الحلقة الثانية والأخيرة : روسيا والغرب الأطلسي... جذور الصراع وحرب الحضارات

بوتين: الحرب في أوكرانيا «مسألة حياة أو موت» للأمة الروسية

فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
TT

الحلقة الثانية والأخيرة : روسيا والغرب الأطلسي... جذور الصراع وحرب الحضارات

فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)

أبعد من الأهداف المباشرة للحرب الروسية على أوكرانيا، رأت موسكو فيها خطوة نحو «بناء عالم جديد» يتحرر من عباءة الهيمنة الأميركية.
ففي يوم 26 فبراير (شباط) الماضي، أي بعد يومين من انطلاق «العملية العسكرية الخاصة»، نشرت وكالة «نوفوستي» الروسية مقالاً بعنوان «عودة روسيا وولادة العالم الجديد». وجاء في هذا المقال، الذي حذف لاحقاً من موقع الوكالة، الذي يعده مؤلف كتاب «جيوبوليتيك روسيا» مرآة لما يدور في الدوائر الروسية العليا، قبل خيبة تطورات الحرب الميدانية السلبية، أن «كتلة جيوسياسية جديدة رأت النور مع التحام روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا»، وأن «العالم الروسي أصبح واقعاً».
وبعد أن يشدد كاتب المقال، بيوتر أكابوف، على ضرورة ولادة نظام عالمي جديد، يختتمه كالتالي: «إن الصين والهند وأميركا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم الإسلامي وجنوب شرقي آسيا، كلها لا تؤمن بأن الغرب يسيطر على النظام العالمي أو أنه قادر على تحديد قواعد اللعبة».
يستطرد كاتب المقال بتأكيد أن روسيا «لم تتحدَّ الغرب فقط (بهجومها على أوكرانيا)، بل إنها جاءت بالبرهان القاطع على أن زمن الهيمنة الغربية الكاملة ولى إلى غير رجعة، وأن العالم الجديد ستبنيه كل الحضارات، بالتعاون مع الغرب طبعاً، ولكن ليس وفق توجهاته وقواعده وأوامره».

أوكرانيون في انتظار الحصول على مساعدات إنسانية في مدينة ماريوبول (أ.ف.ب)

