جنوب السودان يحتفل بالذكرى الرابعة للاستقلال وسط حضور قادة ومسؤولين من الدول الأفريقية

البيت الأبيض يدعو لإنهاء الصراع في البلاد.. ويتعهد بمعاقبة المسؤولين عن العنف

جنود يقدمون عروضًا استعراضية احتفالا بالذكرى الرابعة لاستقلال جنوب السودان أمس (أ.ب)
جنود يقدمون عروضًا استعراضية احتفالا بالذكرى الرابعة لاستقلال جنوب السودان أمس (أ.ب)
TT

جنوب السودان يحتفل بالذكرى الرابعة للاستقلال وسط حضور قادة ومسؤولين من الدول الأفريقية

جنود يقدمون عروضًا استعراضية احتفالا بالذكرى الرابعة لاستقلال جنوب السودان أمس (أ.ب)
جنود يقدمون عروضًا استعراضية احتفالا بالذكرى الرابعة لاستقلال جنوب السودان أمس (أ.ب)

انطلقت بمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان، أمس (الخميس)، الاحتفالات بالذكرى الرابعة لاستقلال جنوب السودان، التي تحل في وقت تعاني فيه البلاد من ويلات حرب أهلية انزلقت إليها منذ نهاية عام 2013.
ونال جنوب السودان استقلاله رسميا عن السودان في التاسع من يوليو من عام 2011، بموجب استفتاء جرى تنظيمه في يناير من العام ذاته. وجاء الاستقلال بموجب اتفاقية سلام «نيفاشا» التي أبرمت في عام 2005، وأنهت واحدة من أطول الحروب الأهلية في أفريقيا، ومهدت لإجراء استفتاء شعبي في يناير (كانون الثاني) 2011، صوت فيه الجنوبيون بنسبة تفوق الـ98 في المائة لصالح الانفصال.
ومنذ الصباح الباكر أمس، احتشد مئات الجنوبيين حول ضريح الراحل جون قرنق، وهو زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، والذي وقع مع حكومة السودان اتفاق السلام الشامل الذي أنهى الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان، وذلك قبل أن يلقى حتفه في حادث تحطم طائرة في عام 2005. وانتظمت في ساحات وشوارع العاصمة الجنوبية جوبا مسيرات شعبية وصلوات دينية في الساحات العامة احتفالا بذكرى استقلال جنوب السودان، فيما ارتفعت أعلام دولة الجنوب فوق أسطح المنازل والمرافق الحكومية.
وقد يتضمن الاحتفال عرضا عسكريا، بالإضافة إلى مراسم دينية بمشاركة رموز الدين الإسلامي والمسيحي، فضلا عن فقرات فلكورية ورقص شعبي. كما شارك في الاحتفال عدد من رؤساء الوفود كلمات في مقدمتهم نائب رئيس جمهورية جنوب أفريقيا، والرئيس جوزيف كابيلا رئيس جمهورية الكونغو، ورئيس أوغندا يوري موسيفيني. كما شارك وزير الخارجية المصري سامح شكري، الذي نقل رسالة شفهية من الرئيس السيسي إلى رئيس جنوب السودان سلفا كير، تتعلق بدعم العلاقات الثنائية وبما يعكس عمق الروابط بين البلدين.
وناشد سلفا كير ميارديت، رئيس جمهورية جنوب السودان، بمناسبة الذكرى الرابعة لاستقلال بلاده، حركة التمرد بوضع السلاح وإنهاء الحرب، واحترام اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع بين طرفي النزاع قبل عام، مشددًا على ضرورة حماية عمال الإغاثة في المنظمات الدولية لتسهيل إيصال المساعدات إلى المحتاجين، كما دعا النازحين في معسكرات الأمم المتحدة بالعودة إلى ديارهم وحياتهم الطبيعية.
وجدد كير أمام آلاف المواطنين، الذين تجمعوا في ساحة ضريح مؤسس وزعيم الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق في جوبا، تأكيده على تحقيق السلام والاستقرار في أحدث دولة في العالم، داعيًا المتمردين بقيادة نائبه السابق رياك مشار إلى الانخراط في العملية السلمية عبر وساطة (الإيقاد)، وقال في هذا الشأن: «أدعو المتمردين لكي يعودوا إلى البلاد، وينضموا إلينا لحماية حياة الأبرياء من المدنيين وممتلكاتهم، وألا يعيقوا إيصال المساعدات الإنسانية»، كما أشاد بموقف مجموعة العشرة من المعتقلين السابقين بقيادة باقان أموم، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الحاكم، الذي أعيد إلى موقعه حسب اتفاق أروشا لتوحيد الحزب، وقال بهذا الخصوص: «لقد أغلقنا ملف ما يسمى بالمعتقلين السابقين، والآن هم معنا هنا في احتفالاتنا بذكرى الاستقلال الرابعة»، مشددًا على أن حكومته وضعت أهدافا استراتيجية للأعوام الثلاثة، أولها تحقيق السلام وإنهاء معاناة المواطنين، وتقديم الخدمات في مجال الصحة وتأمين المياه النظيفة.
