام الدنمارك بمرحلة المجموعات وبولندا في دور الـ16، بالإضافة لهدف في شباك أستراليا خلال اللقاء الافتتاحي لفرنسا، لكنه لم يتمكن من هز الشباك خلال لقاء المغرب بالدور قبل النهائي وكذلك أمام تونس في آخر مباريات الفريق بدور المجموعات، التي شارك فيها كبديل في الدقيقة 73.
وانفرد ميسي بصدارة قائمة الهدافين التاريخيين لمنتخب الأرجنتين في كأس العالم (11 هدفاً) منذ بداية مسيرته في نسخة عام 2006 بألمانيا، متفوقاً بفارق هدف على المهاجم السابق غابرييل باتيستوتا.
وأصبح ميسي بحاجة لتسجيل هدف وحيد في النهائي، ليعادل عدد أهداف الأسطورة البرازيلي بيليه في كأس العالم، في حين سيشهد ظهوره الأخير يوم الأحد، انفراده بالرقم القياسي كأكثر اللاعبين خوضاً لمباريات كأس العالم، الذي يتقاسمه حالياً مع النجم الألماني المعتزل لوثار ماتيوس، بعدما لعب كل منهما 25 مباراة.

في المقابل، أحرز مبابي 9 أهداف في مشواره بكأس العالم حتى الآن، بعدما سبق له تسجيل 4 أهداف في المونديال الماضي بروسيا، ليتفوق على بيليه في عدد الأهداف التي أحرزها كل منهما قبل سن 24 عاماً.
وفي حال احتفاظ فرنسا بلقب المونديال، سيصبح مبابي أول لاعب بعد بيليه في عام 1962 يفوز بكأس العالم مرتين في سن 23 عاماً. ويحتل مبابي المركز الثاني حالياً في قائمة هدافي منتخب فرنسا التاريخيين بكأس العالم، حيث يتأخر بفارق 4 أهداف عن جوست فونتين (المتصدر)، الذي أحرز 13 هدفاً، جاءت جميعها بنسخة المسابقة عام 1958 بالسويد.
كان ميسي منذ فترة طويلة بمثابة الأيقونة للأرجنتين بلا منازع، لكن الضغوط كانت هائلة عليه، حتى قبل الخسارة المفاجئة التي تلقاها الفريق في أولى مبارياته بمونديال قطر أمام السعودية. لكن النجم الأسطوري عاد وأثبت أنه قادر على حمل بلاده لمستويات متقدمة سواء بأهدافه وتمريراته ليضع الأرجنتين في النهائي.
في المقابل مع غياب المهاجم المصاب كريم بنزيمة، كان هناك تركيز أكبر على مبابي في منتخب فرنسا، وبالفعل نجح اللاعب الشاب في إظهار قوته وتأثيره وكان له الفضل الكبير في وصول بلاده للنهائي رغم عدم ظهوره بالفاعلية المطلوبة أمام المغرب بنصف النهائي. وتبدو مسيرة فرنسا إلى نهائي المونديال القطري مثيرة وصعبة، عبر خلالها المنتخب بمطبات كثيرة.
وبعد الليلة المجنونة في 15 يوليو (تموز) 2018 على ملعب «لوجنيكي» في موسكو، عاش المنتخب الفرنسي خريفاً متضارباً ومن دون اهتمام حقيقي بمسابقة جديدة هي دوري الأمم الأوروبية التي خاضها «الديوك» بلا تجديد دماء باستثناء قدوم تانغي ندومبيلي، وفرلان مندي أو الحسن بليا.