ويعني هذا الطرح أن الهدف البعيد للرئيس بوتين من حربه على أوكرانيا يتجاوز ما أعلنه شخصياً وأكد عليه وزراؤه ومعاونوه، وهو اجتثاث النازية من أوكرانيا (أي قلب الحكومة) ونزع سلاحها وفرض الحياد والابتعاد عن الحل الأطلسي نهائياً.
ولكن، مقابل الرؤية الروسية، تبدو الرؤية الغربية مناقضة تماماً، إذ إن حلفاء أوكرانيا يرون أن هذه الحرب هي في الواقع بين «الديمقراطية» و«السلطوية»، وبين الليبرالية المعولمة من جهة والدفاع عن «القيم التقليدية» بمواجهة غرب منحط من جهة ثانية.
يكرس كتاب «جيوبوليتيك روسيا»، لصاحبه لوكاس أوبان، والصادر حديثاً عن دار «لا ديكوفيرت» الباريسية، صفحات عديدة يغوص فيها على جذور العلاقة بين روسيا والغرب، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، ساعياً لرصد مسبباتها العميقة التي تتعدى السرديات اليومية واللغة الدبلوماسية من الجانبين.
وبحسب النظرة الروسية، فإن انهيار حلف وارسو كان يفترض أن يستتبع نهاية الحلف الأطلسي، الذي بعكس ذلك قطع آلاف الكيلومترات للاقتراب من روسيا، بفضل موجات انضمام دول وسط وشرق أوروبا في أعوام 1999 و2004 و2008. وفي السياق عينه، جاء تدخل الحلف الأطلسي في كوسوفو، والتدخل الأميركي - البريطاني في العراق، من غير تفويض من مجلس الأمن، ثم تخطى الغربيون قراراً أممياً بخصوص ليبيا، ليتضح لروسيا أن الجانب الأميركي يسعى لفرض هيمنته في كل مكان، مهدداً بذلك «التوازن الهش» الذي نشأ بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، ما دفع الرئيس الأسبق بوريس يلتسين إلى التوجه للرئيس كلينتون، الضاغط على موسكو بسبب حرب الشيشان عام 1999، قائلاً له: «بيل كلينتون نسي أننا نمتلك ترسانة نووية متكاملة»، ملمحاً إلى استخدامها لحجب رغبة السيطرة الأميركية.
وينبش المؤلف وثيقة أميركية تعود لعام 2000 تحت اسم: «رؤية مشتركة لعام 2020»، صادرة عن وزارة الدفاع، تؤكد «ضرورة الهيمنة العسكرية الكاملة على العالم في المجالات الجوية والبرية والفضائية والمعلوماتية والسيبرانية». وجاءت خطوة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في عام 2002 بالانسحاب من معاهدة «إيه بي إم»، التي كانت تمنع منذ عام 1972 تطوير صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية، لتقضي على توازن القوى والردع النووي، ولتضع روسيا في موقع الطرف الضعيف. كذلك يذكِّر المؤلف بالخطاب الذي ألقاه بوتين في فبراير من عام 2007، حيث ندد بالعالم «أحادي القطب» وبتمدد الحلف الأطلسي شرقاً، معتبراً إياه «استفزازاً خطيراً» لا علاقة له بتحديث الحلف ولا بأمن أوروبا. وأضاف بوتين: «نحن في وضع يسمح لنا بأن نتساءل: ضد من يتم هذا التوسيع؟»، معتبراً إياه إحياء لمنطق الكتل المتواجهة وعودة إلى عقلية الحرب الباردة، وداعياً إلى «تفكيك هذه الألغام» التي يمكن أن تنفجر.
وفي عام 2014، عاود بوتين انتقاد الحلف الأطلسي، متهماً إياه بتخطي الوعد الشفهي الذي قدمه للرئيس الأسبق ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي، بأنه لن يتوسع إلى أبعد من ألمانيا. ورغم أن أرشيف الحلف يتضمن هذا الوعد، فإن الغربيين لا يعدونه «التزاماً» رسمياً.
ويتابع الكتاب تطور العلاقة الروسية - الأميركية - الأطلسية خطوة خطوة. ويعتبر مؤلفه أن عودة روسيا إلى الشرق الأوسط في سياق الربيع العربي، خصوصاً انخراطها العسكري الكثيف في سوريا إلى جانب النظام في عام 2015، جاء بعد أن فشل المشروع الأميركي لقيام «شرق أوسط كبير وجديد»، الذي كان غرضه إعادة رسم منطقة تمتد من موريتانيا إلى أفغانستان. ويعد المؤلف أن «انتصار» روسيا في سوريا من خلال إبقاء النظام قائماً ودحر «داعش»، يعد «نكسة للغرب»، ويتوقف عند الحفلة الموسيقية التي قدمتها فرقة مدينة سان بطرسبرغ السيمفونية في قلعة تدمر التي دمر «داعش» أجزاء منها، ويعدّها «انتصاراً رمزياً» لبوتين على الغرب.

