الحلقة الثانية والأخيرة : روسيا والغرب الأطلسي... جذور الصراع وحرب الحضارات

بوتين: الحرب في أوكرانيا «مسألة حياة أو موت» للأمة الروسية

فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
TT

الحلقة الثانية والأخيرة : روسيا والغرب الأطلسي... جذور الصراع وحرب الحضارات

فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)
فارون من الحرب الروسية - الأوكرانية ينتظرون حافلات لنقلهم إلى أماكن آمنة (رويترز)

أبعد من الأهداف المباشرة للحرب الروسية على أوكرانيا، رأت موسكو فيها خطوة نحو «بناء عالم جديد» يتحرر من عباءة الهيمنة الأميركية.
ففي يوم 26 فبراير (شباط) الماضي، أي بعد يومين من انطلاق «العملية العسكرية الخاصة»، نشرت وكالة «نوفوستي» الروسية مقالاً بعنوان «عودة روسيا وولادة العالم الجديد». وجاء في هذا المقال، الذي حذف لاحقاً من موقع الوكالة، الذي يعده مؤلف كتاب «جيوبوليتيك روسيا» مرآة لما يدور في الدوائر الروسية العليا، قبل خيبة تطورات الحرب الميدانية السلبية، أن «كتلة جيوسياسية جديدة رأت النور مع التحام روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا»، وأن «العالم الروسي أصبح واقعاً».
وبعد أن يشدد كاتب المقال، بيوتر أكابوف، على ضرورة ولادة نظام عالمي جديد، يختتمه كالتالي: «إن الصين والهند وأميركا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم الإسلامي وجنوب شرقي آسيا، كلها لا تؤمن بأن الغرب يسيطر على النظام العالمي أو أنه قادر على تحديد قواعد اللعبة».
يستطرد كاتب المقال بتأكيد أن روسيا «لم تتحدَّ الغرب فقط (بهجومها على أوكرانيا)، بل إنها جاءت بالبرهان القاطع على أن زمن الهيمنة الغربية الكاملة ولى إلى غير رجعة، وأن العالم الجديد ستبنيه كل الحضارات، بالتعاون مع الغرب طبعاً، ولكن ليس وفق توجهاته وقواعده وأوامره».

أوكرانيون في انتظار الحصول على مساعدات إنسانية في مدينة ماريوبول (أ.ف.ب)