ارتقى الفرنسيون إلى حد ما لمكانتهم كأبطال عالم لكنهم عرفوا بعض المطبات مثل السقوط أمام هولندا في دوري الأمم وتركيا في تصفيات كأس أوروبا (بنتيجة واحدة صفر - 2) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 ويونيو (حزيران) 2019.
هاتان المباراتان كلفتا غالياً الفرنسيين، إذ تسببت الأولى بحرمانهم من التأهل إلى المربع الأخير للمسابقة القارية الجديدة، والثانية في تنازلهم عن صدارة مجموعتهم في تصفيات كأس أوروبا 2020.
وفي خريف 2019، استولت الكآبة على «الديوك» بسبب الفشل الهجومي، ففاجأ المدرب ديدييه ديشامب الجميع مساء مباراته رقم 100 كمدرب ضد ألبانيا (2 - 0)، باختيار تكتيك غير مسبوق مع ثلاثة مدافعين من أجل وضع مهاجميه في أفضل الظروف الممكنة. التجربة أعطت ثمارها وعاد أنطوان غريزمان ليصبح «متألقاً» مرة أخرى بحسب المدرب. ثم تدخلت جائحة كورونا لتعلق كرة القدم الدولية لقرابة عشرة أشهر.
عند الاستئناف، حصلت المفاجأة: عاد ديشامب ليستدعي أدريان رابيو المبعد عن المنتخب منذ رفضه أن يكون على لائحة الاحتياطيين لمونديال 2018، ونجح لاعب وسط يوفنتوس الذي يعتبر البديل الطبيعي لبليز ماتويدي، في فرض نفسه سريعاً في الفريق المثالي لفرنسا، على غرار التشكيلة الحالية لمونديال قطر 2022.
سقط «الديوك» في مباراة ودية ضد فنلندا (0 - 2) لكنهم حققوا حملة ناجحة في دوري الأمم (خمسة انتصارات وتعادل واحد)، مع مباراة مرجعية خلف أبواب موصدة في البرتغال (1 - 0) بفضل هدف نغولو كانتي.
قبل أشهر قليلة من كأس أوروبا التي تأجلت من 2020 إلى صيف 2021 بسبب فيروس كورونا، برزت فرنسا كمرشحة طبيعية للفوز باللقب، لا سيما مع ظهور وجوه جديدة جددت دماء التشكيلة مثل: دواردو كامافينغا، دايو أوباميكانو، الحارس مايك مينيان وماركوس تورام.
وفي 18 مايو (أيار) 2021 كان قرار ديشامب المفاجئ بإعادة استدعاء كريم بنزيمة بعدما استبعده طيلة خمسة أعوام ونصف العام بسبب «قضية ابتزاز» للاعب الدولي السابق ماتيو فالبوينا. أفاد ديشامب في حينها «أضع قضيتي الشخصية جانباً» لأن «خياراتي تستند إلى مصلحة المنتخب الفرنسي».
وفي مباراته الثانية بعد العودة، خرج بنزيمة من الملعب أمام بلغاريا (3 - 0) بسبب الإصابة، ليحل بدلاً عنه منافسه التاريخي أوليفييه جيرو الذي سجل ثنائية وأشعل النار خلف الكواليس بتصريح موجه إلى زميله كيليان مبابي ينتقد فيه عدم حصوله على «كرات جيدة» خلال المباراة.

الفاريز مفاجأة الأرجنتين بالمونديال القطري (إ.ب.أ)  -  غريزمان تألق في دوره الجديد وبات ورقة رابحة لفرنسا (أ.ب)

