خامنئي يملي على الشعراء ما يجب أن يقولوا وإلا فهم خونة

وضع ما سماه «خطة شاملة لتطوير الشعر في الجمهورية الإسلامية»

خامنئي
خامنئي
TT

خامنئي يملي على الشعراء ما يجب أن يقولوا وإلا فهم خونة

خامنئي
خامنئي

«هناك أيادٍ تعمل لتحيد بشعرائنا الشباب بعيدا عن مهمتهم الثورية البطولية، وتضعهم في خدمة ثقافة فاسدة»، هكذا كشف آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، الاثنين الماضي عن أحدث مخاوفه. وفقا للمرشد الأعلى، يريد «متآمرون» مجهولون أن يكتب الشعراء الإيرانيون عن «الرغبات الجنسية، والجمال الجسدي والمكاسب الشخصية وحتى مدح القسوة».
كان خامنئي يخاطب مجموعة من الشعراء في واحدة من الفعاليات التي ينظمها كل عام ويكون الحضور فيها للمدعوين فقط. حدد خامنئي، وهو نفسه شاعر رغم أنه يخجل حتى الآن من إظهار أعماله خارج نطاق دوائر صغيرة، خريطة طريق لما وصفه بـ«خطة شاملة لمزيد من تطوير الشعر في الجمهورية الإسلامية».
وطالب الحكومة بتوفير الموارد اللازمة لتشجيع الشعراء على البعد عن «الموضوعات التافهة، مثل الجمال الجسدي والحب. وينبغي للشاعر الإسلامي المعاصر»، بحسب اعتقاده، أن يستخدم الشعر كـ«سلاح في حرب الحق ضد الباطل».
لا يزال بعض الشعراء يكتبون عن شعر وأعين وجسد المحبوب ويصورون مشاهد الفرح عندما يلتقي العاشقون ليشربوا ويرقصوا ويشعروا بالمرح، ولكن هذا ليس هو نوع الشعر الذي تريده الحركة الإسلامية، التي تربت على فكرة الجهاد والشهادة.
قال آية الله: «الشعر الذي نريده لا بد أن يكون في خدمة أهداف الثورة.. اليوم، وحدهم الشعراء الذين يهدفون لقيادة الأمة إلى ساحة المعركة ضد الطغيان، هم من يعتبرون من ذوي القيمة». وأضاف آية الله: «في هذا السياق، تقتضي الحاجة بوجه خاص قصائد عن اليمن والبحرين ولبنان وغزة وفلسطين وسوريا».
ويلفت آية الله إلى أنه، من بواعث الأسف، أن شعراء إيرانيين قلائل هم من يكتبون عن هذه «الموضوعات الحيوية». ولكن الأسوأ رغم هذا، أن بعض الشعراء قد تم استدراجهم إلى الوقوف في صف «جبهة الباطل» وهم في هذه الحالة مذنبون بـ«جريمة وخيانة» وليس لهم مكان في الجمهورية الإسلامية.
في الواقع، خامنئي ليس أول حاكم لإيران يكون الشعراء في مشكلة معه، فعلى مدار 12 قرنا كان الشعر أداة التعبير الأساسية بالنسبة إلى الشعب الإيراني. وقد تكون إيران البلد الوحيد الذي ليس به بيت واحد إلا وفيه ديوان شعر واحد على الأقل.
في البداية، مر الشعراء الفارسيون بفترة عصيبة لتعريف مكانهم في المجتمع. كانت تساور الحكام الذين تحولوا حديثا إلى اعتناق الإسلام شكوك بأن الشعراء يحاولون إحياء الديانة الزرادشتية لتقويض الدين الجديد. ورأى رجال الدين في الشعراء أناسا يرغبون في الحفاظ على اللغة الفارسية كلغة حية ومن ثم تخريب اللغة العربية كلغة مشتركة جديدة. ومن دون الشعراء الفارسيين الأوائل، ربما كان قد انتهى الأمر بالإيرانيين مثل كثير للغاية من الأمم الأخرى في الشرق الأوسط التي فقدت لغاتها الأصلية وأصبحت ناطقة بالعربية.
وقد طور الشعراء الفارسيون مبكرا استراتيجية لكبح جماح تشدد الحكام والملالي، حيث بدأوا كل قصيدة بمديح الله والرسول ثم يعقبون ذلك بمديح للحكام المعاصرين. وبمجرد الانتهاء من «تلك الالتزامات» ينتقلون إلى الموضوعات الحقيقية للقصائد التي يرغبون بنظمها.
