بوتين سيزور منطقة دونباس الأوكرانية «في الوقت المناسب»

ميليشيا لمتطوعين على الجبهة الشرقية تريد «القتال حتى النهاية»

قوات أوكرانية على حدود منطقة خيرسون التي انسحبت منها القوات الروسية (أ.ب)
قوات أوكرانية على حدود منطقة خيرسون التي انسحبت منها القوات الروسية (أ.ب)
TT

بوتين سيزور منطقة دونباس الأوكرانية «في الوقت المناسب»

قوات أوكرانية على حدود منطقة خيرسون التي انسحبت منها القوات الروسية (أ.ب)
قوات أوكرانية على حدود منطقة خيرسون التي انسحبت منها القوات الروسية (أ.ب)

أكد الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سيزور منطقة دونباس «في الوقت المناسب»، علماً بأن بوتين لم يتوجه بعد إلى هذه المنطقة في شرق أوكرانيا، التي أعلن ضمها نهاية سبتمبر (أيلول). وصرح المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، رداً على سؤال عن احتمال قيام بوتين بزيارة مقبلة لدونباس، «في الوقت المناسب، ستتم (هذه الزيارة). إنها منطقة من روسيا».
وحذر وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي، في مقابلة أجرتها معه صحيفة «الديلي تلغراف» البريطانية اليومية من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد يستغل محادثات السلام مع الجنود الروس في أوكرانيا لإعادة تجهيز قواته قبل شن هجوم آخر. وذكرت الصحيفة أن كليفرلي كشف عن مخاوف من أن بوتين قد يتظاهر بالمشاركة في مفاوضات، بينما يقوم بالفعل بتدريب المزيد من القوات وإرسال المزيد من الذخيرة. ونقلت الصحيفة عن كليفرلي قوله إن ثمة احتمال «أن يستغل بوتين فحسب وقف إطلاق النار لتدريب المزيد من القوات، وإنتاج المزيد من الذخيرة، وإعادة تجهيز وتسليح قواته المسلحة بعد الأضرار التي لحقت بها».
وميدانياً، قال الخبراء العسكريون البريطانيون إن القوات الروسية في أوكرانيا دخلت في معركة مكلفة بشكل غير متناسب على بلدة باخموت الواقعة في دونتيسك. وأفاد التحديث الاستخباراتي اليومي بشأن الحرب الأوكرانية الصادر عن وزارة الدفاع في لندن أمس السبت، بأن ميزة الاستيلاء على البلدة الواقعة في منطقة دونيتسك التي يبلغ تعداد سكانها نحو 70 ألف نسمة، غير متناسب مع الثمن الذي تدفعه موسكو. وجاء في التحديث أن أغلب الجهود الروسية والقوة النارية منذ أغسطس (آب) 2022 تركزت على قطاع من جبهة محصنة يبلغ طولها نحو 15 كيلومتراً. وكانت الخطة على الأرجح تطويق البلدة، مضيفاً أنه كانت هناك عمليات تقدم صغيرة في الجنوب. وأضاف التقييم الروسي أنه رغم أن الاستحواذ على باخموت سوف يعطي روسيا فرصة تهديد مناطق عمرانية أكبر مثل مدينتي كراماتورسك وسلوفيانسك، إلا أنها سوف تكون ذات «قيمة عملياتية محدودة». وتابع: «هناك احتمال واقعي بأن يصبح الاستحواذ على باخموت هدفاً سياسياً ورمزياً لروسيا». ومنذ بداية الحرب في نهاية فبراير (شباط)، تنشر وزارة الدفاع البريطانية معلومات استخباراتية يومياً عن مسار الحرب في أوكرانيا. وتتهم موسكو، لندن، بشن حملة تضليل.
كما أعلن مسؤولون في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا أمس السبت، أنهم سيساعدون المواطنين على إخلاء أجزاء من الأراضي التي تحتلها روسيا على الضفة الشرقية لنهر دنيبرو وسط مخاوف من اشتداد القتال. وقال ياروسلاف يانوشيفيتش حاكم المنطقة، إن المسؤولين رفعوا مؤقتاً الحظر المفروض على العبور للسماح للأوكرانيين الذين يعيشون في القرى على الجانب الآخر من نهر دنيبرو باجتيازه خلال ساعات النهار وإلى نقطة محددة. وكتب على تطبيق المراسلة «تلغرام»: «الإخلاء ضروري نظراً لاحتمال تكثيف الأعمال العدائية في هذه المنطقة». وحررت القوات الأوكرانية، مدينة خيرسون، الواقعة على الضفة الغربية لنهر دنيبرو، من الاحتلال الروسي في 11 نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن القوات الروسية لا تزال تسيطر على باقي المنطقة على الضفة الشرقية. وقال مسؤولون أوكرانيون، إن القوات الروسية واصلت قصف خيرسون والمناطق المحيطة بها من هناك، ما أدى لمقتل مدنيين. وقال يانوشفيتش، إنه سيتم رفع الحظر المفروض على المعابر النهرية حتى يوم الاثنين.