وقعت فرنسا في «مجموعة الموت» خلال كأس أوروبا، فتغلبت على ألمانيا ثم تعادلت مع المجر والبرتغال. حلت أولى في المجموعة لتواجه سويسرا التي بدت في طريقها للخسارة في ثمن النهائي أمام جارتها لكنها عادت من بعيد وأدركت التعادل 3 - 3 في الوقت القاتل، لتفرض شوطين إضافيين ثم ركلات الترجيح التي ابتسمت لها لينتهي بذلك مشوار أبطال العالم.
ولأول مرة منذ تسلمه المنصب، لم يمدد ديشامب عقده لما بعد كأس العالم 2022، كان يعلم أن مستقبله سيعتمد على نهائيات قطر 2022. ورد ديشامب على المشككين به، وبخطته التكتيكية الجديدة نجح الفريق في قلب تخلفه 0 - 2 أمام بلجيكا في نصف نهائي دوري الأمم الأوروبية إلى فوز قبل أن يتخطى إسبانيا في النهائي 2 - 1 بعدما كان متخلفاً أيضاً.
وبمساهمته بهدفين في هاتين المباراتين، احتفل بنزيمة بأول تتويج له مع «الديوك».
ورغم الاختلالات الدفاعية، يبدو أن روح موسكو تطفو على السطح مجدداً مع بروز نجم لاعبين لا غنى عنهما في التشكيلة الأساسية: تيو هرنانديز وأوريليان تشواميني.
وبعد سلسلة من سبعة انتصارات متتالية، حصلت الانتكاسة خلال تجمع يونيو، بسبب كثرة الإصابات التي تسببت بإنهاء رجال ديشامب الموسم بهزيمتين وتعادلين.
في سبتمبر (أيلول) ووسط استمرار مشاكل الإصابات، سقط الفرنسيون مرة ثانية أمام الدنمارك صفر - 2 بعد الأولى 1 - 2 في يونيو، ما دفع ديشامب للتخلي عن خطة اللعب بثلاثة لاعبين في قلب الدفاع ضمن رؤيته لمونديال قطر.
وكانت الاستعدادات لكأس العالم مصحوبة بالشكوك بسبب لعنة الإصابات التي حرمت «الديوك» من جهود وبول بوغبا، ونغولو كانتي، وكريم بنزيمة، وكريستوفر نكونكو، وبريسنيل كيمبيمبي، ومايك مينيان.
ثم وفي أول مباراة في النهائيات، انضم لوكا هرنانديز إلى اللائحة بعد إصابته في الفوز الافتتاحي على أستراليا (4 - 1) الذي أتبعه الفرنسيون بانتصار مقنع على الدنمارك (2 - 1)، قبل أن يريح ديشامب أساسييه ما تسبب بالسقوط في الجولة الأخيرة أمام تونس (0 - 1).
عاد الأساسيون إلى التشكيلة في ثمن النهائي ضد بولندا ليساهموا في فوز مريح 3 – 1، قبل المعاناة في ربع النهائي لتخطي إنجلترا 2 - 1 عندما أهدر هاري كين ركلة جزاء كانت ستجر فرنسا إلى وقت إضافي على أغلب الظن.
وفي نصف النهائي، بكر الفرنسيون بالتسجيل في مرمى المغرب عبر المدافع تيو هرنانديز، قبل أن يحسم البديل راندال كولو مواني بطاقة التأهل حيث تنتظرهم الأرجنتين في نهائي ناري هو الرابع في تاريخ المنتخب.
من جهته، أثبت أنطوان غريزمان مجدداً أنه اللاعب المتفاني لفريقه بعد أداء مثمر جديد ساهم في وصول فرنسا للنهائي.
وإذا كان هدفا هرنانديز والبديل مواني صنعا الفارق في مواجهة المغرب، فإن غريزمان هو من لفت الأنظار بالملعب. ولم يسجل مهاجم أتلتيكو مدريد أي هدف في المونديال القطري، لكنه صنع العديد من الفرص بعد تغيير مركزه ليلعب أكثر في العمق كصانع للهجمات، بل وأيضاً في وسط اللعب الدفاعي، معوضاً غياب كل من بول بوغبا ونغولو كانتي المصابين.
ونال غريزمان في دوره الجديد جائزة رجل المباراة ضد المغرب، وعقّب بعدها قائلاً: «أتمتع بحالة بدنية وذهنية جيدة، أحاول مساعدة الفريق قدر المستطاع». وعن مواجهة ميسي في النهائي قال: «أي فريق يوجد به ميسي سيكون في وضع مختلف، شاهدنا أداء الأرجنتين ونعرف طريقتها، إنه منافس صعب وسيكون في قمة مستواه.
يملك فريقاً قوياً ويحظى بدعم جماهيري كبير، لكن يمكننا صناعة التاريخ، ستكون 90 دقيقة طويلة جداً أو أكثر، يجب أن نتحلى بالثبات».
في المقابل، دخلت الأرجنتين البطولة بعد 36 مباراة دون هزيمة وكان آخر ما توقعه فريق المدرب ليونيل سكالوني هو أن يعاني من أكبر صدمة في تاريخ كأس العالم عندما خسروا 2 - 1 من السعودية. لكن الأرجنتين التي سبق لها الخسارة في مباراتها الافتتاحية أمام الكاميرون في 1990 قبل أن تبلغ النهائي، عرفت كيف تتغلب على الصدمة الأولى في الدوحة ونجحت بفضل الساحر ميسي في الوصول لمباراة الكأس الختامية. ومع عدم حصوله على كأس العالم حتى الآن لم يتوقع البعض أن يصل ميسي للمكانة الأسطورية لمواطنه الراحل دييغو مارادونا وربما يتعداه إذا حمل منتخب بلاده لمنصة التتويج الأحد.
وبعد أن أهدر فرصة حمل كأس العالم قبل 8 سنوات بمونديال البرازيل بالخسارة أمام ألمانيا في النهائي بهدف قاتل بعد وقت إضافي، يأمل ميسي اغتنام الفرصة التي قد تكون الأخيرة له مع منتخب بلاده في المعترك العالمي لكي يتوج باللقب.