وغاب كثير من رؤساء الدول الأفريقية والمجاورة لجنوب السودان عن الاحتفال، باستثناء الرئيس الأوغندي يوري موسيفني، الذي تربطه علاقة خاصة بجوبا، حيث سبق له أن أرسل قواته للدفاع عن حكومة الرئيس سلفا كير، فيما حضر وزراء خارجية مصر، والسودان، وكينيا، وأنغولا، وممثلو البعثات الدبلوماسية في جوبا، كما أرسل الرئيس الأميركي باراك أوباما برقية تهنئة مختصرة هنأ فيها شعب الدولة الجديدة بالاستقلال، وأعرب عن أمنياته بأن تشهد البلاد استقرارًا ويتحقق السلام، مشددًا على أن واشنطن سوف تستمر في دعم جنوب السودان.
إلا أن سوزان رايس، مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي حثت أمس قادة الفصائل المتحاربة في جنوب السودان على إنهاء الصراع، وألقت اللوم على رئيس البلاد سلفا كير وزعيم المتمردين ريك مشار في وقوع «جرائم مروعة» وأعمال عنف.
ودعت رايس في رسالة بالفيديو جاءت مفعمة بالعواطف بمناسبة الذكرى الرابعة لاستقلال جنوب السودان الطرفين لتشكيل حكومة انتقالية، وقالت: «قلبي ينفطر حين أرى ما وصل إليه جنوب السودان»، مضيفة أن «الحكومة والمتمردين يرتكبون جرائم مروعة ضد نساء وأطفال ومسنين أبرياء. والرئيس كير وريك مشار والمقربون منهما يتحملون شخصيا المسؤولية عن هذه الحرب الجديدة والكارثة الناجمة عنها».
وتابعت رايس أن الولايات المتحدة ستدعم الجهود الإقليمية الرامية لإنهاء الصراع وستحاسب المسؤولين عن العنف.
وقال كير في الخطاب، الذي بثه التلفزيون الحكومي أمس، إن معاني الاستقلال تتمثل في إحداث تغيير حقيقي، ورفض الانتقام وتحقيق السلام والمصالحة الشاملة، موضحًا أن جنوب السودان واجه تحديات كبيرة بعد الاستقلال مباشرة في حدود الدولة، وإغلاق آبار النفط في فبراير (شباط) 2012، في إشارة للأزمة التي نشبت مع السودان، معربًا عن تقديره للشعب في مساندة ودعم الحكومة رغم التحديات العصيبة، وتابع موضحا أنه «رغم أن هذه الأزمة ظهرت في بداية الاستقلال، إلا أننا استطعنا الدفاع عن سيادة أراضي بلادنا وحدودها»، وعد أن المشكلات التي حدثت في بلاده كانت بسبب قلة من الساسة، وهي التي خلقت الكراهية والفساد والقبلية.
وأقر رئيس جنوب السودان بالمصاعب الاقتصادية التي تواجه بلاده بعد الحرب، بقوله إن مدن بانتيو وبور وملكال تعرضت لتدمير بنياتها الأساسية، وإن الشعب يعاني من مصاعب اجتماعية واقتصادية، وأضاف أنه «لن يرتاح لي بال حتى يتحقق السلام في بلادنا»، مشيرًا إلى أنه يشجع المبادرات لإرساء السلام من الداخل، لكنه جدد التزامه بالمفاوضات التي تقودها وساطة الإيقاد.
من جهته، قال وزير الإعلام في جنوب السودان مايكل مكواي لـ«الشرق الأوسط» إن حكومة بلاده عازمة على تحقيق السلام والاستقرار، وناشد المتمردين بالتوجه نحو العملية السلمية، لكنه عاد وحذر المتمردين «إذا رفضوا السلام»، ملمحًا إلى حسم المسألة بالسلاح.