كان الجميع يعرف أنها خدعة، ولكن الجميع كانوا يقبلون النتيجة لأنها جيدة.
وعلى رغم هذه التسوية فقد انتهى الحال ببعض الشعراء إلى السجن أو المنفى، بينما قضى آخرون كُثر حياتهم في مشقة، إن لم يكن في عوز. ومع هذا، فلم يكن السيف يسلط على رقاب الشعراء أبدا. ونظام الخميني هو أول نظام في تاريخ إيران يقوم بإعدام كل هذا العدد من الشعراء.
وسواء بالتلميح أو التصريح، كان بعض الحكام يبينون بوضوح الخطوط الحمراء أمام الشعراء، لكنهم لم يحلموا أبدا بأن يملوا على الشاعر ماذا عليه أن يكتب، وخامنئي هو أول من يحاول أن يملي على الشعراء ما يقولون، ويتهمهم بـ«الجريمة» و«الخيانة» إذا ما أداروا ظهورهم لتعليماته.
إن فكرة استغلال الشعر كسلاح لخدمة آيديولوجية معينة ليست بجديدة، ففي الاتحاد السوفياتي الغابر كان يتم تقديم هذه الفكرة تحت شعار «الواقعية الاشتراكية» في خدمة ثورة البروليتاريا العالمية. وكان اثنان من مستشاري ستالين الأدبيين، وهما أندريه زادانوف وأليكساندر فاديف يروجان للنظرية القائلة بأنه قبل الشيوعية لم يكن الأدب الإنساني سوى «ضباب من الخرافات والأكاذيب» يخدم الإقطاع، وفي وقت لاحق، النظام الرأسمالي البرجوازي.
وكتب فادييف يقول إن «الإكليشيه أو المقولة الشائعة عن الفن من أجل الفن ما هي إلا خدعة برجوازية لحرمان الكادحين من استخدام الأدب كسلاح في الصراع الطبقي».
وقد وقع كثيرون، من بينهم بعض الشعراء الحقيقيون من أمثال فلاديمير ماياكوفسكي، لفترة من الزمن في غواية الواقعية الاشتراكية.
ولكنه سرعان ما أدرك ماياكوفسكي أن «التكليف» جاء من المندوبين السوفيات وليس الشعب، ما دفع به للانتحار.
لم تنتج واقعية ستالين الاشتراكية أي أعمال أدبية باقي، فحتى ماياكوفسكي بات طي النسيان الآن. وبدلا من هذا، فإن شعراء «البرجوازية» و«الثورة المضادة» مثل مانديلستام وأخماتوفا وباستيرناك وتسيفيايفا، وصديقي الراحل جوزيف برودسكي يظلون نجوما مضيئة في سماء الشعر الروسي.
وبعد أربعة عقود خلت على قيام الملالي بتكوين الجمهورية الخمينية، فإن ثورتهم لم تنجب شاعرا واحد يستحق لقب الشاعر.
ولم ينتج الخميني وخامنئي، وكلاهما من الشعراء الهواة، أي شيء إلا أعمال محاكاة محرجة بوضوح لشعر الغزل الكلاسيكي من دون أن تحمل شيئا من بهاء هذا الشعر.
في المنفى يعيش كل من تبقى من الشعراء الكبار من عهد ما قبل الثورة ومن بينهم هوشانغ ابتهاج ومانوشهر يكتاي، ويد الله رويعي وإسماعيل خوي ومحمد جلالي وهادي خورسندي.
أما في داخل إيران، فقد أعدم النظام بعض الشعراء الشباب الواعدين من أمثال سعيد سلطان بور وحيدر مهريغان، ومؤخرا جدا، هشام شعباني، ولكن هؤلاء حازوا على شعبية بعد مماتهم أكثر من أي شاعر مرحب به من جانب النظام.
وفي نفس الوقت، فإن جميع الشعراء الإيرانيين، من القرن التاسع إلى يومنا هذا، إما خاضعون للرقابة، أو في حالات نادرة، محظورون بشكل كامل من قبل الملالي. ومعظم شعراء المائة سنة الأخيرة مدرجون على قوائم سوداء كثيرة من إعداد الوزارة المسماة على نحو متناقض بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