مقالات ذات صلة

ألميرون... أول لاعب يُطرد بقانون «تغطية الفم»

رياضة عالمية الباراغوياني ميغل ألميرون وحسرة كبيرة بعد طرده (أ.ف.ب)

ألميرون... أول لاعب يُطرد بقانون «تغطية الفم»

بات الباراغوياني ميغل ألميرون أول لاعب بتاريخ كأس العالم لكرة القدم يطرد لتغطية الفم خلال حديثه مع لاعب آخر، وذلك قبل نهاية الشوط الأول من مباراة بلاده مع تركيا

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
رياضة عالمية كارلو أنشيلوتي مدرب البرازيل (أ.ف.ب)

أنشيلوتي: نيمار سيكون متاحاً أمام اسكوتلندا

أكد كارلو أنشيلوتي أن نجم وقائد الفريق نيمار دا سيلفا من المتوقع أن يعود من إصابة عضلة الساق التي يعاني منها، ويلعب مع المنتخب مباراته الأخيرة بدور المجموعات

«الشرق الأوسط» (فيلادلفيا )
رياضة عالمية غالارزا يزيح الصيباري ... ويخطف أسرع أهداف مونديال 2026

غالارزا يزيح الصيباري ... ويخطف أسرع أهداف مونديال 2026

سجل ماتياس غالارزا لاعب منتخب باراغواي أسرع أهداف النسخة الحالية من بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، المقامة في الولايات المتحدة، والمكسيك، وكندا.

رياضة عالمية المشجعون يتساءلون عن حظوظ منتخباتهم في المونديال (أ.ب)

مونديال 2026: ما هو الحد الأدنى من النقاط للتأهل إلى الدور 32؟

مع اتضاح الملامح بعض الشيء في مجموعات المونديال، يبدأ استخدام الآلات الحاسبة لتحديد الحد الأدنى المطلوب للتأهل إلى دور 32.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية كونيا يحتفل مع فينيسيوس بعد هدفه الثاني في هايتي (أ.ف.ب)

السامبا البرازيلية تعزف بثلاثية في شباك هايتي

قاد فينيسيوس جونيور وماتيوس كونيا منتخب البرازيل إلى تصحيح مساره بعد تعادل أمام المغرب في مستهل مشواره ضمن كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (فيلادلفيا)

بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
TT

بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)

أعاد الإيطالي فابيو كانافارو رسم ملامح مسيرته المهنية بالعودة إلى الواجهة المونديالية بعد مرور عقدين كاملين على ليلته التاريخية في برلين عام 2006، ولكن هذه المرة من المقعد الفني مديراً فنياً لمنتخب أوزبكستان في كأس العالم 2026. لم يكن جلوس كانافارو على المقاعد الفنية لمنتخب أوزبكستان مجرد حدث عابر في أروقة المونديال الحالي، بل هو تلاقٍ تاريخي بين جيلين وثقافتين يفصلهما عقدان من الزمان وعامران بالأمجاد الكروية، المدافع الذي قاد كتيبة «الأزوري» للتتويج بالذهب العالمي في برلين عام 2006، والذي ارتدى قميص بلاده في 136 مباراة دولية تاريخية، يعود اليوم إلى المعترك العالمي متسلحاً برصيد أسطوري يضعه كآخر مدافع في التاريخ يجمع بين الكرة الذهبية وجائزة أفضل لاعب في العالم في عام واحد.

فابيو كانافارو يحتفل بتتويج إيطاليا بكأس العالم 2006 (أ.ف.ب)

هذا الحصاد الكروي الهائل الذي بناه كانافارو عبر محطات عملاقة في نابولي، وبارما، ويوفنتوس، وريال مدريد تحول اليوم إلى مادة تعليمية دسمة وتكتيك صارم يلقنه للاعبي أوزبكستان، بهدف كسر رهبة الظهور الأول في التاريخ للذئاب البيضاء في نهائيات كأس العالم

هذه المفارقة الزمنية تعزز من القيمة التكتيكية والإعلامية التي تبحث عنها أوزبكستان لإثبات حضورها بين كبار اللعبة، معتمدة على عقلية بطل عالم سابق يعرف جيداً كيف تُدار المعارك الاستراتيجية الكبرى فوق المستطيل الأخضر.