ويعني هذا الطرح أن الهدف البعيد للرئيس بوتين من حربه على أوكرانيا يتجاوز ما أعلنه شخصياً وأكد عليه وزراؤه ومعاونوه، وهو اجتثاث النازية من أوكرانيا (أي قلب الحكومة) ونزع سلاحها وفرض الحياد والابتعاد عن الحل الأطلسي نهائياً.
ولكن، مقابل الرؤية الروسية، تبدو الرؤية الغربية مناقضة تماماً، إذ إن حلفاء أوكرانيا يرون أن هذه الحرب هي في الواقع بين «الديمقراطية» و«السلطوية»، وبين الليبرالية المعولمة من جهة والدفاع عن «القيم التقليدية» بمواجهة غرب منحط من جهة ثانية.
يكرس كتاب «جيوبوليتيك روسيا»، لصاحبه لوكاس أوبان، والصادر حديثاً عن دار «لا ديكوفيرت» الباريسية، صفحات عديدة يغوص فيها على جذور العلاقة بين روسيا والغرب، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، ساعياً لرصد مسبباتها العميقة التي تتعدى السرديات اليومية واللغة الدبلوماسية من الجانبين.
وبحسب النظرة الروسية، فإن انهيار حلف وارسو كان يفترض أن يستتبع نهاية الحلف الأطلسي، الذي بعكس ذلك قطع آلاف الكيلومترات للاقتراب من روسيا، بفضل موجات انضمام دول وسط وشرق أوروبا في أعوام 1999 و2004 و2008. وفي السياق عينه، جاء تدخل الحلف الأطلسي في كوسوفو، والتدخل الأميركي - البريطاني في العراق، من غير تفويض من مجلس الأمن، ثم تخطى الغربيون قراراً أممياً بخصوص ليبيا، ليتضح لروسيا أن الجانب الأميركي يسعى لفرض هيمنته في كل مكان، مهدداً بذلك «التوازن الهش» الذي نشأ بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، ما دفع الرئيس الأسبق بوريس يلتسين إلى التوجه للرئيس كلينتون، الضاغط على موسكو بسبب حرب الشيشان عام 1999، قائلاً له: «بيل كلينتون نسي أننا نمتلك ترسانة نووية متكاملة»، ملمحاً إلى استخدامها لحجب رغبة السيطرة الأميركية.
وينبش المؤلف وثيقة أميركية تعود لعام 2000 تحت اسم: «رؤية مشتركة لعام 2020»، صادرة عن وزارة الدفاع، تؤكد «ضرورة الهيمنة العسكرية الكاملة على العالم في المجالات الجوية والبرية والفضائية والمعلوماتية والسيبرانية». وجاءت خطوة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في عام 2002 بالانسحاب من معاهدة «إيه بي إم»، التي كانت تمنع منذ عام 1972 تطوير صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية، لتقضي على توازن القوى والردع النووي، ولتضع روسيا في موقع الطرف الضعيف. كذلك يذكِّر المؤلف بالخطاب الذي ألقاه بوتين في فبراير من عام 2007، حيث ندد بالعالم «أحادي القطب» وبتمدد الحلف الأطلسي شرقاً، معتبراً إياه «استفزازاً خطيراً» لا علاقة له بتحديث الحلف ولا بأمن أوروبا. وأضاف بوتين: «نحن في وضع يسمح لنا بأن نتساءل: ضد من يتم هذا التوسيع؟»، معتبراً إياه إحياء لمنطق الكتل المتواجهة وعودة إلى عقلية الحرب الباردة، وداعياً إلى «تفكيك هذه الألغام» التي يمكن أن تنفجر.
وفي عام 2014، عاود بوتين انتقاد الحلف الأطلسي، متهماً إياه بتخطي الوعد الشفهي الذي قدمه للرئيس الأسبق ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي، بأنه لن يتوسع إلى أبعد من ألمانيا. ورغم أن أرشيف الحلف يتضمن هذا الوعد، فإن الغربيين لا يعدونه «التزاماً» رسمياً.
ويتابع الكتاب تطور العلاقة الروسية - الأميركية - الأطلسية خطوة خطوة. ويعتبر مؤلفه أن عودة روسيا إلى الشرق الأوسط في سياق الربيع العربي، خصوصاً انخراطها العسكري الكثيف في سوريا إلى جانب النظام في عام 2015، جاء بعد أن فشل المشروع الأميركي لقيام «شرق أوسط كبير وجديد»، الذي كان غرضه إعادة رسم منطقة تمتد من موريتانيا إلى أفغانستان. ويعد المؤلف أن «انتصار» روسيا في سوريا من خلال إبقاء النظام قائماً ودحر «داعش»، يعد «نكسة للغرب»، ويتوقف عند الحفلة الموسيقية التي قدمتها فرقة مدينة سان بطرسبرغ السيمفونية في قلعة تدمر التي دمر «داعش» أجزاء منها، ويعدّها «انتصاراً رمزياً» لبوتين على الغرب.