السير المتسارع نحو المواجهة مع الغرب
في مواجهته للغرب، يلجأ بوتين إلى مجموعة من الأسلحة في حوزته: الحرب الميدانية، سياسة التأثير والنفوذ، الحرب السيبرانية والمخابراتية، الدعاية الآيديولوجية (كما في أفريقيا مثلاً)، ولكن أيضاً الحرب الإعلامية. وللغرض الأخير، عمد بوتين في عام 2005 إلى إطلاق شبكة التلفزة «روسيا اليوم» بلغات عدة وبميزانية 30 مليون دولار لمواجهة الشبكات الأميركية والأوروبية ومقارعة الغرب بالسلاح نفسه الذي يستخدمه. وكان لافتاً أنه مع انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا، عمد الغربيون إلى منع بث وسائل الإعلام الروسية على أراضيهم. وبعد 15 عاماً على إطلاقها، تبث «روسيا اليوم» في أكثر مائة دولة، وبخمس لغات (الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والعربية والألمانية) وتطال ما لا يقل عن مائة مليون شخص أسبوعياً. أما ميزانيتها فقد تضاعفت عشر مرات لتصل إلى 307.5 مليون دولار. ثم لاحقاً، مع اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014 التي انتهت بضم شبه جزيرة القرم وانسلاخ «جمهوريتي» الدونباس الانفصاليتين، أطلقت موسكو وكالة «سبوتنيك» للأخبار مكان وكالة «ريا نوفوستي»، وسلمت إدارتها إلى مارغريتا سيمونيان، وهي إعلامية مقربة من بوتين. وباختصار، فإن بوتين لجأ منذ سنوات، وفي محاولة منه لمواجهة الغرب ومقارعته بأسلحته، إلى كل أنواع «الحروب»، بما فيها الحرب «الهجينة». وجاءت الاتهامات التي وجهت لروسيا بالتدخل في المسارات الانتخابية الغربية (الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا ...) وزعزعة الديمقراطيات بمثابة مقدمة للمواجهة الحالية القائمة بين روسيا والحلف الأطلسي على الأراضي الأوكرانية، رغم أن الغرب ما زال يعتبر أنه «ليس طرفاً» فيها رغم دفق المساعدات المالية والاقتصادية والإنسانية، خصوصاً السلاح متعدد الأنواع، على كييف، وهو ما مكنها من الصمود في المرحلة الأولى، ثم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم لاحقاً، بحيث استطاعت القوات الأوكرانية استعادة مناطق كبيرة من تلك التي كانت القوات الروسية قد استولت عليها.
ومع مجيء الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، استعرت المواجهة مع موسكو، ما شكل انقطاعاً مع عهد الرئيس السابق دونالد ترمب. ففي 19 فبراير 2021، قرع الرئيس الديمقراطي طبول «عودة» أميركا إلى القارة القديمة التي أهملها سلفه الجمهوري، عبر أداة الحلف الأطلسي، من أجل «الرد على الهجمات التي تقوم بها روسيا ضد الديمقراطيات الغربية». ولاحقاً، واستباقاً لما يبدو تخطيطاً قديماً لغزو أوكرانيا، عرضت موسكو على واشنطن التوصل إلى «اتفاق للضمانات الأمنية المتبادلة». وبعكس ما يوحي به العنوان، فإن رسالة موسكو إلى واشنطن كانت بمثابة إنذار، بحيث إنها طلبت من الجانب الأميركي الوقف الفوري لتوسع الأنشطة العسكرية الأميركية في شرق أوروبا والعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع العسكرية والاستراتيجية قبل عام 1997، أي قبل انضمام دول حلف وارسو سابقاً إلى الحلف الأطلسي. وبكلام آخر، فإن بوتين أراد محو 30 عاماً من التطورات الجيو - سياسية والجيو - استراتيجية التي عرفتها القارة القديمة. وبالطبع، كان الكرميلن يعي تماماً أن الرد الأميركي - الأطلسي سيكون الرفض المطلق، وهو ما كان يبحث عنه، الأمر الذي وفر الذريعة التي تحتاج إليها روسيا، التي وجهت، بالتوازي، رسالة بالغة التشدد إلى كييف تطالبها بالتخلي النهائي عن الانضمام إلى النادي الأطلسي والاعتراف رسمياً بضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا وباستقلال مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، فضلاً عن نزع سلاح أوكرانيا و«اجتثاث النازية»، أي سقوط النظام. وكما جاء الرد الغربي سلبياً، كذلك ردت كييف، بحيث أصبح الطريق ممهداً لبدء «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا. ورأى الغربيون في الإنذار الروسي والرد المرتقب الغربي - الأوكراني الرافض له الحجة التي يبحث عنها بوتين لإطلاق حربه.
وكانت القيادة الروسية قد استبقت هذه اللحظة، ونشرت 180 ألف عسكري على الحدود المشتركة مع أوكرانيا وقوات كبيرة على الحدود البيلاروسية - الأوكرانية وما رافقها من مناورات عسكرية تمهيدية واسعة. ولم يتبقَّ سوى انتظار ساعة الصفر التي حلت في الثانية من فجر 24 فبراير الماضي.
وتدل كل العناصر المتوافرة التي دأب المؤلف على جمعها وربطها بعضها ببعض، على أن السير نحو المواجهة كان في منطق الأمور. بيد أن المفارقة جاءت في سياق اختلاف المقاربة بين الأوروبيين (باستثناء البريطانيين دول البلقان) والأميركيين. من هنا، يبدو أن محاولات التوسط لتجنب الحرب التي قام بها الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني كان مصيرها محكوماً عليه سلفاً بالفشل، وأن بوتين استخدمها لكسب بعض الوقت وإتمام تحضيرات العملية العسكرية. وللتذكير، فقد سعى إيمانويل ماكرون وأولاف شولتس إلى محاولة إعادة إحياء اتفاقيتي «مينسك» الخاصتين بجمهوريتي الدونباس، باعتبارهما جزءاً من المجموعة الرباعية التي شكلت في عام 2015، وهي تضم، إلى جانب فرنسا وألمانيا، روسيا وأوكرانيا. وفي خطابه التبريري للحرب صبيحة 24 فبراير، اعتبر بوتين أن «تحالفاً يدّعي الديمقراطية» تقوده «إمبراطورية الكذب»، أي الولايات المتحدة الأميركية، هو في الصميم معادٍ لروسيا وذو أطماع إمبريالية، وبالتالي فإن الحرب ضد أوكرانيا «مسألة حياة أو موت» للأمة الروسية التي «تواجه تهديداً وجودياً». ولأن الرؤية الرسمية الروسية هي هذه، فكان من الطبيعي أن يهدد وزير الدفاع سيرغي شويغو باللجوء إلى السلاح النووي الذي يصبح استخدامه «مشروعاً»، ولأن العقيدة العسكرية الروسية تتيحه، الأمر الذي يذكر بالجدل الحاصل حول إمكانية أن تلجأ موسكو إلى هذا السلاح حتى لتوجيه ضربة استباقية في حال عمدت إلى تعديل هذه العقيدة.