ظهور تاريخي فوق العشب المكسيكي

فابيو كانافارو يوجه لاعبيه خلال المباراة (أ.ب)

سجل كانافارو ظهوره التدريبي الأول على خط التماس المونديالي في مواجهة مثيرة جرت على أرضية ملعب «أزتيكا» العريق بالمكسيك، واصطدم المنتخب الأوزبكي بطموح ونضج نظيره الكولومبي، لينتهي اللقاء بخسارة أوزبكستان بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد لحساب المجموعة الحادية عشرة. ورغم الفارق الفني الواضح الذي أظهره الجناح الكولومبي لويس دياز، فإن بصمة المدافع الإيطالي ظهرت جلياً في التنظيم الدفاعي الصارم، حيث اعتمد على طريقة ثلاثة مدافعين في الخلف لتطبيق دفاع الخط العالي والحد من خطورة خاميس رودريغيز ومنع الاختراقات العميق لوسط الميدان.

لغة الأرقام التكتيكية... تفاصيل الملحمة الافتتاحية لـ«الذئاب البيضاء»

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (إ.ب.أ)

أظهرت إحصائيات المباراة الافتتاحية لمنتخب أوزبكستان تحت إشراف كانافارو ملامح أسلوبه الذي يحاول غرسه في عقول لاعبيه، حيث اعتمد الفريق على إغلاق المساحات والارتداد السريع، مما جعل نسبة الاستحواذ تميل للمنافس الكولومبي بسبع وستين في المائة مقابل ثلاثة وثلاثين في المائة للذئاب البيضاء، وعلى مستوى التمرير، نجح لاعبو أوزبكستان في إكمال مائتين وأربع وستين تمريرة ناجحة من أصل ثلاثمائة وثلاثين محاولة، بنسبة دقة بلغت ثمانين في المائة، مع القيام بسبع تسديدات كاملة نحو المرمى أسفرت إحداها عن تسجيل النجم الشاب عباس بيك فايزولاييف الهدف التاريخي الأول لبلاده في المونديال.

حسابات المجموعة... رهان التأهل قائم في الجولات المقبلة

كانافارو (رويترز)

لم تُغلق خسارة الجولة الأولى باب الآمال أمام المنتخب الأوزبكي في حسابات التأهل عن المجموعة؛ إذ تظل الفرصة سانحة للتعويض والتمسك بحظوظ العبور إلى الأدوار الإقصائية بناءً على النظام الحالي للبطولة. وينتظر منتخب أوزبكستان اختبارين مصيريين في قادم الأيام، حيث يواجهون منتخب البرتغال المدجج بالنجوم في مدينة هيوستن يوم الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) الحالي، قبل الانتقال إلى مدينة أتلانتا في السابع والعشرين من الشهر ذاته لخوض المواجهة الحاسمة ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية لتحديد الترتيب النهائي للمجموعة.


«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً
TT

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

يشهد التاريخ الرياضي المعاصر كتابة فصول استثنائية فوق الملاعب الأميركية، حيث لم يعد التقدم في السن حائلاً دون معانقة المجد المونديالي، إذ فتحت بطولة كأس العالم 2026 أبوابها الحصرية لتدشين حقبة كروية غير مسبوقة يتصدرها «نادي الأربعين». لعقود طويلة، ظل الأسطورة الكاميروني روجيه ميلا محتفظاً بلقب «الظاهرة النادرة» بوصفه لاعب الساحة الوحيد الذي تجاوز هذا الحاجز السني في نهائيات كأس العالم، إلا أن هذه الهيمنة الفردية تلاشت تماماً في المونديال الحالي بعد انضمام ثلاثة من أبرز عمالقة العصر الحديث، ليتحول الصراع التقليدي بين الأجيال إلى استعراض علني لصلابة الجسد والالتزام الاحترافي، متجاوزاً حسابات الزمن الجافة وصعوبة المنافسة في أعلى المستويات العالمية.