ومع هذا، يطالب خامنئي الحكومة بتجهيز خطة، وتخصيص الموارد، وزيادة إنتاج الشعر، كما لو كانوا أجهزة الطرد المركزي التي تنتج اليورانيوم المخصب.
من جهته، تساءل فيريدون موشيريني، وهو واحد من أشهر شعراء إيران ما بعد الثورة: «كيف لأي إنسان أن يقول لي أي القصائد أكتب، بينما أنا نفسي لا أعرف ما أكتب حتى انتهي من كتابته؟». ومضى يقول: «الشاعر لا يعمل بمقتضى خطة. إن ملاكا غير مرئي يسيطر عليه، يوجهه إلى المكتب ويدفعه للكتابة».
ومهما يكن أمر من تعمل لصالحه، فإن «مصدر الوحي غير المرئي» هو بالتأكيد ليس عضوا بالمخابرات الإسلامية.
إن الشعر يفسر فوضى الحياة الإنسانية ويحاول أن يسبغ معنى عليها. ومن دون الخيال لا يمكن أن يوجد أي شعر؛ والخيال المغلول بالآيديولوجيا لا ينتج إلا بروباغندا.
وهذا أحد الأمثلة:
نصرخ: الله، القرآن، الخميني
في طريقنا إلى الشهادة والجنة
نعرف أنه عندما يحين الوقت
لا بد أن ينهض إمامنا الغائب
كان خامنئي من المعجبين الغيورين بمهدي إخوان، أحد أعظم شعراء الفارسية في النصف الثاني من القرن الماضي. لم يكن إخوان يرغب في الرحيل إلى المنفى ومن ثم تم إجباره على التوصل لتفاهم من نوع ما مع الملالي. بالطبع، لم يكن بمقدوره أن ينظم قصائد في مديح النظام الذي مثل بالنسبة له كل ما كان يمقته، وهو التقدمي والفنان العلماني. إنما الشيء الذي كان مستعدا للقيام به، فهو أن يلتقي بخامنئي بين الفينة والأخرى ليستمع إلى أحدث قصائد هذا الأخير.
وأسر في وقت لاحق بهذا الاعتراف: «كان نوعا من التعذيب الناعم». ومع هذا كان دائما ما يرسم خطا أحمر عندما كان خامنئي يحاول أن يملي عليه نوع القصائد الذي يجب أن ينظمه.
وقال إخوان لمجموعة من الأصدقاء خلال زيارة قصيرة إلى باريس: «ربما اضطررت إلى قراءة القصائد التي يكتبها.. ولكن لم يكن ممكنا إرغامي على نظم القصائد من النوع الذي يحب أن يقرأه».
لقد حاول كثير من الشعراء الفاشلين الذين وصلوا إلى السلطة السياسية من قبل خامنئي، أن يملوا على الشعراء ما يكتبون، ومن هؤلاء قاجار نصر الدين شاه والمستبد الصيني ماو تسي تونغ. وقد فشل هؤلاء لأن للشعر عبقرية سحرية تتحدى محاولات تعريفها ناهيك بالتسلط عليها. وكما كتب ريلكه إلى شاعره الشاب التخيلي، فالشعر مثل الحب، يعرف كل واحد ما هو، ولكن أحدا لا يتفق على تعريف له.
وخامنئي، البالغ من العمر 77 عاما، لم يعد يصلح لصورة شاعر ريلكه الشاب. بل قد يهديه شخص ما في عيد ميلاده القادم نسخة من مقال ريلكه الساحر. (هناك ترجمتان ممتازتان له بالفارسية).
ولتأخذ فكرة عن نوع الشعر الذي يعجب خامنئي، هنا ترجمة لقصيدة غزل كتبها محمد رضا نيكوي، وتم إنشادها بحضور «المرشد الأعلى». وهي مكتوبة بالقالب الكلاسيكي لمدح الحكام الطغاة:
في مدحك
عنك تتحاكى الحانات
عند قرع الكؤوس
أنت حقيقتنا الموعدة
في الأساطير والحكايات المنسوجة معا
كل بيت يستحيل مئذنة تدعو إلى الله هو أعظم البيوت
بهذا تتراص بيوتنا معا
وأنت الشمعة التي تحترق بيننا
أي مشهد هذا الذي تجتمع فيه الفراشات
إننا معا كخرزات مسبحة
نصنع سلسلة من الوحدة معا
الحب معجزتك العظيمة
التي جاءت بنا جميعا من بين الأطلال



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».