واشنطن وبروكسل:عداء مشترك لروسيا
منذ بداية الحرب قبل عشرة أشهر وحتى اليوم، ما زالت موسكو تتمسك بـ«نظرية المؤامرة» التي تشرعها والتي تحضرت لها من خلال مراكمة 600 مليار دولار بالعملات الصعبة، وغذت «الصندوق الوطني للحماية الاجتماعية» بـ200 مليار دولار. وكان الاعتقاد السائد أن الحرب ستكون قصيرة زمنياً. ويشير الكتاب إلى أن المخابرات الروسية، تحديداً جهاز «إف إس بي»، تؤكد أن سكان شرق أوكرانيا من الناطقين بالروسية يتطلعون إلى وصول القوات الروسية التي ستحررهم من النير الأوكراني. ويكشف الكتاب أن اثنين من كبار مسؤولي المخابرات تم رميهما في السجن بعد أسابيع قليلة من بدء العملية العسكرية، لأنهما قدما معلومات زائفة لسيد الكرملين.
وينطلق الكتاب من فرضية أن السير للمواجهة بين الغرب وروسيا كان في منطق الأمور، إذ إن موسكو لم تعتبر فقط أن واشنطن تنفذ مخططات توسعية وتمارس سياسة الاحتواء بحقها لإضعافها، بل إن الاتحاد الأوروبي لم يكن بعيداً عن هذه المقاربة. ودليله على ذلك أن الاتحاد الأوروبي، منذ عام 1999، سعى للتدخل في شؤون روسيا الداخلية. ففي وثيقة رسمية عنوانها «وثيقة الاستراتيجية المشتركة للتعامل مع روسيا»، يركز الاتحاد على عدة أهداف أولها تعزيز الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات العامة، ليس في البلدان الأوروبية أو تلك الساعية للانضمام إلى صفوف الاتحاد الأوروبي، بل في روسيا نفسها. وفيما تسارعت حركة انضمام دول أوروبا الوسطى والشرقية إلى الاتحاد، شعرت موسكو بالانزعاج والإبعاد عندما أطلق الاتحاد مبادرة «الشراكة الشرقية» التي ضمت أرمينيا وجيورجيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، وحتى أذربيجان. إلا أن الأوروبيين استبعدوا روسيا منها. ومنذ البداية، ورداً على المقاربة الأوروبية، سعت موسكو، وفق المؤلف، إلى الرد على ذلك من طريقين: محاولة شق صفوف الاتحاد الأوروبي من جهة، والبحث عن بدائل من جهة أخرى، والتركيز بالدرجة الأولى على مجموعة «بريكست» التي كان الرئيس بوتين محركها الرئيسي.
ونشّطت موسكو اتصالاتها وعلاقاتها مع أميركا اللاتينية والعالم العربي والدول الأفريقية، الأمر الذي برزت نتائجه في عمليات التصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث امتنعت عشرات البلدان عن التصويت لصالح التنديد بروسيا. كذلك، ردت موسكو سياسياً من خلال توفير الدعم للأحزاب المتطرفة في أوروبا، أكانت يمينية أو يسارية، وعسكرياً بتسليح إقليم كالينينغراد المطل على بحر البلطيق والمحشور بين ليتوانيا وبولندا، وطورت قاعدتها البحرية، حيث أخذت ترابط فيها الغواصات والقطع البحرية الرئيسية. وتحولت هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية الرئيسية إلى قاعدة متقدمة في قلب الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.
ورغم المحاولات الفرنسية والألمانية، خصوصاً ما قام به ماكرون، فإن العلاقات لم تتحسن بين الجانبين، وجاءت رزم العقوبات المتلاحقة (تسعة حتى اليوم) التي فرضتها أوروبا منذ اليوم الأول للحرب في أوكرانيا، بما فيها على البترول والغاز وتجميد الأرصدة الروسية والعقوبات ضد كبار الشخصيات ومن بينهم بوتين وكبار المسؤولين... لتدفع العلاقات بين الطرفين إلى مزيد من التوتر، لا بل إلى حافة الانقطاع.
في خلاصته عن الحرب في أوكرانيا، يرى الكاتب أن بوتين ارتكب 4 أخطاء؛ أولها أنه غالى في قدرات قواته، وثانيها أنه لم يقدر حق قدرها صلابة القوات الأوكرانية في الصمود، وثالثها أنه أخطأ بخصوص ردة فعل الشعب الأوكراني، ورابعها أنه لم يتوقع ردة الفعل الغربية الأميركية والأوروبية والأطلسية.
وإذا كان أحد أهدافه منع تمدد الأطلسي إلى حدود بلاده وشق الصف الأوروبي، فإن النتائج جاءت عكس ذلك. فها هي فنلندا والسويد تتأهبان للانضمام إلى الأطلسي، وها هو الاتحاد الأوروبي، رغم التمايزات في مواقف بعض بلدانه، ما زال محافظاً على وحدة الموقف تجاه روسيا، وهو آخذ بالخروج من تبعيته لها في مجال الطاقة، خصوصاً الغاز. يضاف إلى ذلك أن روسيا ستخرج ضعيفة من هذا النزاع، وثمة تساؤلات عن مستقبل بوتين نفسه الذي لم يعد يخيف الغرب حتى بتهديداته النووية.
لم يتوقف بوتين عن التمرد على الهيمنة الأميركية، وسعى دوماً من أجل تغيير هندسة العالم من خلال إيجاد عالم متعدد الأقطاب تكون روسيا أحدها. ويرى المؤلف أن النتيجة التي ستستولدها الحرب الأوكرانية هي قيام ثنائية قطبية: عالم غربي تسيطر عليه الولايات المتحدة، وآخر شرقي تشكل الصين القوة المهيمنة فيه، ويتربص الخطر بروسيا بأن تتحول إلى تابع لـ«إمبراطورية الوسط»، أي الصين.
وفي آخر فقرة من كتابه، كتب لوكاس أوبان ما يلي: «إن حكم بوتين لم ينتهِ، ومن الناحية التقنية يمكن أن يدوم حتى عام 2036. ووضعيته السياسية واعتماده خطاباً قومياً متشدداً يوفران له شعبية لا يستهان بها. بيد أن الهشاشة أخذت تنهش وضعه، وكلما تفاقمت سلطويته برزت الشقوق في نظامه». ولا شك في أن كيفية نهاية الحرب في أوكرانيا ستشكل عاملاً حاسماً في رسم مستقبله.



تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.