روجيه ميلا... الأب الروحي لـ«المعجزة الأفريقية» وصاحب الرقصة الخالدة

الكاميروني روجيه ميلا (ويكيبيديا)

لا يمكن الحديث عن صمود الأربعين دون العودة إلى الجذور التي غرسها القناص الكاميروني روجيه ميلا، الذي يظل الأيقونة الكلاسيكية الملهمة لهذا النادي التاريخي. ففي مونديال الولايات المتحدة عام 1994، وفوق الملاعب ذاتها التي تستضيف الحدث الحالي، نجح ميلا في هز شباك المنتخب الروسي وهو بعمر 42 عاماً و39 يوماً، مرتدياً قميصه الأخضر الشهير رقم 9 ومتوجاً بلقب أكبر هداف في تاريخ كأس العالم. رقصة ميلا الشهيرة عند راية الركنية لم تكن مجرد احتفال عابر، بل كانت إعلاناً رسمياً لولادة مفهوم جديد للياقة البدنية عند المهاجمين الأفارقة، وشرارة الأمل الأولى التي أثبتت للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والعالم أجمع أن الشغف باللعبة قادر على ترويض أحكام الشيخوخة الرياضية.

رونالدو في النسخة السادسة... حضور قيادي يزن ذهباً

المخضرم كريستيانو رونالدو قائد منتخب البرتغال (إ.ب.أ)

رغم شح التهديف تتجه الأنظار بالدرجة الأولى نحو البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي بات يمثل واجهة هذا النادي الاستثنائي بظهوره التاريخي في نسخته المونديالية السادسة، محققاً رقماً قياسياً كأكبر لاعب ساحة يشارك أساسياً بعمر 41 عاماً و132 يوماً، ورغم أن ظهوره في الملحمة الافتتاحية لمنتخب بلاده أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، كشف عن تراجع نسبي في مساهماته التهديفية المعتادة باكتفائه بلمس الكرة 25 مرة داخل الملعب منها 5 لمسات فقط في منطقة الخصم، فإن وجود القائد صاحب القميص رقم 7 يظل ثقلاً تكتيكياً ونفسياً لا غنى عنه في حسابات المدرب والجماهير البرتغالية على حد سواء.

لوكا مودريتش... مهندس «التمرير المثالي» الذي لا يشيخ

المخضرم لوكا مودريتش قائد منتخب كرواتيا (رويترز)

في وسط الميدان وفي السياق نفسه من الإبهار الكروي، يقف الساحر الكرواتي لوكا مودريتش علامة فارقة أخرى تتحدى أحكام السنين. قاد مودريتش، البالغ من العمر 40 عاماً و9 أشهر و8 أيام، خط وسط كرواتيا بقميصه رقم 10 في مواجهة عاصفة ضد إنجلترا انتهت بخسارة فريقه بأربعة أهداف مقابل هدفين. وعلى مدار 58 دقيقة أمضاها فوق العشب الأخضر قبل استبداله، قدم النجم المخضرم درساً بليغاً في هندسة التمرير محققاً نسبة دقة بلغت 100في المائة في تمريراته، ومثبتاً للجميع أن الرؤية الكروية الفذة والقدرة على التحكم بالإيقاع لا تفقدان بريقهما، بل تزدادان نضجاً وعمقاً مع تقدم الأعمار والخبرات المتراكمة.

إدين دجيكو يكمل المربع الذهبي

إدين دجيكو قائد منتخب البوسنة المخضرم (د.ب.أ)

واكتملت أركان هذا المربع الذهبي النادر بالهجومات البدنية الشرسة التي خاضها البوسني المخضرم إدين دجيكو، ليصبح الاسم الرابع في هذا المحفل المونديالي الموقر. دجيكو، الذي ارتدى قميصه رقم 11 مدافعاً عن ألوان البوسنة والهرسك أمام سويسرا في اللقاء الذي انتهى بخسارة فريقه بأربعة أهداف لهدف، ظهر فوق أرضية الملعب لمدة 63 دقيقة كاملة. ورغم نيل الهداف البوسني بطاقة صفراء نتيجة التنافس البدني القوي، فإن دقة تمريراته ومحاولاته المستمرة أعادت للأذهان الروح التاريخية لميلا.


أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً
TT

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

يمثل مونديال 2026 محطة تاريخية استثنائية كُسرت فيها المفاهيم التقليدية حول السن المناسبة للعطاء في عالم التدريب، حيث نجح أربعة مدربين مخضرمين في تحطيم الرقم القياسي لأكبر المديرين الفنيين سناً في تاريخ كأس العالم خلال الأيام الأولى فقط من انطلاق البطولة.