في سياق متصل، يقول فولوديمير ريغيشا، الذي يقود ميليشيا من المقاتلين المتطوعين في شرق أوكرانيا، إنه مستعد «للقتال حتى النهاية» ضد الجيش الروسي، ولا يخطط أبداً «للاستسلام». ومنذ 2014، كان زعيم «وحدة سانتا» يقاتل في حوض دونباس الأوكراني. في البداية ضد الانفصاليين الذين سلحتهم موسكو ثم منذ نهاية فبراير ضد الجيش الروسي. ويقول ريغيشا ذو اللحية الرمادية لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «الدافع بسيط. جاء عدو إلى أراضينا، ولم تعد هناك ضرورة لدوافع أخرى» للقتال. وأضاف وهو يدخن سيجارته بينما يسمع دوي الانفجارات من بعيد: «بالنسبة لنا، النجاح يترجم في الواقع بأننا لم نضطر للتراجع. نحن ندافع عن مواقفنا بأسناننا». ويؤكد ريغيشا الذي كان هاتفه يرن باستمرار ليتلقى رسائل من الجبهة للاستعلام عن الموقف، «ستهدأ الأمور»، قبل أن يلتزم صمتاً طويلاً.
وكان هذا الجندي المتطوع البالغ من العمر 48 عاماً يقاتل في دونباس منذ ثماني سنوات، عندما تم تشكيل ميليشيات من المدنيين لمقاومة التمرد المسلح الموالي لموسكو في شرق البلاد. ويوضح سيرغي زغوريتس المحلل المقيم في العاصمة الأوكرانية، أن «ظهور كتائب المتطوعين هذه كان له دور إيجابي» بالنسبة لكييف، معتبراً أن ذلك «كان رد فعل طبيعي من المجتمع على التهديد الذي نشأ». ويرى عدد كبير من المقاتلين مثل ريغيشا أن هذه الميليشيات هي أسرع طريقة للقتال على الخطوط الأمامية، بالسلاح، من دون انتظار تجنيدهم رسمياً في الجيش النظامي. ومنذ ذلك الحين، تم دمج العديد من هذه الكتائب تدريجياً في الحرس الوطني، تحت قيادة القوات المسلحة، في محاولة لإضفاء طابع احترافي على القوات. وتم استبعاد العناصر الذي يعدون الأكثر تطرفاً من هذه الوحدات.
وفي البداية، انضم ريغيشا إلى صفوف كتيبة «برافي سيكتور» القومية المتطرفة، قبل أن ينسحب منها ويؤسس «وحدة سانتا» التي لا يزال يقودها حتى اليوم. ومع ذلك، فقد طغت الخلافات على تاريخ المجموعة، إذ اتهم البعض وحدة ريغيشا بأنها تضم عدداً كبيراً من أعضاء اليمين المتطرف. وهذه التأكيدات كررها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي برر مراراً غزو أوكرانيا بضرورة «تخليصها من النازيين». وينفي ريغيشا رسمياً هذه الاتهامات، واصفاً نفسه ومقاتليه بالوطنيين.
وانتقد الخطاب الذي تستعمله موسكو ضدهم. وقال «إذا أحب الروس بلدهم، فهم يحبون الوطن الأم لكن عندما يحب الأوكراني بلده، فإنه يُعد قومياً أو حتى نازياً». وفي غياب لائحة رسمية لإحصاء المقاتلين، يصعب معرفة العدد الدقيق لأفراد هذه الميليشيا. وقال ببساطة إن لديه «عدداً كافياً» من المقاتلين، بما في ذلك أجانب ومن أصحاب الاحتياجات الخاصة وحتى كبار السن. ويقول أحدهم ويلقب بـ«الجد» داخل المجموعة، ويبلغ من العمر 71 عاماً، إنه لم يتم قبوله في الجيش. ويضيف: «لهذا التحقت بكتيبة المتطوعين هذه». ويعتبر ريغيشا جهود رجاله مفيدة للجيش الأوكراني، رغم أنهم لا يعملون معاً.
في فبراير، عندما شنت موسكو هجوماً شرساً باتجاه كييف، توجه ريغيشا ورجاله بسرعة إلى العاصمة للدفاع عنها. لكن القيادة العسكرية طلبت منهم العودة إلى دونباس للدفاع عن المنطقة التي تطمح روسيا إلى انتزاعها، وهذا ما فعلوه. ويصر على أن «الحرب مستمرة هنا منذ ثماني سنوات لهذا السبب لم تكن هناك صدمة أو ذعر. فقد كنا مستعدين للدخول فيها».
من جهة أخرى، يعني وجود الميليشيا بموازاة الجيش أن «وحدة سانتا» لا تستطيع الحصول سوى على القليل جداً من الأسلحة والذخيرة الثقيلة. وتذكر قصة ريغيشا بكتيبة آزوف، وحدات المتطوعين التي تم دمجها بالجيش الأوكراني في 2014، ودافعت لأسابيع في الربيع عن مجمع الصلب في آزوفستال في ماريوبول (جنوب). وهذه المقاومة التي لم تكن تملك سوى القليل من الأسلحة والذخيرة، أكسبت عناصر «آزوف» ثناء العديد من الأوكرانيين الذين يفخرون بصمودهم أمام القوة النارية الروسية. لكن ريغيشا يقول إنه تذكر شيئاً آخر هو شهادات مقاتلين أُسروا في الحرب وتحدثوا عن حرمان من الطعام وتعذيب أثناء احتجازهم في السجون الروسية. ويقول «بات من الواضح أنه يجب ألا نسمح بأسرنا»، مؤكداً قناعته بأن معاملة مماثلة أو حتى أسوأ من ذلك، ستكون بانتظار المقاتلين إذا اعتقلوا. وأكد ريغيشا «سيكون ذلك موتاً طويلاً ومؤلماً (...) لا أحد منا يستطيع الاستسلام. (...) علينا القتال حتى النهاية».


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.