وكان إيرفيه لادسو، رئيس عمليات حفظ السلام بالأمم المتحدة، حيث عقد جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي حول الوضع في الدولة المستقلة حديثًا، المجلس على فرض حظر على السلاح إلى جنوب السودان، وإدراج أسماء مزيد من القادة المتنافسين في البلد الذي تمزقه الحرب، ورأى احتمالا ضعيفا للتوصل إلى حل سلمي للصراع هناك، وقد جاءت تصريحاته بعد أن اتهمت المنظمة الدولية قوات الحكومة بارتكاب عمليات اغتصاب على نساء وفتيات وحرق بعضهن أحياء، وقال المسؤول الدولي إن الوضع أصبح مخيفا تمامًا، مشيرًا إلى أن هناك شبهات في أن الموارد الشحيحة التي تملكها الدولة تذهب إلى شراء مزيد من الأسلحة، ولم يتمكن المجلس من فرض حظر للسلاح، واكتفى بالتهديد منذ مارس (آذار) الماضي.
كما بحث الوزير المصري مع المسؤولين في جنوب السودان التطورات السياسية والأمنية في جنوب السودان، والجهود المبذولة للتوصل إلى حل سياسي بين الحكومة والمعارضة في هذا البلد، فضلا عن التشاور حول عدد من القضايا والملفات الأفريقية التي تهم البلدين، وعلى رأسها قضايا الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
وأكد الوزير فور وصوله أن مشاركته في الاحتفالات تأتي تعبيرا عن عمق العلاقات الوثيقة التي تربط بين مصر وجنوب السودان، ومشاركة شعب جنوب السودان الشقيق في هذه المناسبة المهمة، مجددا حرص مصر الدائم على دعم استقرار جنوب السودان وبذل كل الجهد للخروج من المأزق الراهن، بما يتيح لشعب جنوب السودان الشقيق التفرغ لأعباء التنمية والعمل على تحسين مستوى معيشته.
وقال سامح شكري وزير الخارجية إن «العلاقات بين مصر وجنوب السودان وثيقة، وتربط الرئيس السيسي بالرئيس سلفا كير علاقات صداقة وأخوة، حيث التقيا خلال عام واحد نحو أربع مرات من أجل تفعيل التعاون المشترك بينهما في ظل حرص مصر على الاستمرار والمساهمة في الجهود التنموية لجنوب السودان، حيث تربطنا ببعضنا البعض علاقات تواصل».
وأشار شكري في تصريحات له على هامش مشاركته في احتفال جنوب السودان بعيد استقلالها نيابة عن الرئيس السيسي إلى أن هناك تعليمات من الرئيس السيسي للحكومة والوزراء بدعم التعاون وجهود التنمية في جنوب السودان في شتى المجالات. وقال إن لدينا تنسيقا على أعلى مستوى في الجانب السياسي من خلال وزارتي خارجية البلدين حول الملفات الإقليمية والدولية وكذلك قضية استقبال جنوب السودان، بالإضافة إلى التعاون في مجالات أخرى كالصحة والتعليم، حيث توفر مصر لأبناء جنوب السودان فرصا لرفع الكفاءات.
وأعرب وزير الخارجية عن سعادته لوجوده للمرة الثانية خلال شهرين «حيث كانت الزيارة الأولى ثنائية وتم الاتفاق خلالها على آلية دعم العلاقات وتفعيلها بين البلدين لمجال أرحب، ونعمل دائما على التواصل على كل المستويات سواء على مستوى القمة أو على المستوى الوزاري». وأكد شكري أن الجالية المصرية بجوبا وأبناء جنوب السودان في مصر يحظيان باهتمام من جانب الحكومتين بجانب ما توفره دولة جنوب السودان لتوفير الجو الملائم لعمل المصريين بها من أجل بناء القدرات.
وبمناسبة الذكرى الرابعة لاستقلال جنوب السودان، قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في بيان صحافي «لن أنسى أبدا الشعور بالبهجة والأمل، تلك الذكريات هي أكثر إيلاما». وأضاف أن «شعب جنوب السودان يواجه معاناة، ومستويات غير معقولة من أفعال الإساءة على نحو خال من الضمير، وبدلا من التقدم والتطور الذي كنا نأمل جميعا أن نشهده، نزح أكثر من 1.6 مليون شخص، من بينهم أكثر من 150 ألف شخص إلى مواقع حماية بعثة الأمم المتحدة في البلاد». وكانت اللقطة المعبرة عن استمرار التفاهم بين مصر وإثيوبيا والسودان قيام وزير الخارجية الإثيوبي تيدروس أدهانوم بالتقاط صورة سيلفي مع الوزير المصري سامح شكري؛ والوزير السوداني إبراهيم الغندور.



«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.