وأثبت هذا الحرس القديم أن حنكة السنين والتمرس التكتيكي يتفوقان أحياناً على حماس الشباب، ليعيدوا صياغة التاريخ الرياضي على الملاعب الأميركية بمدارس كروية متنوعة وقصص ملهمة للجيل الحالي.

وفيما يلي رصد شامل وتفصيلي لهؤلاء الأساطير الأربعة الذين قادوا منتخباتهم بخبرة العقود:

ديك أدفوكات... العراف الهولندي وعميد مدربي المونديال التاريخي

مدرب كوراساو ديك أدفوكات يحيي الجماهير بعد المباراة (رويترز)

تربع المدير الفني لمنتخب كوراساو، الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، على عرش المدربين الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم منذ تأسيسها، حيث يخوض غمار البطولة الحالية بعمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً وثمانية أشهر. وحطم أدفوكات بهذا العمر الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً باسم الألماني أوتو ريهاغل في مونديال 2010.

ولا يقتصر إنجاز الأسطورة الهولندي عند حدود السن، بل يمتد إلى نجاحه في قيادة منتخب الجزيرة الكاريبية الصغيرة لتأهل إعجازي غير مسبوق في تاريخهم، ليسجل مشاركته المونديالية الثالثة مع ثلاثة منتخبات مختلفة بعد مسيرته السابقة مع هولندا عام 1994 وكوريا الجنوبية عام 2006.

ميروسلاف كوبيك... الصرامة التشيكية في الهرم التدريبي

مدرب منتخب جمهورية التشيك ميروسلاف كوبيك (إ.ب.أ)

يأتي المدرب التشيكي ميروسلاف كوبيك في المرتبة الثانية مباشرة ضمن قائمة حكماء المونديال، حيث يقود منتخب بلاده التشيك في محفل كأس العالم الحالية بعمر يبلغ أربعة وسبعين عاماً وتسعة أشهر. ويعد كوبيك نموذجاً حياً للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ نجح في بناء توليفة فنية قوية تمزج بين الاندفاع البدني والتوازن الدفاعي المنظم. وحفر كوبيك اسمه في السجلات التاريخية كونه تخطى أيضاً الرقم السابق لريهاغل، ليثبت للشارع الرياضي العالمي أن العطاء الفكري والقدرة على إدارة المجموعات داخل غرف الملابس لا يرتبطان بتقدم العمر.

هوغو بروس... ثعلب القارة السمراء وقائد نهضة بافانا بافانا

مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس (إ.ب.أ)

سجل البلجيكي هوغو بروس حضوراً لافتاً في النسخة الحالية من المونديال وهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً وشهرين، متولياً القيادة الفنية لمنتخب جنوب أفريقيا. ونجح بروس في إعادة منتخب «الأولاد» إلى الواجهة العالمية بعد غياب طويل من خلال فرض أسلوب لعب يتسم بالهدوء البناء والتحولات السريعة على أرضية الملعب. وافتتح بروس مشواره بالبطولة برسم ملامح شخصية قوية لفريقه مستفيداً من كاريزمته العالية وخبرته الطويلة في الملاعب الأفريقية والدولية، مما جعله أحد أبرز الوجوه التدريبية التي تحظى باحترام واسع من وسائل الإعلام والجماهير.

كارلوس كيروش... الخبير البرتغالي وملك الأرقام القياسية

كارلوس كيروش (أ.ب)

دَوّن البرتغالي كارلوس كيروش اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة بعد أن أصبح أكبر مدرب يحقق فوزاً في مباراة بتاريخ كأس العالم، وذلك إثر قيادته لمنتخب غانا في الجولة الأولى بعمر ثلاثة وسبعين عاماً. ويعتبر كيروش ظاهرة تدريبية فريدة من نوعها كونه يخوض المونديال الخامس في مسيرته الاحترافية، بعدما قاد سابقاً منتخب البرتغال في نسخة 2010 ومنتخب إيران في ثلاث نسخ متتالية بين عامي 2014 و2022. ويتميز البرتغالي بقدرته الفائقة على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات، وهو ما ظهر بوضوح في إدارته التكتيكية للمباراة الافتتاحية لغانا بالبطولة الحالية.