السير المتسارع نحو المواجهة مع الغرب
في مواجهته للغرب، يلجأ بوتين إلى مجموعة من الأسلحة في حوزته: الحرب الميدانية، سياسة التأثير والنفوذ، الحرب السيبرانية والمخابراتية، الدعاية الآيديولوجية (كما في أفريقيا مثلاً)، ولكن أيضاً الحرب الإعلامية. وللغرض الأخير، عمد بوتين في عام 2005 إلى إطلاق شبكة التلفزة «روسيا اليوم» بلغات عدة وبميزانية 30 مليون دولار لمواجهة الشبكات الأميركية والأوروبية ومقارعة الغرب بالسلاح نفسه الذي يستخدمه. وكان لافتاً أنه مع انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا، عمد الغربيون إلى منع بث وسائل الإعلام الروسية على أراضيهم. وبعد 15 عاماً على إطلاقها، تبث «روسيا اليوم» في أكثر مائة دولة، وبخمس لغات (الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والعربية والألمانية) وتطال ما لا يقل عن مائة مليون شخص أسبوعياً. أما ميزانيتها فقد تضاعفت عشر مرات لتصل إلى 307.5 مليون دولار. ثم لاحقاً، مع اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014 التي انتهت بضم شبه جزيرة القرم وانسلاخ «جمهوريتي» الدونباس الانفصاليتين، أطلقت موسكو وكالة «سبوتنيك» للأخبار مكان وكالة «ريا نوفوستي»، وسلمت إدارتها إلى مارغريتا سيمونيان، وهي إعلامية مقربة من بوتين. وباختصار، فإن بوتين لجأ منذ سنوات، وفي محاولة منه لمواجهة الغرب ومقارعته بأسلحته، إلى كل أنواع «الحروب»، بما فيها الحرب «الهجينة». وجاءت الاتهامات التي وجهت لروسيا بالتدخل في المسارات الانتخابية الغربية (الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا ...) وزعزعة الديمقراطيات بمثابة مقدمة للمواجهة الحالية القائمة بين روسيا والحلف الأطلسي على الأراضي الأوكرانية، رغم أن الغرب ما زال يعتبر أنه «ليس طرفاً» فيها رغم دفق المساعدات المالية والاقتصادية والإنسانية، خصوصاً السلاح متعدد الأنواع، على كييف، وهو ما مكنها من الصمود في المرحلة الأولى، ثم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم لاحقاً، بحيث استطاعت القوات الأوكرانية استعادة مناطق كبيرة من تلك التي كانت القوات الروسية قد استولت عليها.
ومع مجيء الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، استعرت المواجهة مع موسكو، ما شكل انقطاعاً مع عهد الرئيس السابق دونالد ترمب. ففي 19 فبراير 2021، قرع الرئيس الديمقراطي طبول «عودة» أميركا إلى القارة القديمة التي أهملها سلفه الجمهوري، عبر أداة الحلف الأطلسي، من أجل «الرد على الهجمات التي تقوم بها روسيا ضد الديمقراطيات الغربية». ولاحقاً، واستباقاً لما يبدو تخطيطاً قديماً لغزو أوكرانيا، عرضت موسكو على واشنطن التوصل إلى «اتفاق للضمانات الأمنية المتبادلة». وبعكس ما يوحي به العنوان، فإن رسالة موسكو إلى واشنطن كانت بمثابة إنذار، بحيث إنها طلبت من الجانب الأميركي الوقف الفوري لتوسع الأنشطة العسكرية الأميركية في شرق أوروبا والعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع العسكرية والاستراتيجية قبل عام 1997، أي قبل انضمام دول حلف وارسو سابقاً إلى الحلف الأطلسي. وبكلام آخر، فإن بوتين أراد محو 30 عاماً من التطورات الجيو - سياسية والجيو - استراتيجية التي عرفتها القارة القديمة. وبالطبع، كان الكرميلن يعي تماماً أن الرد الأميركي - الأطلسي سيكون الرفض المطلق، وهو ما كان يبحث عنه، الأمر الذي وفر الذريعة التي تحتاج إليها روسيا، التي وجهت، بالتوازي، رسالة بالغة التشدد إلى كييف تطالبها بالتخلي النهائي عن الانضمام إلى النادي الأطلسي والاعتراف رسمياً بضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا وباستقلال مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، فضلاً عن نزع سلاح أوكرانيا و«اجتثاث النازية»، أي سقوط النظام. وكما جاء الرد الغربي سلبياً، كذلك ردت كييف، بحيث أصبح الطريق ممهداً لبدء «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا. ورأى الغربيون في الإنذار الروسي والرد المرتقب الغربي - الأوكراني الرافض له الحجة التي يبحث عنها بوتين لإطلاق حربه.
وكانت القيادة الروسية قد استبقت هذه اللحظة، ونشرت 180 ألف عسكري على الحدود المشتركة مع أوكرانيا وقوات كبيرة على الحدود البيلاروسية - الأوكرانية وما رافقها من مناورات عسكرية تمهيدية واسعة. ولم يتبقَّ سوى انتظار ساعة الصفر التي حلت في الثانية من فجر 24 فبراير الماضي.
وتدل كل العناصر المتوافرة التي دأب المؤلف على جمعها وربطها بعضها ببعض، على أن السير نحو المواجهة كان في منطق الأمور. بيد أن المفارقة جاءت في سياق اختلاف المقاربة بين الأوروبيين (باستثناء البريطانيين دول البلقان) والأميركيين. من هنا، يبدو أن محاولات التوسط لتجنب الحرب التي قام بها الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني كان مصيرها محكوماً عليه سلفاً بالفشل، وأن بوتين استخدمها لكسب بعض الوقت وإتمام تحضيرات العملية العسكرية. وللتذكير، فقد سعى إيمانويل ماكرون وأولاف شولتس إلى محاولة إعادة إحياء اتفاقيتي «مينسك» الخاصتين بجمهوريتي الدونباس، باعتبارهما جزءاً من المجموعة الرباعية التي شكلت في عام 2015، وهي تضم، إلى جانب فرنسا وألمانيا، روسيا وأوكرانيا. وفي خطابه التبريري للحرب صبيحة 24 فبراير، اعتبر بوتين أن «تحالفاً يدّعي الديمقراطية» تقوده «إمبراطورية الكذب»، أي الولايات المتحدة الأميركية، هو في الصميم معادٍ لروسيا وذو أطماع إمبريالية، وبالتالي فإن الحرب ضد أوكرانيا «مسألة حياة أو موت» للأمة الروسية التي «تواجه تهديداً وجودياً». ولأن الرؤية الرسمية الروسية هي هذه، فكان من الطبيعي أن يهدد وزير الدفاع سيرغي شويغو باللجوء إلى السلاح النووي الذي يصبح استخدامه «مشروعاً»، ولأن العقيدة العسكرية الروسية تتيحه، الأمر الذي يذكر بالجدل الحاصل حول إمكانية أن تلجأ موسكو إلى هذا السلاح حتى لتوجيه ضربة استباقية في حال عمدت إلى تعديل هذه العقيدة.

واشنطن وبروكسل:عداء مشترك لروسيا
منذ بداية الحرب قبل عشرة أشهر وحتى اليوم، ما زالت موسكو تتمسك بـ«نظرية المؤامرة» التي تشرعها والتي تحضرت لها من خلال مراكمة 600 مليار دولار بالعملات الصعبة، وغذت «الصندوق الوطني للحماية الاجتماعية» بـ200 مليار دولار. وكان الاعتقاد السائد أن الحرب ستكون قصيرة زمنياً. ويشير الكتاب إلى أن المخابرات الروسية، تحديداً جهاز «إف إس بي»، تؤكد أن سكان شرق أوكرانيا من الناطقين بالروسية يتطلعون إلى وصول القوات الروسية التي ستحررهم من النير الأوكراني. ويكشف الكتاب أن اثنين من كبار مسؤولي المخابرات تم رميهما في السجن بعد أسابيع قليلة من بدء العملية العسكرية، لأنهما قدما معلومات زائفة لسيد الكرملين.
وينطلق الكتاب من فرضية أن السير للمواجهة بين الغرب وروسيا كان في منطق الأمور، إذ إن موسكو لم تعتبر فقط أن واشنطن تنفذ مخططات توسعية وتمارس سياسة الاحتواء بحقها لإضعافها، بل إن الاتحاد الأوروبي لم يكن بعيداً عن هذه المقاربة. ودليله على ذلك أن الاتحاد الأوروبي، منذ عام 1999، سعى للتدخل في شؤون روسيا الداخلية. ففي وثيقة رسمية عنوانها «وثيقة الاستراتيجية المشتركة للتعامل مع روسيا»، يركز الاتحاد على عدة أهداف أولها تعزيز الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات العامة، ليس في البلدان الأوروبية أو تلك الساعية للانضمام إلى صفوف الاتحاد الأوروبي، بل في روسيا نفسها. وفيما تسارعت حركة انضمام دول أوروبا الوسطى والشرقية إلى الاتحاد، شعرت موسكو بالانزعاج والإبعاد عندما أطلق الاتحاد مبادرة «الشراكة الشرقية» التي ضمت أرمينيا وجيورجيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، وحتى أذربيجان. إلا أن الأوروبيين استبعدوا روسيا منها. ومنذ البداية، ورداً على المقاربة الأوروبية، سعت موسكو، وفق المؤلف، إلى الرد على ذلك من طريقين: محاولة شق صفوف الاتحاد الأوروبي من جهة، والبحث عن بدائل من جهة أخرى، والتركيز بالدرجة الأولى على مجموعة «بريكست» التي كان الرئيس بوتين محركها الرئيسي.
ونشّطت موسكو اتصالاتها وعلاقاتها مع أميركا اللاتينية والعالم العربي والدول الأفريقية، الأمر الذي برزت نتائجه في عمليات التصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث امتنعت عشرات البلدان عن التصويت لصالح التنديد بروسيا. كذلك، ردت موسكو سياسياً من خلال توفير الدعم للأحزاب المتطرفة في أوروبا، أكانت يمينية أو يسارية، وعسكرياً بتسليح إقليم كالينينغراد المطل على بحر البلطيق والمحشور بين ليتوانيا وبولندا، وطورت قاعدتها البحرية، حيث أخذت ترابط فيها الغواصات والقطع البحرية الرئيسية. وتحولت هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية الرئيسية إلى قاعدة متقدمة في قلب الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.
ورغم المحاولات الفرنسية والألمانية، خصوصاً ما قام به ماكرون، فإن العلاقات لم تتحسن بين الجانبين، وجاءت رزم العقوبات المتلاحقة (تسعة حتى اليوم) التي فرضتها أوروبا منذ اليوم الأول للحرب في أوكرانيا، بما فيها على البترول والغاز وتجميد الأرصدة الروسية والعقوبات ضد كبار الشخصيات ومن بينهم بوتين وكبار المسؤولين... لتدفع العلاقات بين الطرفين إلى مزيد من التوتر، لا بل إلى حافة الانقطاع.
في خلاصته عن الحرب في أوكرانيا، يرى الكاتب أن بوتين ارتكب 4 أخطاء؛ أولها أنه غالى في قدرات قواته، وثانيها أنه لم يقدر حق قدرها صلابة القوات الأوكرانية في الصمود، وثالثها أنه أخطأ بخصوص ردة فعل الشعب الأوكراني، ورابعها أنه لم يتوقع ردة الفعل الغربية الأميركية والأوروبية والأطلسية.
وإذا كان أحد أهدافه منع تمدد الأطلسي إلى حدود بلاده وشق الصف الأوروبي، فإن النتائج جاءت عكس ذلك. فها هي فنلندا والسويد تتأهبان للانضمام إلى الأطلسي، وها هو الاتحاد الأوروبي، رغم التمايزات في مواقف بعض بلدانه، ما زال محافظاً على وحدة الموقف تجاه روسيا، وهو آخذ بالخروج من تبعيته لها في مجال الطاقة، خصوصاً الغاز. يضاف إلى ذلك أن روسيا ستخرج ضعيفة من هذا النزاع، وثمة تساؤلات عن مستقبل بوتين نفسه الذي لم يعد يخيف الغرب حتى بتهديداته النووية.
لم يتوقف بوتين عن التمرد على الهيمنة الأميركية، وسعى دوماً من أجل تغيير هندسة العالم من خلال إيجاد عالم متعدد الأقطاب تكون روسيا أحدها. ويرى المؤلف أن النتيجة التي ستستولدها الحرب الأوكرانية هي قيام ثنائية قطبية: عالم غربي تسيطر عليه الولايات المتحدة، وآخر شرقي تشكل الصين القوة المهيمنة فيه، ويتربص الخطر بروسيا بأن تتحول إلى تابع لـ«إمبراطورية الوسط»، أي الصين.
وفي آخر فقرة من كتابه، كتب لوكاس أوبان ما يلي: «إن حكم بوتين لم ينتهِ، ومن الناحية التقنية يمكن أن يدوم حتى عام 2036. ووضعيته السياسية واعتماده خطاباً قومياً متشدداً يوفران له شعبية لا يستهان بها. بيد أن الهشاشة أخذت تنهش وضعه، وكلما تفاقمت سلطويته برزت الشقوق في نظامه». ولا شك في أن كيفية نهاية الحرب في أوكرانيا ستشكل عاملاً حاسماً في رسم مستقبله.



«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.